في الرابع من يوليو عام 2006، على ملعب "سيغنال إيدونا بارك"، كانت إيطاليا تواجه ألمانيا – البلد المستضيف للبطولة- في نصف نهائي كأس العالم، وظلت المباراة بلا أهداف لأكثر من 118 دقيقة، بفضل الانضباط الدفاعي لفريق الآتزوري.
لكن نهاية الأشواط الإضافية بالتعادل، كانت ستعني اللجوء إلى ضربات الترجيح التي تعتمد على الحظ بشكل كبير، والتي كانت ستصعب مهمة إيطاليا نظرًا لأن المنتخب الألماني يلعب بين جمهوره.
أدرك مدرب إيطاليا "مارتشيلو ليبي" هذا الخطر، وقرر أن "خير وسيلة للدفاع في ذلك الوقت هي الهجوم الشامل"، فدفع بمهاجمه المخضرم "أليساندرو ديل بييرو" بديلًا للاعب الوسط "سيموني بيروتا" في الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الأول.
كان هذا ثالث مهاجم يدفع به "ليبي"، ومع تغيير شكل اللعب والتحول إلى الأسلوب الهجومي الشامل (ثلاثة مهاجمين وصانع ألعاب) نجحت إيطاليا في اقتناص هدفين في الوقت القاتل، ليعم الصمت المدرجات وأرجاء ألمانيا.
كان هذا درسًا من "ليبي" حول ضرورة أن يعي المرء "متى يغير استراتيجيته" ويتحول من الدفاع إلى الهجوم والعكس، أو كما يقول المستثمر الأسطوري والملياردير الكندي "بريم واتسا": "هناك وقت للحذر، ووقت للهجوم".
لحظة !! ما علاقة المباراة بالاستثمار؟
- إنها علاقة راسخة للغاية يا صديقي، تخيل معي محفظتك الاستثمارية ملعبًا لكرة القدم، وأنت المدير الفني، حيث تنافس للفوز بنهائي بطولة مرموقة، إنك لا شك تحتاج إلى خط دفاع منضبط، وهجوم كاسح، ولاعبي وسط سريعي الحركة يسهلان على الفريق التنقل بين وضعيات الدفاع والهجوم.
- كي تكون بارعًا في إدارة الاستثمار كبراعة "بيب جوارديولا" و"يورجن كلوب" في إدارة البطولات الكبرى، فإنك مثلهما تمامًا بحاجة إلى خطة محكمة مع عناصر تجيد تطبيق التعليمات ولا تتهاون في لعب دورها.
- إن استراتيجيات الاستثمار قد تكون هجومية أو دفاعية، أو مزيجًا من الاثنين بما يضمن التوازن والقدرة على التصدي لأي "هجمة مرتدة" في الأسواق مع ضمان القدرة على استغلال أي فرصة قد تظهر.
- لا ننسى بالطبع تضمين لاعبي الوسط الذين يؤدون دورًا محوريًا في الربط بين الدفاع والهجوم، ففي عالم الاستثمار، قد يُمثل هؤلاء الصناديق المتوازنة أو أسهم نمو الأرباح التي تُمكن المستثمرين من القيام بالأمرين معًا.
- اشتهرت مدرسة الكرة الإيطالية بالميل بأسلوبها الدفاعي، وتاريخيًا امتلكت مجموعة من أقوى لاعبي خط الدفاع، ما ساعدها في جني الكثير من الألقاب على مستوى الأندية والمنتخب الوطني، ولعل ذلك ما جعل من تغيير طريقة اللعب أمام ألمانيا درسًا مهمًا.
- في سوق الأسهم، ينحدر الكثيرون من المدرسة الإيطالية، إذ يميلون للدفاع (ولا عيب أو انهزامية في ذلك) ما داموا يدركون قدراتهم ويفعلون ما يتطلبه الأمر.
- الأسهم الدفاعية (أو الأساسية) هي شركات مستقرة تُدرّ دخلًا ثابتًا، ولا يتأثر الطلب على منتجاتها بشكل كبير حتى خلال الركود، وتشمل قطاعات المرافق العامة، والرعاية الصحية، والسلع الاستهلاكية الأساسية.
- كما تضم الشركات الرائدة في توزيع الأرباح، وتتميز بطلب ثابت في أوقات الأزمات، وغالبًا ما تدفع أرباحًا منتظمة، ما يجعل تقلبات الأسهم معتدلة وأقل تأثرًا بانهيارات السوق، وعادة ما تتداول بتقييمات منخفضة ونمو بطيء.
- كما نجحت المدرسة الإيطالية الدفاعية، هناك مدارس هجومية عدة، لعل أبرزها الآن مدرسة "جوارديولا"، أستاذ الضغط العالي وعراب أسلوب "تيكي تاكا". إنها مدرسة المتعة والحسم المبكر للمباريات، لكنها أيضًا محفوفة بكثير من المخاطر.
- على صعيد سوق الأسهم ينظر إلى هذه المدرسة باعتبارها تذكرة بناء الثروة السريعة. والأسهم الهجومية (أو أسهم النمو) هي شركات غالبًا ما تُعيد استثمار أرباحها من أجل نمو سريع وتحقيق عوائد كبيرة وسريعة في سوق صاعدة.
- نادرًا ما توزع هذه الشركات أرباحًا عالية، لأن الأرباح يُعاد استثمارها في البحث والتطوير والنمو، وتتسم أسهمها بالتقلب، ففي أوقات الازدهار قد ترتفع بشكل كبير، لكنها قد تهوي في أوقات الانهيار.
- تُعدّ قطاعات مثل البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتكنولوجيا الحيوية، والسيارات الكهربائية، أمثلةً نموذجيةً على الاستثمار الهجومي، وتتداول هذه الأسهم بتقييمات مرتفعة وتوقعات عالية للغاية.
- خلال الانهيارات والصدمات، غالبًا ما تتفوق أسهم القطاعات الدفاعية على أداء السوق، وتشير تقديرات شركة "أليانس بيرنشتاين" إلى أنه مع كل صدمة كبرى مرتبطة بالطاقة والتضخم منذ سبعينيات القرن الماضي، تفوقت القطاعات الدفاعية على أداء السوق بشكل عام.
- في عام 2022، بينما كانت الحرب الأوكرانية والتضخم يضغطان على الأسهم، حققت القطاعات الدفاعية الأمريكية عائدًا بنسبة 6% (مع توزيعات الأرباح) في حين انخفض مؤشر "إس آند بي 500" بنحو 17%.
- على النقيض من ذلك، هيمنت القطاعات الهجومية على الأسواق الصاعدة في السنوات القليلة الماضية، حيث ساهمت شركات التكنولوجيا السبع الكبرى بنحو 75% من مكاسب مؤشر "إس آند بي 500" منذ أكتوبر عام 2022 حتى نوفمبر 2025.
- ارتفع سهم "إنفيديا" وحده بنسبة 239% في عام 2023، وقفزت أسهم "تسلا" وغيرها من شركات السيارات الكهربائية بشكل حاد. حتى الشركات مثل "آبل" و"مايكروسوفت"، التي تمزج بين النمو والقيمة، حققت عوائد ضخمة (49% و58% على التوالي) مع ارتفاع الثقة في قطاع التكنولوجيا.
- باختصار، الأسهم الهجومية هي رأس الحربة الذي يراوغ ويسجل الأهداف: فعندما تكون السوق صاعدة، تنطلق هذه الأسهم بقوة وتكون مصدر معظم النقاط المضافة للمؤشر، أما الأسهم الدفاعية فتكتفي بالمراقبة مثل حارس مرمى الفريق المهيمن على مباراة من طرف واحد.
- يحظى أسلوب اللعب الهجومي بالإعجاب لما يقدمه من متعة وغزارة في الأهداف، لكن تكمن خطورته في أنه يترك خطوط الفريق مفتوحة، ما يعني أنه عرضة لتلقي الأهداف أمام خصم عنيد أو ربما مع أي تغيير مفاجئ في تكتيك اللعب.
- أما أسلوب اللعب الدفاعي بالنسبة للفرق التي تستطيع اقتناص الفرص، قد يكون مربحًا أيضًا، لكنه لا يضمن بالضرورة تسجيل الأهداف لجميع الفرق التي تتبناه.
- لذلك فإن المنافسة بين أندية النخبة في عالم كرة القدم تستدعي تبني نهج متزن بين الاثنين، أو التنقل بينهما في الوقت المناسب، أو كما يقول "واتسا": "يكمن السر في معرفة متى يجب تغيير الاستراتيجية".
- عمليًا، يعني هذا الميل نحو الدفاع عند ظهور مؤشرات تحذيرية (كالتضخم المرتفع، أو التقييمات المبالغ فيها، أو انحسار السوق الصاعدة)، والتركيز على النمو عند تحسن الأوضاع، وهو ما يؤكده كبار مديري الأصول.
- إن استخدام مجموعة متنوعة من فئات الأصول (الأسهم، والنقد، وحتى الذهب أو الاستثمارات البديلة) يُشبه اختيار أفضل اللاعبين الاحتياطيين، حيث لا ينبغي الاعتماد على لاعب أو اثنين من الأساطير فقط لتحقيق النجاح.
- أما إعادة التوازن بما يتماشى مع "زخم السوق" تُشبه حديث المدرب بين شوطي المباراة، فالهدف ليس تحقيق أقصى قدر من المكاسب قصيرة الأجل بأي ثمن، بل الاستمرار في المنافسة والنمو بثبات.
- هذا هو جوهر الموازنة بين الهجوم والدفاع: قد لا تفوز في كل سباق، لكنك تفوز بالدوري بالصمود في كل موسم، والمستثمر الذكي يبذل جهدًا كبيرًا في الدفاع عن مكاسبه، كما فعل لإحراز الأهداف، ولا يحتفل قبل صافرة النهاية.
Loading ads...
المصادر: أرقام- بلاك روك- فورتشن- مورجان ستانلي- ياهو فايننس- أليانس برنشتاين- كوونيام- آي جي- أكوايررز ملتبل- ماكروتريندس
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





