يبدأ "السرفيس" بشق دربه عبر طريق المطار، فيستعد الزائر للتمتع بمشهد غوطة دمشق، أو "الطوق الأخضر"، كما سماها ابن بطوطة. لكن "أنزه بلاد الله وأحسنها منظراً"، كما يصفها ياقوت الحموي، لا تبدو كما نتلقاها في الكتب. فأبنية الشركات والعمارات السكنية ومعارض السيارات، وصلت إلى الأوتوستراد تماماً!.
تتسارع المخالفات وتمتد، من أول طريق المطار، إلى جسر "عقربا"، رغم أن القانون رقم 26 لعام 2006، يصنفه كطريق سريع ومركزي، له حرم يمنع البناء فيه، ويحظر ربط المنشآت القريبة، بأية مفارق تتفرع من هذا الطريق.
وبينما تنهمك محافظة دمشق، بصيانة الأرصفة ونقل المخلّفات، حتى لا يراها الضيوف القادمون من المطار باتجاه دمشق، تتقدم الكتل الأسمنتية بثقة على بعد أمتار من ورش عملها، لتغير معالم المكان، وتشوه مدخل الغوطة ودمشق معاً.
وإضافة للقانون السابق، فإن القانون رقم 5 لعام 1982 مع تعديلاته اللاحقة، لم يستطع حماية المناطق الزراعية المحيطة بطريق المطار، ومنع إقامة المنشآت السكنية أو الصناعية القريبة منه، كما لم يوقف تجريف الأراضي وتغيير هويتها من زراعية إلى صناعية.
من جانبها، كانت قوانين وزارة النقل، حاسمة في هذا الاتجاه، فقد فرضت حرماً على جانبي الطريق، يمتد مسافة تتراوح ما بين 50 و 100 متر، إضافة للقانون رقم 2 لعام 2023، الخاص بالمطاعم والمتنزهات الذي ألزم تلك المنشآت بألا تؤثر على المساحات الخضراء أو الموارد المائية، لكن كل تلك القوانين لم تجد نفعاً.
ننعطف من جسر "عقربا"، باتجاه بلدة "المليحة"، ثم نتوغل أكثر نحو "زبدين" و"دير العصافير"، فتبدو الغوطة، "جنة المشرق"، كما وصفها ابن جبير، في حالة يرثى لها، بسبب مخلفات البناء والأنقاض المنتشرة على أطراف الطرق، إضافة للأبنية الطابقية الحديثة التي راحت تأكل الأراضي الزراعية.
ولا يبدو نهر بردى وفروعه المتعددة في الغوطة، بحال أفضل، فالجفاف وتراكم النفايات في مجاري الأنهار، وتحول بعضها إلى مجارٍ للصرف الصحي، يتسبب بصدمة لدى الزائرين، خاصة عندما تزكم أنوفهم رائحة المجاري، فيتساءلون عن "الهواء العليل" الذي طالما تغنى به الرحالة في هذه المنطقة؟.
وإذا ما بقي التهام الكتل الإسمنتية لأراضي غوطة دمشق، على هذه الوتيرة، كيف يمكن أن نتخيل مشهد الغوطة في السنوات المقبلة؟ تلك الرئة الخضراء التي تتنفس منها دمشق، ويهرع إليها الناس كلما ضاقت بهم الدنيا، ستتحول لكتل إسمنتية وعشوائيات، يطل عليها قاسيون الأجرد، الذي تكتسحه أبنية الاستثمارات، كأننا في صحراء أو في مدينة صماء!.
كلما أوغلنا في عمق الغوطة، تبدأ المناطق الخضراء البكر، بالتقاط أنفاسها محاولة الانتعاش، نظراً لبعدها عن مغريات الاستثمار والسكن، لكن قضم الأراضي مستمر بالزحف نحوها.
نسأل الناس أن يرشدونا للطريق الموصل إلى نبع حاروش، لكن مشهد النبع يبعث على الخذلان، بعد تحوله لبركة صغيرة، بعد أن كان بحيرة واسعة عميقة.. لقد عاد النبع للتدفق بشكل بطيء جداً، نتيجة للأمطار الوفيرة التي هطلت هذا العام، هكذا يخبرنا الناس، لكنهم يتحفظون في رفع منسوب الأمل، بسبب انتهاء الأمطار وبدء موسم الصيف والجفاف.
لكن صدمة وجود معمل لصناعة الرمل الخاص بأعمال البناء، بالقرب من النبع تماماً، تعتبر ثقيلة جداً!. ترى، ألم يجدوا سوى حرم النبع، مكاناً لمشروعهم الذي يوفر الغذاء لوحش التهام الغوطة الإسمنتي؟ ثم ماذا عن الغبار الذي راح يسدل تلوثه على الغطاء الأخضر، على أطراف دير العصافير في عمق الغوطة؟.
رغم قتامة المشهد، نصر على الوصول إلى غابات شبه عذراء، ما زالت عصيةً على مشاريع البشر في أراضي الغوطة.. فنتوغل باتجاه الجنوب الشرقي، حتى تقوم أشجار الحور المصطفّة بانتظار على مجرى النهر الجاف، بانتشالنا مما وصلنا إليه خلال الرحلة.
الغوطة ما زالت تقاتل ببسالة، متمسكة بالحياة. هكذا تقول ثمار أشجار المشمش والخوخ، وبجانبها حقول الكزبرة والفول والخضراوات..
مياه الصرف الصحي لم تصل إلى هنا بعد، هكذا يؤكد صوت "موتور" المياه الذي يصلنا من بعيد، وهو يجاهد كي يخرج الماء.. فنمشي نحوه ونحن نتنفس الصعداء.. تلك النغمة التي يطرب إليها الفلاحون، تعني كل حياتهم، هكذا يخبرنا العابرون وهم يشيرون إلى ساقيات الماء وهي تمضي بين النباتات والأشجار، نحو الأراضي العطشى.
نسترجع قول الشاعر القروي، المتوافق مع مشهد التفاؤل وارتفاع نسبة الايجابيات، التي أنقذتنا في الغوطة، إذ يقول: "يا جِلّقُ الفيحاءُ كم في الغوطةِ.. صِيْدَتْ لنا من بهجةٍ ومَسرةِ". فنحاول لمس الماء البارد، لنجرب متعة الغطاء الأخضر وهو يشعر بالارتواء.. تلك القطعة من الأرض، هي "الجنان" فعلاً.
سنابل القمح الخضراء، تمتد بحقول واسعة بجوار الأشجار المثمرة، وإلى جانبها المياه العذبة المتدفقة من البئر القديم، تجعل من الغوطة "سلة غذاء" مادي ومعنوي، لكن تلك السلة تحتاج للعناية والإملاء دائماً، حتى يحق فيها قول الشاعر ناصيف اليازجي:
Loading ads...
"تجري الجداولُ في ظلالِ غصونها ... فكأنها بين الرياضِ سماءُ"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




