ساعة واحدة
إلى أين يقود تجفيف السيولة الاقتصاد السوري.. ضبط الأسعار أم تفجيرها؟
الأربعاء، 13 مايو 2026
في خضم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بسوريا، برزت سياسة “تجفيف السيولة النقدية” التي ينتهجها مصرف سوريا المركزي، كواحدة من أكثر التدخلات النقدية إثارة للجدل والغموض على الساحة المحلية.
ففي الوقت الذي تسعى فيه السلطات النقدية من خلال هذه السياسة إلى كبح جماح التضخم المتصاعد وضبط تدهور سعر صرف الليرة السورية، فإن الواقع الميداني والمؤشرات الاقتصادية تكشف أثراً معاكساً تماماً لهذه السياسة، فهي لم تؤد فقط إلى تفاقم الانكماش، بل أوقعت الدورة الاقتصادية في الركود وأعادت تشكيل الأسواق لصالح مراكز قوى موازية هاربة من قبضة الدولة.
في المفهوم الاقتصادي التقليدي، تُستخدم سياسة تجفيف السيولة كأداة لضبط المعروض النقدي عند حالات الطلب المفرط، بهدف مكافحة التضخم وتحقيق استقرار سعر الصرف، لا سيما في الأسواق التي تشهد طلباً زائداً على النقود.
وفي الحالة السورية، حيث يعاني الاقتصاد من ركود عميق وهياكل إنتاجية متهالكة، تحولت هذه الأداة الفنية إلى آلة للخنق الاقتصادي وإفقار المواطنين.
واعتمدت السلطات في سوريا حزمة من الإجراءات لتحقيق ذلك، أبرزها رفع الاحتياطي الإلزامي على الودائع المصرفية، وتقييد عمليات السحب اليومية من المصارف إلى حدود بين 100 و250 ألف ليرة سورية فقط، إلى جانب تأخير دفع الرواتب والأجور وتقليص الإنفاق الحكومي الفعلي، حتى في القطاعات المكلفة بتحفيز النمو، كما ورد في تقارير متابعة للشأن النقدي مطلع العام 2026.
أما نتائج هذه السياسات، فتبدو متناقضة وصارخة في الوقت نفسه، فمن ناحية، سُجلت بعض التحسينات “البصرية” في سعر صرف الليرة مقابل الدولار لفترات قصيرة، حيث قفز السعر الرسمي من 9 آلاف إلى 11 ألف ليرة ثم إلى 115 ليرة (بالعملة الجديدة)، إلَّا أن هذا التحسن لم يكن مدفوعاً بإنتاج حقيقي أو إصلاح مالي، بل جاء نتيجة هبوط حاد في المعروض النقدي المتداول.
بقيت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي قائمة بل واتسعت تأثيراتها، فبينما يعلن مصرف سوريا المركزي أسعاراً منخفضة بشكل وهمي، كانت السوق الموازية تسعر الدولار وفق مبدأ الندرة والطلب الفعلي، فارتفعت كلفته الفعلية في التعامل.
وحسب آخر نشرة لأسعار صرف العملات، فقد وصل سعر الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية في السوق الموازية، اليوم الأربعاء، إلى نحو 13,630 ليرة للشراء و13,700 ليرة للبيع في أسواق دمشق.
في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي جورج خزام، في تصريح له نشره عبر منصة “فيسبوك”، أن السياسات النقدية القائمة على تجفيف السيولة وتقييد السحوبات المصرفية في سوريا لن تنجح في إخفاء السعر الحقيقي للدولار أو تحسين القوة الشرائية لليرة السورية، مؤكداً أن الأسواق تكشف بصورة يومية الفارق بين السعر الرسمي أو “الوهمي” للعملة وبين قيمتها الفعلية التي تنعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات.
وأوضح أن الارتفاع المتواصل في الأسعار، رغم الاستقرار النسبي الظاهري لسعر الصرف، يشير إلى أن الأسواق تعتمد سعراً غير معلن للدولار يتجاوز مستويات 19 ألف ليرة سورية عند تسعير البضائع وتحديد تكاليف الإنتاج والاستيراد.
وبيّن أن مفهوم تجفيف السيولة لا يقتصر على الحد من قدرة المواطنين على الوصول إلى ودائعهم في المصارف، بل يشمل أيضاً جملة من السياسات المالية والاقتصادية التي تؤدي إلى سحب الكتلة النقدية من الأسواق، من بينها رفع أسعار الكهرباء والمحروقات والخبز، وزيادة الضرائب والرسوم، إلى جانب تقليص الإنفاق الحكومي وتصفية عدد من منشآت وصالات القطاع العام.
أضاف خزام، أن هذه الإجراءات تؤدي عملياً إلى زيادة الجباية المالية مقابل خفض الإنفاق، ما ينعكس بتراجع حجم السيولة المتداولة لدى المواطنين والشركات، مشيراً إلى أن استمرار هذه السياسات يرفع تكاليف الإنتاج والتشغيل على الصناعيين والتجار، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع في الأسواق، ويؤدي إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد السوري بدرجة كبيرة على الاستيراد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
لفت إلى أن محاولات تعزيز قيمة الليرة عبر تقليص السيولة النقدية تبقى حلولاً مؤقتة وغير مستدامة، لأن تحسين قيمة العملة الوطنية يتطلب توسيع الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وتعزيز تدفقات القطع الأجنبي، بدلاً من الاعتماد على سياسات انكماشية تزيد من حالة الركود الاقتصادي.
وأكد أن معالجة الاختلال النقدي تتطلب سياسات اقتصادية إنتاجية حقيقية تقوم على دعم الصناعة والزراعة وتشجيع التصدير وتخفيض الاعتماد على المستوردات، بما يسهم في زيادة المعروض من الدولار وتحسين التغطية الفعلية لليرة السورية، محذراً من أن استمرار النهج الحالي قد يؤدي إلى مزيد من التضخم وارتفاع الأسعار وتآكل الدخول الحقيقية للسكان.
ذلك في وقت تشير فيه تقديرات صادرة عن منظمات دولية، بينها البنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، إلى أن الاقتصاد السوري ما يزال يواجه تحديات حادة تتعلق بالتضخم وضعف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية.
وتظهر بيانات حديثة أن واقع المعيشة في سوريا يتجه نحو مزيد من التدهور، فقد بيّن “تقرير الأداء الربعي – الربع الأول 2026” الصادر عن صندوق التنمية السوري، أن أكثر من 80 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، مع تجاوز معدل البطالة العام 50 بالمئة وبطالة الشباب 60 بالمئة، فضلاً عن أن نحو 15 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
كما كشف تقرير حديث صادر عن مبادرة “مراقبة الأسواق المشتركة” التابعة لمنظمة “ريتش”، عن ارتفاع تكلفة الحد الأدنى لسلة الإنفاق المعيشي في سوريا إلى 169 دولاراً خلال شهر شباط/ فبراير 2026، بزيادة 2 بالمئة مقارنة بنهاية عام 2025.
في الوقت نفسه، سجّل الرقم القياسي لأسعار المستهلكين زيادة شهرية بلغت 6.5 بالمئة في شباط 2026 مقارنة بالشهر السابق، وسط قفزات حادة في أسعار السكن والمياه والكهرباء والوقود بنسبة 7.9% بالمئة، والغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 5.9 بالمئة والأثاث والمعدات بنسبة 16.8بالمئة.
Loading ads...
وإذ تستمر المفارقة بين التحسن الوهمي في النشرات الرسمية والتدهور الفعلي في الأسواق والمستوى المعيشي، يبقى الجدل قائماً حول ما إذا كانت سياسة “حبس السيولة” ستمثل منعطفاً نحو الاستقرار أم أنها ستدفع بالاقتصاد السوري إلى مزيد من الركود التضخمي وتعقيد أي جهد مستقبلي للإصلاح.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


