37 دقائق
العالم علوم - بعد رصد اصطدام ضخم على القمر.. من يحمي الأرض من كارثة الكويكبات العابرة للفضاء؟
الجمعة، 18 سبتمبر 2026

أعاد اكتشاف فوهة اصطدام حديثة على سطح القمر، تشكلت خلال عام 2024، تسليط الضوء على الخطر الذي تمثله الأجسام الفضائية للأرض. وبينما يحتفظ القمر بآثار اصطداماته لمليارات السنين، تطمس عوامل التعرية والنشاط الجيولوجي معظم آثار الكويكبات على كوكبنا. من "تشيليابينسك" في روسيا إلى فوهة "تشيكشولوب" في المكسيك التي ارتبطت بانقراض الديناصورات، يكشف تاريخ الاصطدامات الكونية عن قوة هذه الأجرام، وعن أهمية فهمها ورصدها قبل أن تهدد مستقبل الحياة على الأرض.
هل في كل مرة ستسلم الجرة؟ سؤال يعود إلى الواجهة كلما رصد العلماء جسما فضائيا يقترب من أحد أجرام النظام الشمسي. فقد أظهر تاريخ الأرض أن اصطدامات الكويكبات يمكن أن تكون مدمرة، وكان أحدها، قبل 66 مليون عام، مرتبطا بأحد أكبر الانقراضات الجماعية في تاريخ الكوكب، وباختفاء الديناصورات، ما عدا الطائر منها.
وتعود هذه الأسئلة إلى الواجهة بعد الإعلان عن اكتشاف فوهة اصطدام حديثة على سطح القمر. الفوهة، التي تشكلت في ربيع عام 2024، رصدها باحث في وكالة ناسا أثناء تحليل صور التقطها "مستكشف القمر المداري" (LRO)، الذي يراقب سطح القمر منذ أكثر من 15 عاما.
تشكلت الفوهة على الأرجح بين 11 أبريل و22 مايو 2024، نتيجة اصطدام القمر بجسم كان إما كويكبا أو مذنبا. ويبلغ قطرها نحو 222 مترا وعمقها نحو 43 مترا، وقد أطلق عليها اسم "ماكغيتشين" (McGetchin)، تكريما لعالم القمر توم ماكغيتشين.
ويُقدّر حجم الجسم الذي أحدثها بما يقارب حجم مبنى من ثلاث إلى ست طبقات. ويعتقد العلماء أن اصطداما بهذا الحجم يحدث على القمر في المتوسط مرة كل قرن أو أكثر.
يضيف اكتشاف فوهة ماكغيتشين دليلا جديدا إلى فهم العلماء لكيفية تغير سطح القمر. كما يوفر فرصة لدراسة آثار اصطدام حديث نسبيا. ويمكن لمثل هذه الاكتشافات أن تساعد في فهم طبيعة البيئة التي ستواجهها البعثات المستقبلية إلى القمر.
ومنذ أن وجّه غاليليو غاليلي مقرابه نحو القمر في بداية القرن السابع عشر، عرف الإنسان أن سطح جارنا السماوي مليء بالفوهات. بعضها صغير، فيما يمتد بعضها الآخر لمئات الكيلومترات. وتكشف هذه الفوهات عن تاريخ طويل من الاصطدامات بأجسام قادمة من الفضاء، يعود بعضه إلى مليارات السنين. وعلى الرغم من اختلاف الظروف بين الأرض والقمر، فإن كلا الجرمين تعرضا عبر تاريخهما لاصطدامات كونية عديدة.
تختلف الصورة بين الجُرمين، خصوصا بالنسبة إلى الأجسام الصغيرة. فالأرض تملك ما لا يملكه القمر: غلافا جويا كثيفا نسبيا يستطيع تفتيت كثير من الأجسام الصغيرة أو إبطاءها قبل وصولها إلى السطح، وإن كان لا يمنع جميعها. أما القمر فلا يملك غلافا جويا كثيفا يمكن أن يؤدي هذه الوظيفة. لذلك يمكن للأجسام التي تصل إلى سطحه أن تصطدم به مباشرة، مخلفة فوهات واضحة.
تشيليابينسك - روسيا - 2013
ويبلغ الجسم الذي أحدث فوهة ماكغيتشين نحو 20 مترا على الأرجح، وهو قريب في الحجم من الجسم الذي دخل الغلاف الجوي للأرض فوق مدينة "تشيليابينسك" الروسية في شتاء عام 2013. كان ذلك الحدث من أكثر الاصطدامات الجوية التي وثقتها الكاميرات الحديثة. فقد ظهر جسم شديد اللمعان في سماء المنطقة في وضح النهار، قبل أن تتسبب موجته الصدمية في تحطم عدد كبير من النوافذ وإلحاق أضرار بالمباني، وإصابة أكثر من ألف شخص، معظمهم بسبب الزجاج المتكسر.
دخل الجسم الغلاف الجوي بسرعة هائلة، فضغط الهواء أمامه بشدة وولد موجة صدمية وغازات شديدة السخونة. ومع تعرضه لهذه الظروف، تفكك الجسم وتبخرت أجزاء منه، فيما وصلت بعض شظاياه إلى سطح الأرض على هيئة نيازك. وكانت الموجة الصدمية الناتجة عن الانفجار الجوي هي التي تسببت في معظم الأضرار، وليس اصطدام كتلة الجسم نفسها بالمباني.
أما على القمر، فلم يواجه الجسم الذي اصطدم بسطحه غلافا جويا كثيفا يفتته أو يفقده جزءا كبيرا من طاقته قبل الاصطدام. لذلك تحررت معظم طاقته الحركية عند اصطدامه بالسطح، محدثا فوهة يبلغ قطرها نحو 222 مترا.
الغلاف الجوي ليس قادرا على منع الأجسام الكبيرة من الوصول إلى سطح الأرض أو إحداث أضرار واسعة. لكن حجم الجسم وحده ليس العامل الوحيد. فتركيبه وسرعته وزاوية دخوله تؤثر أيضا في النتيجة.
رصد فوهات مخفية على الأرض
ومع ذلك، فإن قلة الفوهات الظاهرة بوضوح على الأرض، مقارنة بالقمر، تعود أساسا إلى نشاط الكوكب نفسه. فالرياح والأمطار والثلوج والأنهار والبحار تغير سطح الأرض باستمرار، وتؤدي عمليات التعرية والترسيب إلى طمس كثير من آثار الاصطدامات القديمة. كما أن النشاط الجيولوجي للأرض، بما في ذلك حركة الصفائح التكتونية والبراكين، يعيد تشكيل القشرة ويخفي أجزاء من سجل الاصطدامات. وتزيد المحيطات والغطاء النباتي والرواسب من صعوبة العثور على هذه الآثار.
لكن بعض الفوهات القديمة يمكن اكتشافها من خلال البحث الجيولوجي والجيوفيزيائي. وهذا ما حدث مع واحد من أشهر الاصطدامات في تاريخ الأرض: "تشيكشولوب". قبل 66 مليون عام، اصطدم جسم فضائي ضخم بالأرض في منطقة شبه جزيرة يوكاتان، شمال شرق المكسيك حاليا. وبعد عقود من البحث، تمكن العلماء من تحديد موقع البنية الجيولوجية التي خلفها الاصطدام، والمعروفة باسم فوهة تشيكشولوب.
لم تعد الفوهة ظاهرة على سطح الأرض، فقد دُفنت تحت طبقات من الصخور والرواسب، بينما يقع جزء منها تحت مياه خليج المكسيك. ومع ذلك، بقيت بنيتها الجيولوجية محفوظة بما يكفي لتمكين العلماء من دراسة ذلك الحدث الكارثي. ويبلغ قطر البنية نحو 180 إلى 200 كيلومتر.
أما الجسم الذي أحدثها، فيُقدّر قطره بنحو 10 إلى 15 كيلومترا. ولإدراك ضخامة الفارق، فإن جسم "تشيكشولوب" كان أكبر من جسم "تشيليابينسك" بفارق هائل في الحجم. وبافتراض كثافات متقاربة، يمكن أن تصل نسبة الكتلة إلى مئات الملايين من المرات.
الكويكبات، مُحرّك تطور الكائنات؟
كان اصطدام تشيكشولوب حدثا نادرا ومدمرا غيّر تاريخ الحياة على الأرض. فقد ارتبط بالانقراض الجماعي الذي وقع عند نهاية العصر الطباشيري، والذي اختفى خلاله نحو 75% من الأنواع، ومن بينها الديناصورات غير الطيرية. وأطلق الاصطدام كميات هائلة من الغبار والمواد المتطايرة إلى الغلاف الجوي، وأدى إلى اضطرابات مناخية وبيئية عالمية أثرت في سلاسل الغذاء والنظم البيئية.
في ذلك الحدث، كانت تعيش مجموعة من الثدييات. وأتاح الانقراض الجماعي للثدييات الناجية فرصا بيئية واسعة للتنوع والانتشار خلال ملايين السنين التالية. ومن بين السلالات التي تطورت في هذا العالم الجديد ظهرت، بعد زمن طويل، الرئيسيات ثم الإنسان.
Loading ads...
وهكذا، فإن الاصطدام الذي كان كارثة هائلة بالنسبة إلى الحياة في ذلك الزمن أسهم أيضا في إعادة تشكيل مسار التطور على الأرض. فهل يمكن لكويكب آخر أن يعيد كتابة هذا المسار؟ وهل تستطيع البشرية اليوم اكتشاف الأجسام الخطرة والتعامل معها قبل أن تصل إلى الأرض؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




