لم تعد الخسارة في التجربة السورية حدثاً يمكن تأريخه والإشارة إليه بوصفه مرحلة وانتهت، لأنها أعادت تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله، ولم يعد ممكناً اختزالها في خسارة بيت أو عمل أو مكان، لأن أثرها الأعمق ظهر في مستويات أقل وضوحاً سواء في اللغة التي يستخدمها الناس لوصف حياتهم، أو في فهمهم للزمن، وفي قدرتهم على اتخاذ قرارات تتجاوز اللحظة الراهنة.
على امتداد سنوات الحرب وما بعدها، تراكمت الخسائر بشكل لم يسمح بحدوث قطيعة واضحة معها، إذ لم تكن هناك لحظة توقف كافية لإعادة التقييم أو لإنتاج معنى مستقر لما حدث، ومع تراجع مستويات العنف المباشر في بعض المناطق، لم يظهر التعافي بالشكل المتوقع، بل برزت حالة وسطية، جعلت الناس تحيا في المنتصف فلا حرب مكتملة، ولا سلام قابل للحياة، وضمن هذه المساحة، تشكّلت تجربة العجز عن البدء من جديد، لا بوصفها استثناءً، بل كحالة عامة يمكن ملاحظتها عبر شرائح واسعة من المجتمع.
تعرّضت هذه الشروط لتآكل مستمر، فعدم الاستقرار لم يكن طارئاً، بل أصبح القاعدة، كما أن التجارب المتراكمة من الفقد والخذلان، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، أضعفت الثقة بإمكانية التحكم بالمسار الشخصي.
لقد طالت الخسارات أيضاً فرص التخطيط للمستقبل، فلم يعد الفقد محصوراً بما حدث، بل امتد ليشمل ما لم يعد ممكناً أن يحدث، من خيارات تعليمية ومهنية، مسارات حياة، وحتى تصورات عن الاستقرار، فقد أصبحت كلها خارج المتناول، وعلى أن هذا النوع من الخسارة أقل وضوحاً، لكنه أكثر تأثيراً على المدى الطويل، لأنه يشرح كيف خسرنا حالة الثقة في الغد ويعيد تعريف سقف التوقعات ويحدّ من القدرة على التخطيط.
ضمن هذا تُقدَّم فكرة البدء من جديد غالباً بوصفها وصفة جاهزة ومجربة من دون شرح مفصل، ولكن يعتبرها الجميع استجابة طبيعية للأزمات، وكأنها مسار تلقائي يتبعه الأفراد بعد انتهاء الصدمات، غير أن هذا التصور يتجاهل الشروط اللازمة لمثل هذا البدء، كحد أدنى من الاستقرار، إمكانية التنبؤ النسبي بالمستقبل، ووجود موارد مادية ومعنوية تسمح بالمخاطرة.
في الحالة السورية، تعرّضت هذه الشروط لتآكل مستمر، فعدم الاستقرار لم يكن طارئاً، بل أصبح القاعدة، كما أن التجارب المتراكمة من الفقد والخذلان، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، أضعفت الثقة بإمكانية التحكم بالمسار الشخصي.
نتيجة لذلك، أصبح العجز عن البدء من جديد رد فعل طبيعي، ليس لأننا لا نملك رغبة في التغيير، بل لأن الكلفة المحتملة لأي محاولة تبدو مرتفعة مقارنة بالعائد غير المضمون، وفي هذا السياق يتحول التردد من علامة ضعف إلى خيار عقلاني يهدف إلى تقليل الخسائر الإضافية.
المثال الأكثر وضوحاً على هذه الحالة اليوم هو اختيار العودة إلى البلاد، فلطالما شكّلت _أي العودة_ أفقاً رمزياً قوياً، سواء لدى من غادروا البلاد أو لدى من بقوا في حالة انتظار، غير أن تجارب العودة الفعلية أظهرت أن المسألة أكثر تعقيداً مما كان يُتصوّر.
لا يقتصر الأمر على التغيّرات المادية التي طرأت على المكان، بل يشمل التحوّلات التي حدثت لدى الأفراد أنفسهم، فبعد سنوات من الانقطاع، لم يعد الانتماء مسألة مفروغاً منها، بل أصبح موضوعاً قابلاً للنقاش، وقد حدث أن وجد كثير من العائدين أنفسهم أمام فجوة بين التوقعات والواقع.
يبرز هنا الإرهاق كعامل أساسي في تراكم الخسارات كسبب تارة وكنتيجة تارة أخرى، ولا يتعلق الأمر بإرهاق لحظي، بل بإرهاق تراكمي ناتج عن سنوات من التكيّف المستمر مع أوضاع متغيرة وغير مستقرة.
يؤثر هذا النوع من الإرهاق بشكل مباشر على آليات اتخاذ القرار إذ يميل الأفراد إلى تقليص أفقهم الزمني، والتركيز على تلبية الاحتياجات الآنية بدلًا من الاستثمار في مشاريع طويلة الأمد، كما يؤدي إلى انخفاض القدرة على تحمّل المخاطر، ما يحدّ من فرص المبادرة، من جهة أخرى ينعكس الإرهاق على الإحساس بالجدوى، فحتى في الحالات التي تتوفر فيها فرص نسبية، قد لا تُستثمر بالكامل بسبب الشك في استمراريتها أو في القدرة على الحفاظ عليها، وبذلك يتحول الإرهاق من حالة نفسية إلى عائق أمام فرص التطور.
في الوقت نفسه يتجلى أثر الإحساس بالذنب الذي يلازم الناجين من الحرب في الحذر من التعبير عن أي تحسّن في الظروف، أو في التقليل من قيمة الإنجازات الشخصية، وقد يتحول هذا الشعور إلى نوع من الرقابة الذاتية التي تحدّ من السعي نحو فرص أفضل، خشية أن يبدو ذلك منفصلًا عن معاناة الآخرين، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد، لأنه يقيّد الأفراد حتى في الخيارات التي قد تكون مناسبة لبدء حياة جديدة.
إن العجز عن البدء من جديد في هذا السياق ليس حالة فردية معزولة، بل هو شعور عام وتعبير عن شروط عامة لم تتغير بما يكفي لإنتاج مسارات حياة مستقرة، وهو يعكس حدود ما هو ممكن بقدر ما يكشف عن الحاجة إلى مقاربات أكثر واقعية.
من النتائج العميقة للخسارات المعنوية التي مُنينا بها العزلة العميقة التي نعيشها، واضطرار كل منا للعبور في نفق تجربته وحيداً، ومحاولة رتق جراحه أو القفز فوقها من أجل الاستمرار في الطريق، وهو أمر تظهر نتائجه في ما يعتري المجتمع من شروخ وتفكك.
إن هذا التفكك ينعكس على المستوى الفردي، حيث يُطلب من الأشخاص إنتاج معانيهم الخاصة من دون مرجعيات مستقرة، وفي ظل هذا الغياب، تصبح القرارات أكثر صعوبة، لأن كل خيار يبدو معزولاً عن سياق أوسع يمكن الاعتماد عليه.
كما يؤدي ذلك إلى إضعاف الإحساس بالانتماء الجماعي.
على الرغم من هذه التحديات، لا يمكن الحديث عن شلل كامل، بل تظهر أنماط مختلفة من التكيّف، تتسم بالبراغماتية والتركيز على الممكن، وتظهر بالاعتماد على مصادر دخل مؤقتة وقصيرة الأمد، وتقليص التوقعات بما يتناسب مع الواقع، وإعادة ترتيب الأولويات لصالح الأمان النسبي باعتماد استراتيجيات لا تعالج جذور المشكلة، لكنها تتيح استمرار الحياة ضمن حدود ضيقة، وهي تعكس قدرة على التكيّف، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى سقف منخفض من الإمكانات وبذل الجهد.
في ضوء ما سبق، يبدو من الضروري إعادة التفكير في مفهوم البداية من جديد، فالنموذج التقليدي الذي يفترض قطيعة مع الماضي والانطلاق من نقطة صفر لم خياراً واقعياً قابلاً للتنفيذ.
بهذا المعنى ربما آن لنا أن نبتعد عن محاولات التعويض وردم النقص، والتركيز على تقليل أثر الخسارات إلى الحد الذي يسمح باستمرار الحياة على أكثر تقدير، قد تبدو هذه المقاربة أقل طموحاً، لكنها أكثر دقة في توصيف الواقع، وأكثر قابلية للتطبيق.
ومع ذلك فإن استمرار الحياة حتى ضمن هذه الشروط، يشير إلى وجود أشكال مختلفة من التكيّف وهذا لا يعني تجاوز الخسارة، بل إدارتها ضمن حدود الممكن.
في الواقع تختلف خساراتنا -نحن السوريين- عن أشكال الفقد التقليدية من حيث الامتداد والتداخل، فهي لم تحدث مرة واحدة، ولا اقتصرت على مجال محدد، بل توزعت على مستويات متعددة: مادية واجتماعية ونفسية، وعلى امتداد سنوات الحرب فقدنا أماكننا، مصادر دخلنا، شبكاتنا الاجتماعية، وفي الوقت نفسه فقدنا الشخص الذي كناه قبل بداية كل شيء.
Loading ads...
ربما من الطبيعي أن يكبر الإنسان وينضج بالتجربة لكن ما حدث مع السوريين، أننا هرمنا فجأة وفي زمن قياسي، ما يجعل من الصعب التعامل مع الخسارة كحدث يمكن استيعابه أو تجاوزه، إذ لا توجد نقطة بداية واضحة لعملية التعافي، ولا نقطة نهاية يمكن الوصول إليها، بل هناك حالة من التعايش القسري مع غياب مستمر، يتغير شكله مع الزمن لكنه لا يختفي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

