6 ساعات
"لست شجرة".. حملة مجهولة تستثمر مأساة رانيا العباسي لإشعال الانقسام في سوريا
الإثنين، 1 يونيو 2026
شهدت منصات التواصل الاجتماعي السورية خلال الأيام القليلة الماضية موجة جدل واسعة عقب إطلاق حملة رقمية منظمة ومجهولة المصدر تحت اسم "لست شجرة".
وفي حين يزعم القائمون عليها اتباع "وسائل سلمية" لمواجهة "طوائف سورية كاملة" ويحمّلها مسؤولية جرائم النظام المخلوع، إلا أن طبيعة منشوراتها وتوجهاتها قوبلت بتحذيرات حقوقية وقانونية شديدة، نظراً لما تحمله من خطاب طائفي تحريضي يدعو علناً إلى التمييز والمقاطعة الاجتماعية والاقتصادية ضد مكونات سورية محددة.
لم تقتصر الحملة على منصتي " تويتر وفيس بوك" بل سارعت إلى إنشاء شبكة حسابات موازية على باقي المنصات، معتمدةً على هوية بصرية موحدة، في وقتٍ تغيب فيه أي معلومات واضحة حول الجهات التي تديرها.
وترتكز الحملة على خطاب التعميم، وتحميل طوائف سورية بكاملها مسؤولية الجرائم التي ارتكبها النظام المخلوع. وتجلت هذه الدعوات في مطالبات صريحة بمقاطعة استئجار أو تأجير العقارات والأراضي والبيوت لأبناء هذه الطوائف، والامتناع الكامل عن توظيف أي عامل، أو حرفي ينتمي إليها.
جاء توقيت إطلاق الحملة متزامناً مع الكشف الصادم عن مصير أبناء الطبيبة رانيا العباسي الستة وزوجها عبد الرحمن ياسين، والذين تبين أنهم قتلوا تحت التعذيب بعد اعتقالهم من قبل قوات النظام المخلوع.
وكان خال الأطفال، حسان العباسي، قد أفاد برؤية مقطع فيديو صوره مرتكب مجزرة التضامن "أمجد يوسف" داخل غرفة مظلمة أظهر جثث أطفال صغار ملقاة على الأرض وقد لُفّت حول أعناقهم أربطة بلاستيكية سوداء، ما يرجّح تعرضهم للخنق.
وأوضح العباسي أن صوت "أمجد يوسف" سُمع في التسجيل وهو يقول إنه "انتقم من أحد كبار ممولي الإرهاب"، في إشارة إلى والد الأطفال وخالهم.
ويشمل الأطفال الضحايا كلاً من ديمة وانتصار ونجاح وآلاء وأحمد وليان، الذين اختفوا مع والدتهم منذ أكثر من 13 عاماً عقب اقتحام منزل العائلة واعتقالهم.
ورغم فداحة الجريمة، عمدت الحملة إلى توظيف هذه المأساة الإنسانية واستثمار دماء الضحايا لخدمة أهداف سياسية، وتحويلها إلى وقود للتحريض الطائفي وتعميق الشرخ المجتمعي.
يذكر أن وزير العدل السوري، مظهر الويس، كان قد قال أمس الأحد، إن كشف خيوط جريمة اختفاء أطفال الدكتورة رانيا العباسي يثبت أن "الحقيقة لا تسقط بالتقادم"، وأن الملاحقة والمحاسبة هما الطريق إلى العدالة.
وأضاف الويس، في منشور عبر منصة "إكس"، أن الدولة السورية ستواصل، بكل مؤسساتها، كشف الحقائق وإنصاف الضحايا وذويهم، مؤكداً أنه "لا عدالة بلا محاسبة، ولا مكان للإفلات من العقاب".
وأحدثت منشورات الحملة انقساماً حاداً وتفاعلات متباينة بين مستخدمي الفضاء الرقمي السوري، حيث تبنت بعض الحسابات أفكار الحملة بقوة، معتبرة أن المقاطعة واجب أخلاقي تجاه من شاركوا أو صمتوا عن المجازر، معتبرين أن "المشكلة ليست عابرة بل تتطلب تغيير نهج"
في حين تعامل قطاع آخر مع الحملة بالتهكم، مشيرين إلى عجزها وسطحيتها، مطالبين الفئة الأولى بعدم إغفال قضية إفلات فادي صقر وأمثاله من العقاب بتسويات مالية ضخمة من ثروات حصلوا عليها جراء سرقة بيوت المهجرين.
كما يتساءل آخرون عن "المستفيد من هذه الحملة؟" خصوصاً أنها تخدم من يسعى إلى تحويل مطلب العدالة من الجناة المتورطين بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إلى مواجهة طائفية جماعية تضعف مسار العدالة الانتقالية، ويرون أن المستفيد الأكبر منها هو فلول النظام المخلوع والقوى التي تريد إعادة إنتاج الخوف والانقسام والفوضى في المجتمع السوري، لا الضحايا ولا عائلاتهم.
وحذرت أصوات أخرى من خطورة هذا الخطاب التحريضي الذي "يسخّف الأمور ويشوه الحقيقة ليدمر الوطن أكثر"، رافضة بشكل قاطع اختزال الثورة السورية في بعد طائفي أو تصويرها كـ "حرب أهلية"، معتبرة أن نسبة الجاني لمكون اجتماعي والضحية لآخر هو قمة التسخيف والتشويه لما حدث في سوريا.
ودعا هذا التيار إلى التحام المجتمع السوري لمقاطعة المجرمين – كل المجرمين بغض النظر عن خلفياتهم – والمطالبة بمحاكمتهم وفق القانون العادل، بدلاً من معاقبة المجتمع ككل وزيادة الشرخ عبر "حقد طائفي" يخدم فلول النظام المخلوع الذي تعامل مع المجتمع كأداة من دون رحمة لضمان بقائه.
من الناحية القانونية والدستورية، تتنافى الدعوات التي تطلقها حملة "لست شجرة" بشكل مباشر مع المبادئ الحاكمة للدولة السورية وتضرب ركائزها الأساسية، إذ يظهر بوضوح من نص المادة السابعة من الإعلان الدستوري التزام الدولة القانوني بـ "تحقيق التعايش والاستقرار المجتمعي وحفظ السلم الأهلي ومنع أشكال الفتنة والانقسام وإثارة النعرات والتحريض على العنف"، فضلاً عن كفالتها "للتنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته".
ويتكامل هذا النص مع ما أقره نص المادة العاشرة من الإعلان الدستوري والذي يقطع الطريق أمام أي دعوات للمقاطعة أو العزل الاقتصادي والاجتماعي بتأكيده الحاسم على أن "المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب"؛ الأمر الذي يجعل من المطالبة بالتمييز والحرمان من الوظائف أو السكن على أساس الهوية الطائفية خرقاً دستورياً صريحاً يهدد مبدأ المواطنة المتساوية وحجر أساس دولة القانون.
وفي قراءة قانونية للحملة، حذّر المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، من المخاطر المترتبة على هذا النوع من الخطاب، مشيراً إلى أن أي مسعى لمحاسبة مرتكبي الجرائم يجب أن يستند إلى المسؤولية الفردية والفعل الجرمي، لا إلى الانتماءات الطائفية أو العائلية.
وأوضح لموقع تلفزيون سوريا أن ربط المحاسبة بالهوية الجماعية يحوّل العدالة من إطارها القانوني إلى شكل من أشكال الإدانة الجماعية، بما يتعارض مع مبادئ العدالة الانتقالية القائمة على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومساءلة الجناة كأفراد.
أكد الكيلاني أن الدولة السورية مطالبة بتحمل مسؤولياتها عبر تبني خطاب رسمي يرفض التحريض الطائفي والانتقام الجماعي، إلى جانب سنّ تشريعات تجرّم خطاب الكراهية والتمييز والتحريض. كما اعتبر أن تأخر مسارات العدالة الانتقالية يسهم في تنامي مشاعر الغضب الشعبي ويدفع بعض الأفراد إلى البحث عن بدائل انتقامية خارج إطار القانون.
وأشار إلى أن تجارب سابقة أظهرت أن المقاطعة أو الاستهداف القائم على الهوية لا يحقق العدالة المنشودة، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وتعزيز مشاعر الكراهية بين مكونات المجتمع.
وشدد الكيلاني على أن العدالة تتحقق من خلال محاسبة المسؤولين عن الجرائم استناداً إلى أدلة وإجراءات قانونية عادلة وشفافة، لا عبر عزل الأفراد أو استهدافهم بسبب انتماءاتهم.
وأضاف أن الدعوات إلى المقاطعة على أساس الهوية، حتى وإن قُدمت بوصفها وسائل سلمية، لا يمكن فصلها عن تداعياتها المحتملة، إذ قد تفضي إلى أشكال مختلفة من التمييز أو التحريض الاجتماعي أو الاعتداء على أشخاص لم يثبت ارتكابهم أي مخالفات أو جرائم. ولذلك، يرى الكيلاني ضرورة التمييز بين إدانة الجريمة ومحاسبة مرتكبها، وبين تعميم الاتهام على جماعات بكاملها.
Loading ads...
وختم بالتأكيد على أن بناء سوريا جديدة يتطلب ترسيخ مبادئ المواطنة وسيادة القانون، بعيداً عن تصنيف الأفراد وفق انتماءاتهم الطائفية أو العائلية أو المناطقية. فالمساءلة، بحسب قوله، يجب أن تستند إلى المسؤولية الفردية، وأن يُنصف الضحايا بوصفهم مواطنين وأفراداً متساوين في الحقوق، باعتبار أن هذا النهج وحده يشكل أساساً لعدالة قادرة على المساهمة في بناء وطن مستقر ومتماسك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

