لطالما أثارت معايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة، المعروفة اختصارًا بـ«ESG»، انقسامات حادة بين مؤيدين يرونها واجبًا أخلاقيًا، ومعارضين يعتبرونها أداة للضغط على الشركات لتقديم اعتبارات اجتماعية وبيئية على حساب الأرباح.
غير أن هذا الجدل أخفى حقيقة أكثر أهمية، وهي أن تلك المعايير بدأت تتحول تدريجيًا من قضية أخلاقية إلى عنصر مالي يمكن قياس أثره على أداء الشركات وقيمتها السوقية.
وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، عانت ممارسات الاستدامة من غياب المعايير الموحدة وضعف جودة البيانات وتباين التشريعات بين الدول. ما جعلها تبدو بعيدة عن اهتمامات المستثمرين والمحللين الماليين. لكن هذا الوضع بدأ يتغير بصورة متسارعة.
أحد أبرز التحولات يتمثل في ظهور معايير عالمية موحدة لإعداد تقارير الاستدامة.
فبدءًا من هذا العام، ستبدأ شركات في أكثر من 60 دولة تطبيق معايير الإفصاح الجديدة «آي إف آر إس إس1» و«آي إف آر إس إس2». ما يضع الشركات حول العالم تحت إطار موحد للإفصاح عن بيانات الاستدامة.
ويعني ذلك أن الشركات ستستخدم لغة موحدة عند عرض أدائها البيئي والاجتماعي. ما يقلل من التباينات التي كانت تعيق المقارنة بين المؤسسات والأسواق المختلفة.
في الوقت نفسه، لم تعد وكالات التصنيف الائتماني تنظر إلى المخاطر البيئية والاجتماعية باعتبارها عوامل ثانوية.
فقد وسعت مؤسسات التصنيف منهجياتها لتشمل تأثيرات قضايا مثل الفساد المؤسسي أو المخاطر المناخية على احتمالات التعثر الائتماني. ما يجعل تجاهل هذه العوامل أقرب إلى سوء تقدير مالي للمخاطر.
وبذلك أصبحت قضايا الاستدامة جزءًا من أدوات تقييم الجدارة الائتمانية وليس مجرد اعتبارات تتعلق بالسمعة أو الصورة العامة للشركات.
كما شهدت السوق تطورًا جديدًا يتمثل في ظهور أدوات تحليلية قادرة على قياس التأثير المالي المباشر لمخاطر وفرص الاستدامة.
فقد طورت شركة «أبرايت» الفنلندية منصة تعتمد على مئات الملايين من الدراسات العلمية لتقدير انعكاس قضايا مثل التغير المناخي والتلوث وسلوك الشركات على الإيرادات والأرباح والتدفقات النقدية والأصول والالتزامات.
ويعني ذلك أن عوامل الاستدامة لم تعد مجرد مؤشرات نوعية يصعب قياسها، بل أصبحت قابلة للترجمة إلى أرقام مالية ملموسة.
وتنعكس هذه التحولات أيضًا على سوق الاندماجات والاستحواذات.
فوفقًا لاستطلاع أجرته «كيه بي إم جي»، أكد أربعة من كل خمسة صناع صفقات حول العالم أن اعتبارات الاستدامة أصبحت جزءًا من أجندة عمليات الاستحواذ والاندماج.
كما أشار 45% من المشاركين إلى أن نتائج فحص الاستدامة أثرت بشكل جوهري في صفقاتهم. بينما واجهت أكثر من نصف هذه الحالات عقبات أدت إلى تعطيل الصفقات بالكامل.
ويرى الخبراء أن نماذج تقييم الشركات تطورت تاريخيًا لتشمل عوامل كانت تُعد هامشية في السابق، مثل اتجاهات المستهلكين والمخاطر التنظيمية والصحية والجيوسياسية.
واليوم تسير معايير الاستدامة في الاتجاه نفسه، لتصبح جزءًا أساسيًا من تقييم المخاطر وتوقع التدفقات النقدية المستقبلية. ما يعزز مكانتها داخل النماذج المالية المستخدمة من قبل المستثمرين والمؤسسات.
ورغم تصاعد الجدل السياسي حول قضايا الاستدامة في بعض الدول، فإن الاتجاه السائد داخل الأوساط المالية يسير في الاتجاه المعاكس.
فمع تحسن المعايير المحاسبية وتطور أدوات القياس واتساع استخدام بيانات الاستدامة في التقييم الائتماني والاستثماري، يزداد الاعتقاد بأن تجاهل هذه العوامل سيُنظر إليه قريبًا باعتباره صورة من صور سوء الإدارة المالية، وليس مجرد اختلاف في الرأي حول قضايا البيئة أو المسؤولية الاجتماعية.
Loading ads...
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





