يكشف ملف مجزرة التضامن عن جريمة أوسع مما أظهره الفيديو المتداول، إذ وثّقت التحقيقات وجود أربع حفر جماعية استُخدمت لدفن الضحايا، في عملية قتل ممنهجة استهدفت مدنيين في حي التضامن جنوبي دمشق. ومع اعتقال المتهم الرئيسي أمجد يوسف، تعود تفاصيل الجريمة إلى الواجهة، مدعومة بشهادات ميدانية ومواد مصورة تشير إلى أن المجزرة لم تكن حادثة منفردة، بل جزء من نمط منظم امتد لفترة طويلة وخلّف أعدادا كبيرة من الضحايا.
وقال الباحث الميداني في فريق كشف مجزرة التضامن حازم العبد الله خلال برنامج "وسط البلد"، إن الفيديوهات تظهر أربع حفر، لا حفرة واحدة، وأن عدد الضحايا أكبر بكثير من الرقم المتداول.
وناقش برنامج "وسط البلد" على تلفزيون سوريا تفاصيل كشف المجزرة، ومسار التحقيق فيها، ودور الفريق الاستقصائي الذي عمل على تحديد هوية المتورطين، بمشاركة مديرة إدارة جبر الضرر في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ياسمين مشعاني، والكاتب والباحث دمر سليمان، والباحث الميداني في فريق كشف مجزرة التضامن حازم العبد الله.
قال حازم العبد الله إنه انضم إلى العمل على الملف في بداية عام 2021، بعدما تواصل معه دمر سليمان وأنصار شحود وعرضا عليه مقطعا من الفيديو المسرب. وأضاف أنه شعر بالخوف في البداية، لأنه كان ملاحقا ويقيم في جرمانا داخل مناطق سيطرة النظام المخلوع، بينما كانت الأجهزة الأمنية تشدد قبضتها على دمشق.
أوضح العبد الله أنه بدأ بجمع المعلومات من داخل الحي، والتقى سكانا وناجين وشهودا، ثم اكتشف أن الجريمة أوسع بكثير من الفيديو المنشور، وقال إن ما جرى كان "عملية إبادة منظمة" امتدت نحو عامين، ولم تقتصر على مجزرة واحدة.
وأضاف أن العمل شمل مطابقة المعلومات الميدانية مع شهادات جمعتها أنصار شحود ومع مقابلات أجرتها مع أمجد يوسف، مشيرا إلى أن الناشط محمود ناصر، المعروف بأبي إسكندر، ساعده في الوصول إلى شهادات وناجين.
وروى العبد الله أنه وصل إلى أحد الناجين الذي انتُشل من بين الجثث ونُقل إلى مشفى شيرين بعد تدخلات من أشخاص لديهم صلات بضباط، ما يشير، بحسب مقدم البرنامج، إلى وجود أوامر من مستويات أعلى في بعض الحالات.
من جانبه، قال دمر سليمان إن أمجد يوسف لم يكن شخصية هامشية أو عشوائية، بل كان مدركا للدور الذي يؤديه، رغم أنه يحاول اليوم إظهار نفسه كشخص محدود الصلاحيات. وأضاف أن يوسف كان يحمل رتبة مساعد، لكنه امتلك صلاحيات أكبر من رتبته داخل المنطقة التي عمل فيها.
وأكد سليمان أن أمجد يوسف جزء من "ماكينة قتل" أنتجها النظام المخلوع لإخضاع السوريين، مضيفا أن القتل بالنسبة إلى هذه الشخصيات تحول إلى ممارسة يومية وطريقة حياة، لا إلى فعل استثنائي.
بدورها، تحدثت ياسمين مشعاني عن أثر مشاهدة فيديو مجزرة التضامن، وقالت إن المشاهد أعادتها إلى تجربة شخصية مع صور "قيصر"، إذ تعرفت على صورة شقيقها الذي قُتل تحت التعذيب. وأضافت أنها شعرت حينها بشيء من السلام، لأنها علمت أن التعذيب انتهى بالنسبة إليه، رغم قسوة الحقيقة.
وكشفت مشعاني أنها فقدت خمسة من أشقائها خلال الثورة السورية، بينهم من قُتل برصاص قوات النظام المخلوع، ومن قضى تحت التعذيب، ومن اختفى على يد تنظيم "داعش". وقالت إن انخراطها في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية جاء من شعورها بالحاجة إلى العدالة.
وأضافت أن توثيق مجزرة التضامن، كما توثيق صور "قيصر"، شكل جزءا من مقاومة السوريين لمحاولات تعويم النظام المخلوع، مؤكدة أن الضحايا وذويهم استخدموا هذه الأدلة في المناصرة الدولية ومنع التطبيع معه.
وتحدث العبد الله عن ظروف عمله داخل دمشق وجرمانا، وقال إنه اعتقل أربع مرات خلال الثورة، وعاش سنوات متخفيا مستخدما بطاقة هوية باسم شخص آخر يشبهه. وأضاف أنه كان يخشى على نفسه وعائلته في ريف دمشق، لأن الملفات المسربة خرجت من فرع أمني، وكان وجه القاتل واضحا فيها.
وأشار إلى أنه التقى عائلات ضحايا وسيدات تعرضن لانتهاكات وابتزاز واعتداءات، لكنه واجه صعوبة في إقناع الشهود بالكلام بسبب الخوف. وقال إن بعض الأهالي امتلكوا معلومات أكثر، لكنهم رفضوا تقديمها.
وعرض البرنامج تقريرا يوضح أن الجريمة وقعت في حي التضامن جنوبي دمشق في نيسان 2013، عندما جُمع مدنيون وقُتلوا بدم بارد ثم رُموا في حفرة جماعية. وذكر التقرير أن التحقيق، الذي نشر عام 2022، حوّل المجزرة من رواية متناثرة إلى قضية هزت الرأي العام، قبل أن تعلن السلطات بعد سقوط النظام المخلوع اعتقال عدد من المتورطين، ثم القبض على أمجد يوسف في نيسان 2026.
وكشف دمر سليمان أن فيديوهات المجزرة سرّبها شقيقان، أحدهما عمل تقنيا في صيانة الحواسيب، ووصل إلى جهاز أمجد يوسف بمحض الصدفة. وأوضح أن التقني عثر على ملف بعنوان "روح الشهيد نعيم يوسف"، وفتح أحد الفيديوهات قبل أن ينسخه ويحفظ المواد.
وأضاف سليمان أن عدد الفيديوهات المسربة بلغ 29، وأنها أرسلت إلى جهات حقوقية وقضائية ومنظمات عدة لحفظها واستخدامها في مسارات العدالة. وأشار إلى أن المواد سُلّمت إلى القضاء الألماني بعد ورود معلومات عن وجود شخص يدعى أحمد الحمروني في ألمانيا، ما أدى إلى محاكمته والحكم عليه بالسجن عشر سنوات.
وأكد سليمان استعداد الفريق لتسليم المواد لأي جهة قضائية أو حقوقية تضمن إنصاف الضحايا ووصول الحقيقة، لكنه أشار إلى أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ما تزال تواجه إشكالات إدارية.
وردت مشعاني بأن الهيئة قطعت مرحلة متقدمة في حوكمة عملها وتجهيز فرقها، وتعمل مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لتجهيز قاعدة بيانات ومنظومة إلكترونية قادرة على استقبال الأدلة من المنظمات والجهات الدولية. وأضافت أن فرق التحقيق باتت جاهزة لبدء العمل على الملفات.
وتطرقت مشعاني إلى ملف محاكمة عاطف نجيب، وقالت إن مسودة قانون العدالة الانتقالية جاهزة وتنتظر إقرارها من مجلس الشعب. وأضافت أن محاكمة بعض المتهمين أمام القضاء الحالي تهدف إلى منع إطلاق سراحهم بسبب انتهاء مدد التوقيف، مؤكدة أن القانون المرتقب سيطبق بأثر رجعي.
وقال العبد الله إن اعتقال أمجد يوسف منحه شعورا بالسعادة، لكنه وصفها بأنها "سعادة ناقصة"، لأن الجريمة لم تكن فردية، بل قادتها مؤسسة أمنية وشارك فيها ضباط وميليشيات.
وكشف أن الفيديوهات تظهر أربع حفر، لا حفرة واحدة، وأن عدد الضحايا أكبر بكثير من الرقم المتداول. وأضاف أن شهادات السكان تشير إلى أن عمليات القتل طالت أعدادا كبيرة وقد تصل إلى مئات أو آلاف، داعيا السلطات إلى سؤال أهالي التضامن والأحياء المجاورة.
وقال العبد الله إن الجريمة كانت جزءا من عملية منظمة استهدفت سكان المنطقة وكل من عارض النظام المخلوع، وشملت القتل والابتزاز وسرقة الممتلكات والعقارات والاعتداءات على النساء.
وأوضح دمر سليمان أن السياق بدأ مطلع عام 2012، عندما حاول مقاتلو المعارضة التقدم نحو دمشق عبر حي التضامن، فتدخل الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، وظهر قادة ميدانيون مثل عصام زهر الدين وعلي خزام. وأضاف أن قوات النظام المخلوع قررت لاحقا رسم "خط نار" وإفراغ المنطقة عمرانيا وسكانيا لمنع أي تقدم جديد.
وعلّق العبد الله بأن الأوامر، برأيه، كانت تصل من مكتب الأمن الوطني ومن بشار الأسد، مؤكدا أن عمليات بهذا الحجم لا يتخذ قرارها قائد ميداني وحده.
وأشارت مشعاني إلى أن عصام زهر الدين وعلي خزام انتقلا لاحقا إلى دير الزور وارتكبا جرائم أخرى، بينها مجزرتا الجورة والقصور، مؤكدة أن الهيئة ستفتح هذه الملفات خلال المرحلة المقبلة.
وكشفت مشعاني أن الهيئة، بالتعاون مع وزارتي الداخلية والعدل، حددت نحو ألف اسم ضمن سلسلة القيادة، من بشار الأسد نزولا إلى رؤساء الفروع الأمنية، مشيرة إلى أن قائمة المطلوبين ستصدر لاحقا، وأن بعضهم أوقف بينما سيلاحق آخرون.
وعن ضمان عدم تكرار الجرائم، قالت مشعاني إن ذلك يبدأ بتشجيع الأهالي على تقديم الشكاوى والضغط على الهيئة للعمل، ثم بإقرار قانون العدالة الانتقالية القادر على توصيف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة في سوريا. وأضافت أن منع التكرار يحتاج أيضا إلى إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية حتى تتحول إلى أدوات حماية لا ترهيب.
وقال دمر سليمان إن السوريين يجب ألا يساوموا على مفهومي الحقيقة والعدالة، معتبرا أن تجربة أمجد يوسف يجب أن تتحول إلى اختبار لعلاقة السوريين بهذين المفهومين، وإلى أساس لمنع الإفلات من العقاب.
Loading ads...
وختم حازم العبد الله بالتأكيد أن "العدل أساس الملك"، داعيا إلى عدم تفريغ العدالة الانتقالية من روحها أو اختزالها في إصدار قانون فقط. وأضاف أن هذا المسار يجب أن يوجه مشاعر الغضب نحو الجناة الحقيقيين لا نحو فئات المجتمع، وأن يعتمد الشفافية والصدق ومحاسبة جميع المتورطين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




