ساعة واحدة
أزمة المازوت في سوريا.. لماذا لا تنتهي الاختناقات رغم الوعود الحكومية؟
الإثنين، 26 أكتوبر 2026
تتواصل أزمة المحروقات في عدد من المحافظات السورية، رغم الوعود الحكومية بتعزيز الإمدادات وتحسين التوزيع، في وقت تتجاوز فيه تداعيات نقص المازوت محطات الوقود لتطال النقل العام والشحن التجاري والأنشطة الزراعية والخدمات الأساسية.
وبينما أعلنت وزارة الطاقة إرسال 250 صهريجاً إلى حلب وإدلب، لا يزال التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه الإجراءات إلى إمدادات منتظمة تصل إلى المستهلكين، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار واتساع نشاط السوق السوداء مع اقتراب فصل الشتاء.
أعلنت الوزارة، الأحد، أن الشركة السورية للبترول تعمل على تحميل وإرسال 250 صهريجاً من المازوت من بانياس إلى حلب وإدلب، في محاولة لتخفيف الاختناقات التي شهدتها المحافظتان خلال الأيام الماضية.
وقال مدير الإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، إن المادة متوافرة في مستودعات الشركة، مشيراً إلى وجود ثلاث ناقلات راسية في البحر وجاهزة للتفريغ، إلى جانب ناقلات أخرى متعاقد عليها يُنتظر وصولها تباعاً.
وعزا سلات الأزمة إلى تعديات استهدفت خطوط نقل المشتقات النفطية بين بانياس وحمص، ما أدى إلى توقف وصول المادة إلى مستودعات حمص، وزيادة الضغط على مرافق التحميل في بانياس، وتأخر تنفيذ الطلبات، موضحاً أن الخط المتضرر أُصلح، وأن العمل جارٍ على إعادة ضخ المشتقات عبره تمهيداً لاستئناف التحميل من حمص، معرباً عن توقعه أن تسهم هذه الإجراءات في تخفيف الأزمة تدريجياً خلال الأيام التالية.
غير أن تفسير الأزمة بتعطل خطوط النقل لا يحسم وحده أسباب استمرار نقص المازوت في الأسواق، إذ يتوقف أثر التوريدات أيضاً على انتظام وصولها إلى المستودعات، وقدرة مرافق التحميل والنقل على تلبية الطلب، وآليات توزيع الكميات على المحافظات والمحطات، كما أن وصول الصهاريج إلى وجهاتها لا يعني بالضرورة انتهاء الاختناقات فوراً، خصوصاً مع تراكم الطلبات المتأخرة وارتفاع الحاجة الموسمية إلى الوقود.
تتزامن هذه التطورات مع ضغوط أوسع على قطاع الطاقة السوري، الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المشتقات النفطية، وكان سلات قد أوضح، في تصريحات لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” في 13 أيلول/ سبتمبر، أن الإنتاج المحلي من النفط يقارب 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات للسوق تتراوح بين 300 ألف و325 ألف برميل يومياً، مشيراً إلى أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى نحو ثلث الحاجة، وأن سوريا تستورد نحو 74 بالمئة من احتياجاتها من المازوت، مشيراً إلى محدودية قدرات التكرير المحلية وخضوع مصفاة بانياس لأعمال صيانة فنية اضطرارية.
يكشف ذلك أن أزمة التوزيع الحالية تتقاطع مع تحديات هيكلية تتعلق بتأمين المشتقات وتكرير النفط ونقل الوقود، ما يجعل استقرار الإمدادات مرتبطاً بأكثر من إجراء إسعافي، فحتى مع توافر شحنات مستوردة أو كميات في المستودعات، يمكن أن تتجدد الاختناقات إذا تعطلت مسارات النقل أو تأخرت عمليات التحميل، في وقت لا يملك فيه المستهلكون بدائل سهلة لتأمين احتياجاتهم.
وتنعكس هذه الاختناقات بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي، ولا سيما في حلب وإدلب، حيث تأثرت حركة النقل العام والشحن التجاري وتشغيل الأفران ومعاصر الزيتون وخدمات نقل مياه الشرب.
كما تكتسب الأزمة أهمية إضافية مع استمرار موسم قطاف الزيتون وارتفاع الطلب على الوقود لتشغيل الآليات ونقل المحاصيل، بالتزامن مع اقتراب الشتاء وزيادة احتياجات الأسر إلى التدفئة.
في هذا السياق، حذّر أمين سر جمعية حماية المستهلك في سوريا، عبد الرزاق حبزة، من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، بما ينعكس على أسعار السلع الاستهلاكية، قائلاً إن رفع أسعار المشتقات النفطية جرى تبريره سابقاً بأنه إجراء مؤقت يهدف إلى ضمان توافر المادة واستمرارية الإمدادات، لكن استمرار النقص يثير تساؤلات بشأن مدى تحقق هذه الأهداف.
وأضاف حبزة، وفق تصريحات تلفزيونية، أن اضطرار سائقي المركبات والشاحنات إلى الانتظار ساعات طويلة للحصول على المازوت يرفع تكاليف التشغيل، وقد يدفعهم إلى تحميل هذه الزيادة على أسعار البضائع والخدمات، موضحاً أن تداعيات النقص لا تقتصر على المحافظات المتضررة، إذ تعتمد أسواق أخرى، بينها دمشق، على المنتجات الزراعية والغذائية القادمة من الشمال، ما يجعل اضطراب النقل عاملاً إضافياً في زيادة الأعباء على المستهلكين.
وحذّر أيضاً من أن نقص المحروقات يهيئ بيئة مناسبة للاحتكار ونشاط السوق السوداء، إذ يدفع الخوف من انقطاع الإمدادات بعض المواطنين إلى شراء كميات تفوق احتياجاتهم الفعلية أو اللجوء إلى مصادر غير رسمية بأسعار مرتفعة.
وأبدى مخاوف من احتمال تسرب كميات إلى قنوات غير رسمية أو انتقالها بين المحافظات على نحو يزيد النقص في المناطق الأكثر تضرراً، داعياً إلى تعزيز الرقابة وتوضيح أسباب التفاوت في توافر المادة، وهذه المخاوف، وفق حديثه، تستدعي التحقيق والرقابة، ولا تعني أن وجود تهريب أو احتكار منظم قد ثبت بالفعل.
لا تتعلق المشكلة بتوافر الوقود فقط، بل أيضاً بكيفية إيصال الدعم إلى مستحقيه، فقد أعلنت وزارة الطاقة في أيلول/ سبتمبر خطة لتوفير ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار مختلفة 115 ليرة سورية جديدة لليتر المدعوم المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، و150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية، و175 ليرة للمازوت النظامي، موضحة أن اختلاف الأسعار يرتبط بمواصفات المنتج وطبيعة الاستخدام، مع تعهد بتنظيم التوزيع بالتنسيق مع المحافظات والجهات المعنية.
في ريف دمشق، بدأت إجراءات لحصر الأسر الأكثر احتياجاً للحصول على المازوت المدعوم، عبر لجان تضم ممثلين عن البلديات والمخاتير والجمعيات الخيرية ووجهاء محليين، لكن نجاح هذه الخطوة يظل مرتبطاً بوضوح معايير الاستحقاق، وتحديد الكميات ومواعيد التسليم، وقدرة الجهات المعنية على إيصال المادة فعلياً إلى الأسر المستهدفة.
وتبقى استدامة الحل مرهونة بانتظام التوريدات، واستعادة كفاءة خطوط النقل ومرافق التخزين والتحميل، ورفع قدرة التكرير المحلية، إلى جانب الرقابة على المحطات ومسارات التوزيع، فإرسال 250 صهريجاً قد يخفف الضغط الآني، لكنه لا يكفي وحده لضمان عدم تجدد الأزمة.
Loading ads...
وبين تعهدات الوزارة وشكاوى المواطنين، سيكون المعيار الفعلي لنجاح المعالجة هو تراجع الطوابير، وانتظام توافر المازوت، وانحسار الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق السوداء، قبل أن تتحول أزمة الوقود إلى عبء أوسع على الإنتاج والمعيشة خلال الشتاء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

