لم تكن حفلة أصالة نصري في دمشق مجرد حفلة غنائية، كما أن الاعتراض عليها لم يكن مجرد موقف عابر من فنانة أو من الموسيقا. ما حدث كشف عن معركة أعمق تدور في المجتمع السوري اليوم: من يملك حق تحديد شكل الحياة في سوريا الجديدة؟
فبينما رأى سوريون في عودة أصالة إلى دمشق عودةً للحياة والفن والثقافة إلى بلد أنهكته الحرب، اعتبر آخرون إقامة الحفل أمرًا مرفوضًا، وذهب بعضهم إلى محاولة منعه ومحاربته. وهنا يجب أن نتوقف. ليس دفاعًا عن أصالة، ولا دفاعًا عن حفلة بعينها، وإنما دفاعًا عن سؤال أكبر بكثير:
هل خرج السوريون من زمن الوصاية السياسية لكي يدخلوا زمنًا جديدًا من الوصاية الاجتماعية؟
لسنوات طويلة، عاش السوريون تحت سلطة تقرر عنهم كل شيء تقريبًا: ماذا يقولون، وماذا يقرؤون، وماذا يشاهدون، ولمن يصفقون، ومن يختلفون معه. وكانت المشكلة في جوهرها أن هناك جهة واحدة تعتقد أنها تمتلك الحقيقة، وأن الآخرين مطالبون بالطاعة.
اليوم، وبعد كل ما دفعه السوريون من دم ودمار ونزوح وفقد، لا يجوز أن نعيد إنتاج المنطق نفسه، ولكن بأدوات جديدة. ولا يجوز أن تقول جهة سياسية: أنا أقرر عنكم. ولا يجوز أن تقول جهة اجتماعية أو دينية: أنا أقرر عنكم. ولا يجوز أن يقول أي طرف: لأنني أملك قناعة معينة، فعلى الجميع أن يعيشوا وفقها. هذه ليست حرية. هذه مجرد وصاية بلغة مختلفة.
من حق أي سوري ألا يحب الغناء. ومن حقه أن يرى أن الحفلات لا تناسب قناعاته. ومن حقه أن ينتقد أصالة، وأن ينتقد وزارة الثقافة، وأن يعبر عن رأيه في توقيت الحفل أو مضمونه أو مكانه.
لكن، في المقابل، من حق سوري آخر أن يستمع إلى الموسيقا، وأن يحضر حفلًا، وأن يعيش حياته ضمن القانون. وهنا يكمن جوهر الدولة.
الحرية لا تعني أن أفعل ما أريد فقط، بل أن أقبل أيضًا بحق الآخر في أن يعيش بطريقة تختلف عني.
أما حين يتحول الاختلاف إلى تهديد أو تحريض أو تخريب أو محاولة فرض الإلغاء بالقوة، فنحن لم نعد أمام نقاش ثقافي. نحن أمام محاولة لمصادرة المجال العام.
من أخطر ما يمكن فعله أن يجري تصوير القضية على أنها حرب بين «الدين» و«الفن». فهذا ظلم للدين، وظلم للفن، وظلم للسوريين. المجتمع السوري متنوع، وفيه المتدين والمحافظ والعلماني والفنان والمثقف، وفيه من يحب الموسيقا ومن لا يحبها.
والدين في حياة كثير من السوريين قيمة روحية وأخلاقية عميقة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة سياسية لفرض نمط واحد من الحياة على مجتمع متنوع.
وفي المقابل، لا ينبغي للفنان أو المثقف أن ينظر إلى المتدين باعتباره عدوًا للثقافة أو للحرية. المطلوب ليس أن ينتصر أحدهما على الآخر، وإنما أن يعيش الاثنان في دولة واحدة.
بعد سنوات الحرب، تحتاج سوريا إلى أكثر من إعادة بناء المدارس والطرق والمستشفيات.
تحتاج إلى إعادة بناء الروح. المسرح، والموسيقى، والسينما، والكتاب، والمعارض، والمهرجانات، كلها مساحات تساعد المجتمع على استعادة حياته الطبيعية.
فالشعوب التي تخرج من الحروب لا تحتاج إلى الإسمنت وحده. تحتاج إلى أن تضحك من جديد. أن تغني. أن تكتب. أن ترسم. أن تختلف. وأن تشعر أن الحياة عادت.
ولذلك، فإن عودة الفن إلى المدن السورية يمكن أن تكون جزءًا من استعادة الحياة العامة، من دون أن يعني ذلك فرض الفن على من لا يريده.
بعد سنوات، ستصبح حفلة أصالة مجرد ذكرى. وسيأتي فنانون آخرون. وستقام حفلات أخرى. وسيتغير الجدل. لكن السؤال سيبقى: هل سوريا القادمة دولة مواطنين، أم مجتمع وصايات؟
إذا كانت دولة مواطنين، فالقانون هو الحكم. وإذا كانت فعالية مرخصة، فمن يريد حضورها يحضر، ومن لا يريد لا يحضر. ومن يعترض يعترض. ومن ينتقد ينتقد. لكن لا أحد يملك حق تحويل قناعته الشخصية إلى قانون ملزم للجميع خارج مؤسسات الدولة.
السوريون ليسوا نسخة واحدة. وهذا ليس عيبًا. بل هو حقيقة يجب أن نتعلم كيف نحميها. سوريا التي تتسع فقط لمن يشبهوننا لن تكون دولة وطنية حديثة. أما سوريا التي يستطيع فيها المحافظ أن يعيش محافظًا، والفنان أن يمارس فنه، والمتدين أن يمارس شعائره، والمثقف أن يكتب، والمعارض أن يعترض، والجميع يحتكمون إلى القانون، فهي سوريا التي يمكن أن تستحق كل ما دفعه السوريون من أجلها.
الوطن ليس أن نجعل الجميع متشابهين، بل أن نضمن للجميع حقوقًا متساوية رغم اختلافهم.
لقد دفع السوريون ثمنًا باهظًا بسبب الإقصاء. إقصاء سياسي وإقصاء اجتماعي وإقصاء طائفي وإقصاء مناطقي وإقصاء فكري، ولا يجوز أن نبدأ مرحلة جديدة من تاريخنا بإقصاء جديد.
فإذا كان البعض يريد منع الفن اليوم، فقد يأتي غدًا من يريد منع كتاب، أو إلغاء مسرحية، أو إغلاق معرض، أو منع مهرجان، أو فرض لباس معين، أو التدخل في حياة الناس الخاصة.
وهنا لا تعود القضية قضية حفلة. بل تصبح قضية: من يملك حق رسم حدود الحياة السورية؟ والجواب في الدولة الحديثة واضح: القانون، لا الأفراد والجماعات.
أسهل شيء أن أدافع عن حرية شخص أتفق معه. لكن الحرية الحقيقية تبدأ عندما أدافع عن حق شخص أختلف معه في التعبير، ما دام لا يعتدي على الآخرين ولا يخالف القانون.
وهنا بالذات يجب أن تكون سوريا الجديدة مختلفة عن سوريا القديمة. فلا قيمة لحرية نطالب بها عندما تخدمنا ونرفضها عندما تخدم غيرنا. ولا قيمة لدولة القانون إذا كان القانون يطبق على من نختلف معهم فقط.
لا أصالة تملك سوريا. ولا رجال الدين يملكون سوريا. ولا السياسيون يملكون سوريا. ولا المثقفون يملكون سوريا. ولا أي جماعة سياسية أو اجتماعية أو دينية أو قومية تملك سوريا. السوريون جميعًا يملكون حقهم في وطنهم. ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست حول حفلة غنائية. المعركة الحقيقية هي حول شكل الدولة التي نريد بناءها.
دولة تسمح لك بأن تقول: «لا أحب هذا». وفي الوقت نفسه، تحمي حق غيرك في أن يقول: «أنا أحبه». دولة تحمي المسجد والكنيسة والمسرح والجامعة والكتاب. دولة لا تفرض عليك كيف تعيش، ولا تسمح لغيرك بأن يفرض عليك ذلك.
هذه هي الدولة التي تستحق أن نسميها سوريا الجديدة. أما إذا خرجنا من استبداد السلطة لنقع في استبداد الجماعة، ومن مصادرة السياسة إلى مصادرة المجتمع، فنحن لم نغيّر شيئًا جوهريًا.
Loading ads...
لقد غيّرنا فقط اسم صاحب الوصاية. وسوريا التي حلم بها السوريون لا تحتاج وصيًا جديدًا… بل تحتاج دولة تحمي الجميع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
من يحاول مصادرة سوريا الجديدة؟
منذ ساعة واحدة
0


