7 أشهر
من السعر المتغيّر إلى السعر المدوّن.. هل يغيّر القرار 767 سلوك السوق السوري؟
الأربعاء، 5 نوفمبر 2025
أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2025 القرار رقم 767 الذي يفرض إظهار السعر النهائي للمستهلك على كل سلعة باللغة العربية وبخط واضح وغير قابل للإزالة، ويحظر عرض أو تخزين أو توزيع أو بيع أي منتج بلا سعر ظاهر. ويمنح القرار باعة المفرّق مرونة البيع بأقل من السعر المدوّن، كما يمنح الأسواق والمنتجين مهلةً حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 لتصريف البضائع غير المعلَّمة، شرط إعلان الأسعار على واجهات المحال ومكان عرض السلعة، مع تطبيق العقوبات المنصوص عليها بحق المخالفين.
أثار القرار فور صدوره موجةً واسعة من ردود الأفعال؛ فالمستهلكون وجزء من التجار اعتبروه خطوة نحو ضبط الفوضى السعريّة وطمأنة الزبائن، في حين عبّر آخرون عن تخوّفهم من كلف الالتزام والتباس الحدود بين "تسعير مركزي" و"إلزام بالإعلان".
وتدخّلت غرفة تجارة دمشق ببيان توضيحي أكدت فيه أنّ المقصود ليس فرض تسعير على المنتجين أو الصناعيين، بل إلزامٌ بالإعلان عن السعر عند نقطة البيع لحماية حق المستهلك في المعرفة وتعزيز الشفافية، مع الحفاظ على حق التاجر بالبيع بأقل من السعر المعلن. ودعت الغرفة إلى إصدار آلية تنفيذ رسمية تفصيلية تضمن تطبيق القرار من دون إرباك، وإلى التنسيق الهادئ بين الوزارة والقطاعين التجاري والصناعي لضمان استقرار السوق. بهذه الخلفية، يتحوّل القرار إلى اختبار عملي لتنظيم واجهات الأسعار وتقليص تشتّت القيم بين متجر وآخر.
ما الدوافع الاقتصادية والسلوكية؟ ولماذا القرار الآن؟
توقيت القرار ليس تقنياً فحسب؛ إنه استجابة لمزيج من الحوافز الاقتصادية والسلوكية تراكمت خلال الأعوام الأخيرة. أولاً، يسعى القرار إلى تقليص عدم تماثل المعلومات بين البائع والمستهلك عبر تحويل السعر من إشارة مرنة إلى معلومة مُعلَنة ومقارنة، ما يحدّ من مساحة المساومة غير المتكافئة ويعزّز ثقة الشراء.
ثانياً، يستهدف خفض تشتّت الأسعار بين محلات متجاورة للسلعة نفسها؛ فكلما اتّحدت طريقة الإعلان ووضحت المرجعية، قلت الفوارق غير المبرّرة وتحسّنت كفاءة السوق. ثالثاً، يُبسّط القرار عمل الرقابة عبر مرجعية سعر على العبوة، ما يجعل التفتيش قائماً على المطابقة والقياس بدل التقدير والانطباع، ويسرّع معالجة الشكاوى. رابعاً، يأتي في سياق موجة مخالفات واسعة رصدتها الجهات الرقابية هذا العام، وهو ما تُظهره الإنفوغرافيكات الرسمية المتداولة مؤخراً، ما يبرّر الانتقال إلى أداة تنظيمية تضيق بها فجوات التطبيق.
ما إيجابيات وسلبيات القرار؟
يهدف القرار إلى ترسيخ السعر كمعلومة ملزمة لا كإشارة قابلة للتلاعب، وهذا بحدّ ذاته أكبر مكاسبه. فالمستهلك يرى السعر قبل الشراء، ويتراجع مجال العبارة الضمنية "السعر غير ثابت"، وتتقلّص فجوة المعلومات بين الطرفين. ومع توحيد طريقة الإعلان تتقلّص تباينات غير مبرّرة بين محلات متجاورة، بينما يتحسّن عمل الرقابة لأن المرجعية باتت مكتوبة ومعلنة على العبوة أو الرف، ما يحوّل التفتيش إلى عملية مطابقة واضحة بدل التقدير.
يضاف إلى ذلك أن السماح لباعة المفرّق بالبيع بأقل من السعر المدوّن يخلق منافسة نازلة تضغط على المغالاة وتُعيد هندسة التسعير باتجاه الكلفة والكفاءة، لا باتجاه "مزاج السوق". كما أنّ المهلة الممتدّة حتى نهاية 2025 تمنح المنتجين والمستوردين وقتاً مقبولاً لتصريف المخزون غير المعلّم. وفي ظل هدوء نسبي في تقلبات سعر الصرف خلال الأشهر الأخيرة، يصبح الالتزام أقلّ كلفة وأكثر قابلية للتخطيط، خصوصاً مع إدارة المخزون وفق قاعدة FIFO المحاسبية التي تسهّل تصريف البضائع القديمة عند ورود شحنات جديدة بكلف أعلى.
في هذا الإطار يقول الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي لموقع تلفزيون سوريا: "للقرار إيجابيات مهمة كوننا نمهد لاقتصاد جديد في سوريا، ففي جميع البلاد المتقدمة يُكتب السعر تحت المنتج، بل توجد نقاط بيع يدخل فيها المستهلك للشراء دون وجود بائع مع وجود سعر معلن، وهذا ما نفتقده في سوريا، أي غياب الإعلان الواضح عن السعر في أغلب المنتجات. وبرأيي سينعكس القرار إيجاباً على المواطن والأجانب القادمين إلى البلاد، بهدف عدم استغلال الأجانب أيضاً وتحسين السمعة".
في المقابل، برزت سلبيات وإشكاليات تستحق التوضيح وقد تستحق المعالجة؛ أبرزها وجود ثابت للسعر على المنتج، فكل تغيّر في الكلفة أو الرسوم أو النقل يعني تعديل قوالب الطباعة أو إتلاف عبوات أو تأخير دفعات، وهو عبء يضغط أكثر على الورش والمتاجر الصغيرة وعلى السلع المستوردة متعدّدة الدفعات. لكن هذه المشكلة قابلة للتقليص بثلاثة مسارات واقعية، وهي اعتماد تسعير على مستوى الدفعة وليس اليوم بيومه، مع هوامش أمان معقولة تغطي تقلبات محدودة لسعر الصرف والتضخم.
إضافة إلى الاستفادة من حق البيع بأقل من السعر المدوّن لتصريف المخزون عندما تنخفض الكلف أو في العروض الترويجية (بما يحمي المستهلك بدل أن يثبّت السعر صعوداً)، واستخدام حلول تغليف تسمح بتبديل السعر بين الدفعات من دون إعادة تصميم شامل (أغلفة خارجية أو سليف، طباعة متغيّرة بالليزر)، مع بقاء السعر واضحاً وغير قابل للإزالة. وتساعد المهلة حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 على تنفيذ هذه التحويلات تدريجياً بدل "صدمة امتثال" فورية.
السلبية الثانية سلوكية، وهي الخشية من "التسعير الاستباقي"، حيث يطبع المنتجون أو المستوردون سعراً أعلى تحسّباً لتقلّبات مستقبلية. هذا التخوّف حقيقي في بيئات عالية من حالة عدم اليقين، لكنه محدود الأثر على المستهلك لأن إطار القرار يترك المنافسة تعمل نزولاً (البيع بأقل من المدوّن)، ويمكن ضبط المبالغات عبر مراجعات دورية لهوامش الربح وربط السعر المعلن بالفواتير والبيانات الكلفية عند التدقيق. كما أن التقارير المحلية تشير إلى أن هدوء تذبذبات الصرف في الأشهر الأخيرة يمنح مساحة لتسعير أقرب إلى الواقع من دون مبالغة وقائية كبيرة، بمعنى أن الخطر موجود لكنه قابل للاحتواء تنظيمياً ومحاسبياً.
السلبية الأخرى تنفيذية ورقابية؛ إذ إن حجم السوق وتعدّد السيناريوهات قد يحوّلان الالتزام إلى شكليات. وتفنيد هذه النقطة يكون بتغيير منهج التفتيش من الجولات العامة إلى رقابة مبنية على المخاطر عبر قطاعات وسلاسل توريد ذات شكاوى متكرّرة، مع ربط الإعلان عن السعر بإصدار فاتورة رسمية تجعل السعر قابلاً للتتبع، وتفعيل قنوات شكوى سريعة موثّقة بالصور والأوقات.
في هذا الإطار يقول قضيماتي: "لا أتصوّر وجود سلبيات كبيرة ناتجة عن القرار، لكن الالتزام الحقيقي يكون عندما يكون هناك ثبات في سعر الصرف، خصوصاً لكون أسعار المواد الأولية التي تُستخدم في التصنيع تتأثر بسعر الصرف، إضافة إلى وجود تكلفة طباعة الأسعار على المنتجات، وهذا ما قد يسبّب بعض الإرباك للتجار".
هل يتعارض القرار مع اقتصاد السوق الحر؟
اقتصاد السوق الحر يقوم على حرية تحديد الأسعار بالمنافسة، لكنه يفترض أيضاً حدّاً أدنى من تماثل المعلومات بين البائع والمستهلك، فإلزام إظهار السعر النهائي - وبصورة غير قابلة للإزالة - هو تدخل تنظيمي خفيف من فئة حماية المستهلك يشبه قواعد بطاقة البيان والفاتورة، ولا يتعارض مع مبدأ تحرير الأسعار طالما أنه لا يفرض سقوفاً أو هوامش ربح إلزامية. جوهر الاختبار هنا في آليات التطبيق؛ إن بقيت الخصومات والعروض مسموحة، وعمل البائع بالبيع بأقل من السعر المطبوع، واعتُمد تسعير على مستوى الدفعات مع تحديثات دورية، يبقى القرار متسقاً مع السوق الحر ويحسّن شفافيته، أمّا إذا تحوّل عملياً إلى تثبيت جبري يمنع النزول عن السعر أو يقيّد تعديلاته لاحقاً في عمليات الشراء المستقبلية، فذلك يمسّ حرية التسعير ويقوّض المنافسة. بعبارة أخرى، الإفصاح الإلزامي يعزّز السوق.
يقول في هذا الإطار الباحث قضيماتي: "يعتمد السوق الحر على التسعير بحسب التكاليف مثل النقل وأسعار الصرف وأسعار المواد الأولية والخدمات واليد العاملة وغيرها، والقرار لا يتعارض مع مبدأ السوق الحر بل سيعزّز ثقة المستهلك بالمنتجات السورية".
ما متطلبات نجاح التنفيذ؟
ينجح القرار عندما يتحوّل إلى إجراءات دقيقة وقابلة للقياس وسهلة التطبيق، فالمطلوب أولاً دليل تنفيذي موحّد ومصوّر يحدّد، بحسب القطاع، متى تُلزم الطباعة الثابتة على العبوة ومتى يكفي الإعلان على الرف، وكيف تُعالج الحالات الخاصة كالبيع بالوزن والسلع السائبة والمستورَدات متعدّدة الإصدارات. ثانياً، الرقابة المبنية على المخاطر ترتبط بفاتورة نظامية وتفسير موحّد بين المحافظات، مع نماذج ضبط موحّدة تقلّل الاجتهاد. وثالثاً، بنية تقنية مساندة عبر تحديد قالب ملصق موحّد يحمل رقم دفعة وتاريخاً، وإتاحة رمز QR اختياري يربط السعر المعلن بنقطة البيع.
إضافة إلى خفض كلف الامتثال، وبرامج تدريب سريعة للتجار والمفتّشين، وخطة انتقال مرحلية حتى نهاية 2025 مع احتمال تمديدها لاحقاً وفقاً للظروف والتطوّرات، إلى جانب تحديد مؤشرات أداء واضحة تتعلق بتراجع تشتّت الأسعار، وارتفاع نسب الالتزام، وزمن استجابة الشكاوى، مع مراجعات ربع سنوية لتعديل الآليات عند الحاجة.
يضيف قضيماتي في هذا الإطار: "من المهم أن تتباحث وزارة الاقتصاد والصناعة مع التجار والصناعيين حول آثار هذا القرار للوصول إلى أفضل أسلوب لتطبيقه، بحيث يتم تحديد هامش أسعار بنسبة 10% زيادة على الأسعار أو بحسب تغيّر أسعار الصرف، ريثما تستقر الأسواق إثر تطبيق القرار".
بشكل عام، يضع القرار 767 السوق أمام اختبار بسيط في مضمونه، مشكل قليلاً في تنفيذه؛ حيث إن تحويل السعر من رقم مرن إلى معلومة مُلزِمة قابلة للتحقق يحتاج إلى وقت ليتأقلم السوق معه، وهذا ما يفسّر ظهور ردود الأفعال الإيجابية والسلبية بهذا الحد.
كما أن تضييق تشتّت الأسعار وقيام منافسة تصب في مصلحة المستهلك لن يتحوّل إلى واقع دائم ما لم تُغلَق ثغرات التطبيق عبر دليل تنفيذي واضح، ورقابة صارمة، وفاتورة نظامية تجعل السعر قابلاً للتتبّع. في المقابل، يمكن تحييد الاعتراضات المشروعة حول كلف الامتثال وجمود الطباعة بمرحلة انتقالية فعّالة، وتسعير على مستوى الدفعات، والاستفادة من مرونة البيع بأقل من المدوّن، مع حلول تقنية بسيطة تخفّض الكلفة ولا تربك السلسلة التجارية.
Loading ads...
وإذا اقترن القرار بتنسيق جدّي مع غرف التجارة والصناعة، وبمؤشرات قياس علنية، وارتفاع في نسب الالتزام، وتراجع في الشكاوى، فسينتقل من مجرد سعر على عبوة إلى بنية ثقة بين البائع والمستهلك. أمّا إن تُرك بلا آليات، فسيستبدل السوق فوضى بأخرى، والاختيار الآن بيد صانع السياسة وكيفية التنفيذ.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


