4 أشهر
لماذا ترفض قوات سوريا الديمقراطية الاندماج في الدولة السورية؟
الأربعاء، 7 يناير 2026
على الرغم من انقضاء الموعد النهائي المحدد لاتفاقية العاشر من آذار، لم يحدث الاندماج المتوقع لقوات سوريا الديمقراطية التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب ضمن الدولة السورية، إذ لم تكن المفاوضات المكثفة وبادرات حسن النوايا التي قدمتها دمشق كافية لإقناع قوات سوريا الديمقراطية بتطبيق الاتفاق الذي وقعت عليه، ولهذا تقف دمشق اليوم على حافة دينامية جديدة يمكن أن تتطور إلى تصعيد عسكري في نهاية المطاف، لأن وحدة سوريا قد لا تتحقق إلا بعد خوض حرب، ما لم تتبدَّ مناورة أميركية في اللحظة الأخيرة. ولكن، كيف وصلت سوريا لتلك المرحلة؟ ولماذا ترفض قوات سوريا الديمقراطية تطبيق اتفاقية العاشر من آذار؟
قسد ليست الجهة السورية الفاعلة الوحيدة
إن الخطأ الأكبر في المحادثات بشأن قسد يتمثل في التعامل مع هذه المشكلة بوصفها شأناً سورياً فحسب، فلقد رأيت كثيراً من الخبراء والمحللين السوريين الذين يؤطرون قضية قسد ضمن إطار الحوار الوطني الداخلي بين السوريين، على الرغم من أن الحالة ليست كذلك، وذلك لأن من يترأسون قسد ليسوا شخصيات وطنية سورية ، كما أن المصالح السورية ليست العنوان الأبرز لتلك القيادات التي لا تقتصر على مواطنين سوريين، وذلك لأن الهوية السورية لتلك القيادات تعتبر جزءاً وليس كلاً لا وبل تحل في المرتبة الثانية لديها، بما أن عملية صناعة القرار فيها تتجاوز حدود سوريا.
وكمثال على ذلك نذكر بأن كثيرين في دمشق صوروا مظلوم عبدي على أنه شخصية بناءة وبراغماتية، وقدموه بصفته سورياً، ولعل هذا الرجل قد يتطور ليلعب هذا الدور في نهاية الأمر في حال تم التوصل إلى اتفاق معه في يوم من الأيام، لكنه ليس هذا الرجل اليوم، إذ في تصريحاته الأخيرة حول توحيد "أقاليم كردستان الأربعة" وفي تسميته لجنوب شرقي تركيا بـ(الباكور)، ولشمال شرقي سوريا بـ(روجافا)، لم تظهر إشكالية في ذلك فحسب، بل انكشف أمرها، لأن تلك التصريحات تكشف وبكل جلاء الإطار الأيديولوجي الذي يُنظر من خلاله إلى المنطقة.
بيد أن الأهم من كل ذلك هو أن مظلوم عبدي ليس صانع القرار الأخير، لأن الشخصية المحورية ماتزال شخصية باهوز إيردال، وعلى الرغم من أن كلاً من عبدي وإيردال يعتبران من المحاربين القدماء في حزب العمال الكردستاني، يتمتع إيردال بمنصب أعلى داخل التنظيم ومايزال يمارس أعماله في سوريا وجبال قنديل. في حين أن عبدي لا يمكنه زيارة قنديل مباشرة، وبذلك خسر نفوذه ضمن قيادة حزب العمال الكردستاني. وعلى النقيض من عبدي، يتميز إيردال بصلابة وتمسك أكبر بالعقيدة والأيديولوجية.
لماذا وقعت قسد الاتفاقية ثم تخلت عنها
لا تقتصر المشكلة على النزعة "السورية" المحدودة لدى قيادة قسد، بل تتمثل أيضاً بالأولويات التي ترسم شكل عملية صناعة القرار الاستراتيجي لديها، إذ حتى عند توقيع اتفاقية العاشر من آذار، لم تفعل قسد ذلك بدافع التطورات الداخلية في سوريا فحسب، بل كان هنالك عاملان خارجيان لعبا دوراً حاسماً في ذلك، وهما: توازن القوى في سوريا وتحقيق تقدم في عملية التفاوض بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.
في ذلك الحين، تعرض حزب العمال الكردستاني لضغط كبير، كما خسرت قسد دعم إيران ونظام الأسد، بالإضافة إلى خسارة الحماية من الجيش الروسي. كما أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في سوريا، في حين وقفت تركيا على أهبة الاستعداد لشن أي تدخل عسكري. وفي الوقت ذاته، دخلت أنقرة في مفاوضات مع زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون لديها عبد الله أوجلان، وذلك بخصوص عملية نزع سلاح هذا الحزب. وفي ظل تلك الظروف، لم يعد أمام قسد من خيار سوى التوقيع على اتفاقية العاشر من آذار.
ولكن مع تغير الديناميات، تراجعت قسد بسرعة عن فكرة الاندماج وتبنت موقفاً جديداً، حرصت من خلاله على فرض رؤيتها السياسية على سوريا من دون أن تقدم أي تنازل له قيمة، فأتى خطابها كخطاب من "انتصر" في الحرب السورية.
كان الدافع وراء هذا التغيير ظهور تطورين مهمين، أولهما التغير الحاصل في ميزان القوى على الأرض، إذ عندما قصفت إسرائيل القصر الجمهوري ووزارة الدفاع، أجبرت الحكومة السورية على إعادة نشر قواتها بعيداً عن السويداء، فكان ذلك بالنسبة لقسد مؤشراً على قدرة إسرائيل على منع الجيش السوري من التقدم نحو قسد في شمال شرقي سوريا.
أما التطور الثاني والأهم فيعود لتركيا، إذ ماتزال القوات المسلحة التركية تمثل أكبر خطر يهدد قسد، ولكن، في الوقت الذي حظيت عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني بزخم كبير، وصل ذلك التنظيم إلى نتيجة جديدة، وهي أنه يمكن منع تركيا من شن أي عمل عسكري ضد قسد في سوريا. ومن منظور حزب العمال الكردستاني، فإن أي تدخل من هذا القبيل يمكن أن يعتبر خرقاً لتلك العملية، كما أن السياسة الداخلية لتركيا لن تسمح لأنقرة بالضلوع في تهديد كهذا. ومن خلال هذه القراءة، تحولت التهديدات التركية لمجرد أقوال لا أفعال.
Loading ads...
وهذا التقييم إن صح، فإنه يعني بأنه لم يعد لدى قسد ما يدفعها لتقديم تنازلات لدمشق أو للسعي لتحقيق عملية الاندماج، ولكن إن أثبت هذا التقييم خطأه، فإن ثمن هذا الخطأ في الحسابات سيعود بوبال كبير على قسد. على أية حال، يذكرني هذا الحال بحال ذاك الذي رفض شرب المرطبات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

