لا تتوقف قفزات أسعار النفط عند حدود أسواق الطاقة العالمية؛ فكل ارتفاع حاد في سعر البرميل يعيد فتح معادلة أكثر تعقيدا داخل اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بين كلفة استيراد الطاقة، وأسعار الوقود المحلية، وقدرة الحكومات على امتصاص الصدمة قبل وصولها إلى جيوب الممستهلكين والقطاعات الإنتاجية.
ومع تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل خلال سبتمبر، بفعل اضطرابات الإمرادات والتوترات الجيوبوليتيكية في المنطقة، عادت أسواق المنطقة إلى مواجهة السؤال الأصعب: إلى أي مدى تستطيع الحكومات منع انتقال الصدمة النفطية العالمية إلى الاقتصاد المحلي، ومن يتحمل كلفتها في النهاية؟
ولا تبدو الإجابة واحدة بين دول المنطقة؛ إذ تختلف قدرة الحكومات على امتصاص ارتفاعات الطاقة تبعا لموقع كل اقتصاد في سوق النفط، وحجم الدعم الممقدم للمحروقات، وآليات التسعير المحلية، وهوامش المالية العامة.
فالدول الممستوردة للطاقة تواجه ضغوطا مباشرة على فاتورة الاستيراد والحساب الجاري، فيما تواجه الدول التي تعتمد آليات تسعير مربوطة بالأسواق العالمية تحديا آخر يتمثل في سرعة انتقال الارتفاعات إلى أسعار البنزين والديزل، وما يترتب على ذلك من آثار على النقل والإنتاج والأسعار النهائية للسلع والخدمات.
ويقدم الأردن نموذجا واضحا لهذه الممعادلة؛ فمع ارتفاع متوسط الأسعار العالمية للمشتقات النفطية خلال آب/أغسطس، ولا سيما الديزل والكاز، قررت الحكومة تثبيت أسعار المحروقات لشهر أيلول/سبتمبر، بدلا من ععكس كامل الارتفاع في السوق المحلية.
وبموجب التسعيرة الحالية، بقي سعر بنزين أوكتان 90 عند دينار واحد لللتر، وأوكتان 95 عند 1.31 دينار، والديزل عند 85 قرشا، والكاز عند 55 قرشا، فيما ثبت سعر أسطوانة الغاز المنزلي عند 7 دنانير.
لكن تثبيت السعر لا يعني اختفاء الكلفة؛ بل يعني انتقال جزء منها من الممستهلك إلى المالية العامة.
وتقول وزارة الطاقة والثروة المعدنية إن الفوارق السعرية التراكمية التي تحملتها الخزينة منذ بداية الأزمة وحتى نهاية آب/أغسطس بلغت نحو 224 مليون دينار، نتيجة سياسة التدرج وعدم ععكس الأسعار العالمية الفعلية بالكال على التسعيرة المحلية، بما يشمل دعم أسطوانات الغاز المنزلي.
وهنا تظهر الممفارقة الاقتصادية: كلما طال أمد ارتفاع النفط، أصبح تثبيت السعر المحلي أكثر كلفة على الخزينة، بينما يؤدي تمرير الارتفاع كاملا إلى زيادة الضغط على الممستهلك والقطاعات الإنتاجية.
وتزداد حساسية هذه الممعادلة لأن أثر النفط لا يظهر فقط في فاتورة البنزين أو الديزل؛ فالوقود يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في كلفة النقل، والإنتاج، والتبريد، والخدمات اللوجستية، وبالتالي يمكن أن ينتقل أثره تدريجيا إلى أسعار السلع والخدمات.
لذلك فإن ارتفاع النفط يمثل بالنسبة للحكومات اختبارا مزدوجا: اختبارا للمالية العامة من جهة، واختبارا للقدرة الشرائية من جهة أخرى.
وفي الاقتصادات التي تستخدم آليات تسعير شهرية مربوطة بمتوسطات الأسعار العالمية، لا ينتقل أثر كل حركة يومية في السوق فورا إلى الممستهلك، بل يظهر بعد احتساب متوسطات الأسعار خلال فترة التسعير. وفي الأردن، تعتمد آلية التسعير المحلية على متوسط الأسعار العالمية للمشتقات خلال الثلاثين يوما السابقة لموعد التسعير.
وهذا يمنح الحكومات مساحة للمناورة، لكنه لا يلغي الممشكلة؛ فإذا استمرت الأسعار العالمية مرتفعة، فإن الفجوة بين الكلفة الفعلية والسعر المحلي يمكن أن تتسع، ما لم تعدل الأسعار أو تتحمل الخزينة الجزء الأكبر من الفرق.
وتشير التطورات الأخيرة في سوق النفط إلى أن الأسعار لا تتحرك بفعل العرض والطلب وحدهما، بل أصبحت شديدة الحساسية للتوترات الأمنية ومسارات الملاحة والإمرادات في المنطقة.
وقد تجاوز برنت 100 دولار في سبتمبر مع تصاعد الاضطرابات التي أثرت في تدفقات النفط، قبل أن يتراجع لاحقا مع تحسن بعض مؤشرات الإمرادات وتزايد الآمال بالمسار الدبلوماسي. وهذا التذبذب نفسه يمثل تحديا للحكومات، لأن الممشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع السعر، وإنما في صعوبة التنبؤ بـ مدة الارتفاع واتجاهه.
فإذا كانت القفزة السعرية قصيرة، تستطيع المموازنات العامة امتصاص جزء منها. أما إذا تحولت إلى موجة ممتدة، فإن تكلفة التثبيت والدعم تتراكم، بينما يصبح رفع الأسعار المحلية تدريجيا أكثر حساسية على مستوى التضخم والإنفاق الاستهلاكي.
وفي الممحصلة، لا تواجه دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سؤالا واحدا حول أسعار النفط، بل ثلاث معادلات متزامنة:
كم من الارتفاع العالمي يمكن تمريره إلى الممستهلك؟ وكم تستطيع الخزينة تحمله؟ ومتى تصبح حماية الأسعار المحلية أكثر كلفة من انعكاس الارتفاع على السوق؟
وبين هذه الخيارات، تتحرك حكومات المنطقة في مساحة ضيقة تحاول فيها الحد من انتقال الصدمة النفطية إلى الممواطنين والقطاعات الإنتاجية، من دون فتح فجوات مالية واسعة أو تحويل دعم الوقود الممؤقت إلى عبء دائم على المموازنات.
Loading ads...
وفي الحالة الأردنية، تبدو سياسة تثبيت الأسعار مثالا مباشرا على هذه الممعضلة: السعر المحلي قد يبقى مستقرا، لكن كلفة الاستقرار لا تختفي؛ إنها تنتقل إلى مكان آخر في الممعادلة الاقتصادية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






