ساعة واحدة
الغارات على درعا تفتح ملف التنسيق السوري الأردني.. من حدّد الأهداف؟
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026
فتحت الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع في جنوبي سوريا، مساء الإثنين الماضي، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، سلسلة من التساؤلات بشأن المعلومات الاستخبارية التي استندت إليها عمّان لتحديد أهدافها، ومدى التنسيق مع دمشق قبل تنفيذ العملية، في ظل تباين الروايات الرسمية بين البلدين بشأن ملابسات القصف ونتائجه.
وخلال نقاشات في برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، تناول خبراء في الشؤون الأمنية والسياسية احتمالات وجود خلل في المعلومات أو إجراءات التنسيق، وأثر التصورات الأمنية الأردنية السابقة تجاه الجنوب السوري في اتخاذ القرار العسكري، إلى جانب التداعيات المحتملة للغارات على العلاقات الثنائية.
وتركز النقاش على ثلاثة أسئلة رئيسية: كيف ربط الأردن بين منفذي الهجوم على كنيسة في محافظة الكرك والمواقع المستهدفة في درعا؟ ومن حدد إحداثيات تلك المواقع؟ ولماذا نُفذت الغارات رغم وجود قنوات تعاون أمني بين البلدين؟
وتأتي هذه التساؤلات في وقت اتفق فيه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي، خلال اتصال هاتفي أُعلن عنه فجر الأربعاء، على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للوقوف على تفاصيل العملية وحقائقها ومتابعة تداعياتها، وتطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري.
شكّك الخبير الأمني والاستراتيجي عصمت العبسي في إمكانية إنجاز التحقق الاستخباري اللازم خلال الفترة الفاصلة بين توقيف منفذي هجوم الكرك وتنفيذ الغارات على درعا، مشيراً إلى أن رصد المواقع وكشف صلاتها بالمشتبه بهم والتثبت من وجودهم يستغرق، وفق تقديره، ما لا يقل عن 72 ساعة في الظروف المعتادة.
ورجّح العبسي أن تكون الأجهزة الأردنية قد تلقت معلومات مضللة بشأن الأهداف، معتبراً أن الخلل المحتمل يتجاوز دقة المعلومات إلى الإجراءات التي سبقت تنفيذ العملية، خصوصاً في ظل نفي دمشق وجود تنسيق مسبق معها.
ودعا الحكومة الأردنية إلى كشف هويات العناصر الذين قالت إن الغارات استهدفتهم، وتوضيح مصدر الإحداثيات التي اعتمدتها، مشدداً على أن حديثه عن احتمال وجود جهة ضللت عمّان يبقى تحليلاً لا يستند إلى أدلة تثبت مسؤولية طرف بعينه.
وفي المقابل، دافع وزير الدولة الأردني الأسبق للشؤون القانونية، محمود الخرابشة، عن القرار العسكري، مؤكداً أن المعلومات التي حصلت عليها الأجهزة الأردنية خلال التحقيق مع الموقوفين في هجوم الكرك كشفت، بحسب قوله، ارتباطهم بخلية موجودة في الجنوب السوري، وأنهم قدموا معلومات ساعدت على تحديد مواقعها.
واعتبر الخرابشة أن سرعة تنفيذ الغارات كانت ضرورية للتعامل مع التهديد، مشيراً إلى أن بلاده استندت إلى معلومات استخبارية بشأن وجود عناصر مرتبطة بالهجوم داخل الأراضي السورية.
وفي حين تحدث الخرابشة عن مقتل أكثر من 20 عنصراً من تنظيم داعش، فإن البيان الرسمي للحكومة الأردنية استخدم صيغة مختلفة، إذ أشار إلى خسائر في صفوف التنظيم تُقدّر بأكثر من 20 عنصراً، من دون تحديد عدد القتلى.
يرى الباحث السياسي محمد زكوان كوكي أن الخلاف بشأن التنسيق يمثل إحدى أبرز نقاط الغموض في العملية، متسائلاً عن سبب اللجوء إلى القصف الجوي في ظل وجود قنوات تعاون أمنية بين البلدين، وإمكانية التعامل مع المشتبه بهم عبر إجراءات أمنية مشتركة.
وأشار كوكي إلى أن وجود هدف أمني محتمل كان يستدعي دراسة خيارات تحد من المخاطر على المدنيين، معتبراً أن الكشف عن آلية اتخاذ القرار والتأكد من مشروعية الأهداف يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي تحقيق.
أما الخرابشة، فلم يستبعد وجود سوء فهم في إجراءات التنسيق، مع تمسكه بأن الأردن تحرك لحماية أمنه ومواجهة تهديدات قال إنها انطلقت من الأراضي السورية.
من جهته، اعتبر الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن ما حدث يكشف خللاً في آليات التعاون الأمني والسياسي بين دولتين تجمعهما شراكة في مكافحة الإرهاب.
وأوضح أن التنسيق الفعّال يتطلب تبادل المعلومات الاستخبارية والتحقق المشترك من الأهداف والاتفاق على توقيت التدخل وطريقته، مع إمكانية تولي أحد الطرفين التنفيذ وفق التفاهمات المتفق عليها.
وشدد علوان على أهمية التعامل مع الأردن باعتباره شريكاً أمنياً لسوريا، مع ضرورة معالجة أوجه القصور التي كشفتها الغارات، منعاً لتكرار العمليات التي تؤدي إلى سقوط مدنيين.
وكان الجيش الأردني قد أعلن تنفيذ الغارات بالتنسيق مع الحكومة السورية، بينما أكدت دمشق بصورة صريحة عدم وجود تنسيق مسبق، ووصفت العملية بأنها انتهاك لسيادتها ومبادئ حسن الجوار.
طرح الباحث في الشؤون السياسية والأمنية فاضل خانجي زاوية أخرى لفهم القرار الأردني، تتعلق باستمرار التصورات الأمنية التي تشكلت لدى عمّان تجاه الجنوب السوري خلال سنوات حكم النظام المخلوع.
ورأى خانجي أن هجوم الكرك ربما أعاد تنشيط تصورات سابقة عن التهديدات القادمة من سوريا، ما انعكس على تقدير المخاطر وطريقة التعامل معها عسكرياً.
واعتبر أن التعاون الأمني الذي نشأ بين البلدين بعد سقوط النظام المخلوع كان يفترض أن ينعكس على تلك التصورات، بحيث تصبح مؤسسات الدولة السورية شريكاً مباشراً في معالجة التهديدات، بدلاً من التعامل مع أراضيها بوصفها مصدراً لها.
وفي ما يتعلق بقدرة دمشق على التعامل مع أي خلايا مسلحة محتملة في الجنوب، أشار علوان إلى أن التحركات الأمنية والعسكرية السورية في المنطقة تخضع لحسابات معقدة مرتبطة بالوجود العسكري الإسرائيلي والقيود المفروضة على الانتشار العسكري.
في المقابل، رأى الباحث في العلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت أن الأجهزة السورية تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات أمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة، مستشهداً بعمليات سابقة في عدة محافظات، ومعتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التنسيق اللازم قبل الضربة الأردنية.
أثارت طبيعة المواقع المستهدفة تساؤلات إضافية خلال النقاش، خصوصاً مع إعلان الجانب الأردني استهداف عناصر من تنظيم داعش، مقابل توثيق سقوط ضحايا مدنيين في الغارات.
وبحسب حصيلة أعلنتها وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، أسفرت الضربات على ريفي درعا والسويداء عن مقتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وإصابة ثلاثة آخرين، بعدما استجابت فرق الدفاع المدني لأربعة مواقع تعرضت للقصف.
وأشار كوكي إلى أن المعاينات الصحفية للمواقع المستهدفة، وفق ما تابعه من تقارير، لم تقدم أدلة ظاهرة تثبت وجود مستودعات أسلحة كبيرة أو العدد المعلن من عناصر التنظيم، مطالباً بكشف الأدلة التي استندت إليها الرواية الأردنية.
ولا تكفي المعاينات المشار إليها وحدها لحسم طبيعة جميع الأهداف أو نفي وجود عناصر مسلحة فيها، وهو ما يبقى من المسائل التي تحتاج إلى تحقيق موثق.
ورأى كوكي أن معالجة تداعيات العملية تتطلب توضيح ما جرى وتقديم اعتذار لأسر الضحايا المدنيين وإنصافهم، بصرف النظر عن نتائج التحقيق بشأن الأهداف العسكرية المحتملة.
مع اتفاق البلدين على تشكيل لجنة أمنية مشتركة، انتقل النقاش إلى الإجراءات اللازمة لتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الحادثة.
ودعا وائل علوان إلى مراجعة آليات التنسيق على المستويين السياسي والأمني، وتبادل المعلومات قبل اتخاذ القرارات العسكرية، معتبراً أن معالجة الخلاف تتطلب تواصلاً مباشراً بين المسؤولين بعيداً عن تبادل المواقف الإعلامية.
بدوره، شدد عبد الباسط أبو نبوت على أهمية إجراء تحقيق شفاف، والاعتراف بالأخطاء التي قد يثبت وقوعها، وتعويض المتضررين وجبر الضرر المعنوي الذي لحق بأسر الضحايا، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية في الجنوب السوري.
وتتوافق هذه المطالب مع توجه البلدين إلى بحث تفاصيل العملية، بعدما أكد الصفدي، خلال اتصاله بالشيباني، احترام الأردن لسيادة سوريا، وأعرب عن أسفه لسقوط الضحايا المدنيين. ونص البيان المشترك على تطوير آليات التنسيق الاستخباري والميداني لحماية المدنيين والتعامل مع التهديدات الأمنية.
وعلى المستوى الحدودي، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية عودة حركة المسافرين والتجارة عبر منفذ نصيب إلى طبيعتها، صباح الأربعاء، بعد إغلاقه الثلاثاء نتيجة للتطورات الميدانية.
Loading ads...
وتبقى أمام اللجنة المرتقبة أسئلة تتجاوز الخلاف حول التنسيق، بدءاً من مصادر المعلومات الاستخبارية وإحداثيات المواقع المستهدفة، مروراً بطبيعة الأهداف والإجراءات المتخذة لحماية المدنيين، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات والتعامل مع الأضرار التي خلّفتها الغارات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

