41 دقائق
المدارس الفلسطينية في إسرائيل.. من يحدد المال والمنهاج والهوية؟
الخميس، 24 سبتمبر 2026

القدس المحتلة- من يقرر ما الذي يتعلمه نحو 586 ألف طالب وطالبة فلسطينيين في أراضي الـ48؟ من يضع الكتب، ويحدد حصص التاريخ والجغرافيا والمدنيات واللغة العربية؟ ومن يحدد حجم الموارد التي تصل إلى المدرسة الفلسطينية، وكيف تقارن بنظيرتها اليهودية؟
التعليم الفلسطيني في إسرائيل لا يدار عبر جهاز تربوي فلسطيني مستقل، بل يقع ضمن منظومة وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية التي تشرف على المناهج والتمويل والمعايير المهنية والإدارية وآليات الرقابة. أما السلطات المحلية والمدارس فتعمل داخل هذا الإطار، مع هوامش متفاوتة في الإدارة اليومية والمبادرات التربوية.
وتشمل المنظومة المدارس الحكومية الفلسطينية، إلى جانب المدارس الأهلية والخاصة، بما فيها التابعة للكنائس والجمعيات، إذ تتمتع بهوامش أوسع في إدارتها الداخلية، لكنها تظل مرتبطة بنظام الاعتراف والترخيص والتمويل الذي تحدده الوزارة الإسرائيلية.
وفي مواجهة هذا الواقع، تطالب لجنة متابعة قضايا التعليم الفلسطيني منذ سنوات بإنشاء مديرية وسكرتارية تربويتين للتعليم العربي، تضمنان مشاركة فعلية في تحديد أهداف التعليم وسياساته ومضامينه، وتحافظان على خصوصيته الثقافية والوطنية، إلى جانب معالجة أوجه القصور في الموارد والبنية التحتية وتطوير قيادة تربوية فلسطينية قادرة على التأثير في مسار التعليم.
مع انطلاق العام الدراسي في سبتمبر/أيلول الجاري، يلتحق نحو 2.6 مليون طالب وطالبة بالمدارس في إسرائيل، بينهم نحو 586 ألف طالب فلسطيني في قرابة 1074 مؤسسة تعليمية، يعمل فيها نحو 49 ألفا و800 معلم ومعلمة، بحسب بيانات وزارة التعليم الإسرائيلية.
لكن وجود هذا العدد من الطلاب والمدارس لا يعني تساوي ظروف التعليم الفلسطيني مع اليهودي، فالتفاوت يمتد إلى الموارد والبنية التحتية والخدمات التربوية، خصوصا في مناطق مثل النقب حيث تتقاطع قضية التعليم مع واقع القرى والبلدات مسلوبة الاعتراف وما تعانيه من نقص في الأطر التعليمية والغرف الصفية والخدمات الأساسية.
لا تُختزل موارد التعليم في مخصصات وزارة التعليم وحدها، بل تشمل أيضا تمويل السلطات المحلية ومساهمات الأهالي ومصادر أخرى، لذلك لا يمكن اختزال الفوارق بين القطاعات في رقم واحد أو في الإنفاق الوزاري المباشر على الطالب.
وقد قارنت دراسة للباحثين ناحوم بلاس وحاييم بليش -في مركز "تاوب " للدراسات السياسية والاجتماعية- بين التعليم الحكومي العبري والديني اليهودي والعربي الفلسطيني خلال الفترة 2014-2023، وخلصت إلى أن الفروق في التمويل ترتبط بعدة عوامل، بينها الوضع الاجتماعي والاقتصادي للطلاب وحجم المدرسة وطول اليوم الدراسي ووجود صفوف خاصة لذوي الاحتياجات التعليمية.
وتظهر الدراسة أن توزيع الطلاب على الصفوف يختلف بين القطاعات، إذ يدرس نحو نصف طلاب التعليم الحكومي العبري في صفوف تضم أكثر من 28 طالبا، مقابل 31% في التعليم الحكومي الديني و20% في التعليم العربي الفلسطيني، رغم أن الإنفاق الحكومي لكل طالب كان أعلى في التعليم الديني وأدنى في التعليم العربي الفلسطيني، بما يشير إلى أن حجم الإنفاق يتحدد وفق معايير متعددة، وليس بعدد الطلاب في الصف وحده.
تشير معطيات بنك إسرائيل إلى أن الفوارق في الموارد تضيق عند مقارنة طلاب من مستويات اجتماعية واقتصادية متقاربة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تفاوت واضح في توزيع الطلاب العرب الفلسطينيين واليهود على هذه المستويات، إذ تتركز نسبة أكبر من الطلاب الفلسطينيين في الشرائح الأضعف اقتصاديا واجتماعيا.
وبهذا، لا تبدأ الفجوة من المدرسة فقط، فالطالب يصل إلى الصف محمّلا بظروف اقتصادية واجتماعية سابقة، ثم تتفاعل هذه الظروف مع طريقة توزيع الموارد داخل النظام التعليمي. ومن هنا يرتبط النقاش حول التمويل بسؤال آخر: من يحدد أهداف التعليم ومضامينه؟
بحسب دراسات أعدها "مدى الكرمل " المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، لا يقتصر دور المنهاج الرسمي على تحديد المواد التي يدرسها الطالب، بل يشمل الإطار الذي تقدم داخله المعرفة. ولهذا ظلت مناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والمدنيات موضع نقاش داخل المجتمع العربي الفلسطيني، خصوصا في ما يتعلق بحضور التاريخ الفلسطيني والهوية والذاكرة الجماعية.
وفي مادة التاريخ، يبرز السؤال حول طريقة تقديم تاريخ الفلسطينيين والنكبة والتهجير وتاريخ المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل. وفي الجغرافيا، تظهر قضية أسماء الأماكن والقرى المهجرة، بينما تطرح المدنيات أسئلة حول تعريف الدولة وهويتها وموقع المواطن الفلسطيني فيها.
أما في اللغة العربية والأدب، فتتناول الدراسات حضور الأدب الفلسطيني والكتاب والشعراء المرتبطين بالهوية الوطنية ضمن الكتب المدرسية.
في كتابه "قراءة في مضامين منهاج التعليم في مدارس الداخل الفلسطيني " يوضح الكاتب حامد إغبارية أن وزارة التعليم الإسرائيلية هي الجهة المسؤولة رسميا وعمليا عن الإطار العام للمناهج، من خلال لجان تتولى إعدادها وصياغة مضامينها.
وبحسب ما يعرضه إغبارية، يرأس لجنة المنهاج موظف يهودي في الوزارة، وتتألف غالبية أعضائها من اليهود، بينما يبقى التمثيل الفلسطيني أقلية عددية ومحدود التأثير، كما ينتقد آلية اختيار الأعضاء الفلسطينيين، معتبرا أنها لا تتيح مشاركة مختلف التيارات الفكرية والوطنية داخل المجتمع العربي.
وتتمحور الانتقادات حول مضمون ما يصل إلى الصف: مساحة التاريخ الفلسطيني واللغة والهوية في المنهاج، وكيف تنعكس هذه الاختيارات على صورة الطالب عن ذاته ومجتمعه.
الطالب الفلسطيني يدخل المدرسة محمّلا بذاكرة أسرته ومجتمعه، ثم يواجه محتوى تعليميا تصوغه مؤسسات الدولة في إسرائيل. وبين ما يسمعه في البيت وما يقرؤه في الكتاب المدرسي، تنشأ أسئلة حول التاريخ واللغة والانتماء.
وقد دفعت هذه الفجوة الأطر التربوية الفلسطينية إلى تطوير أدواتها الخاصة، فالمجلس التربوي الفلسطيني -المنبثق عن لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية- يجري دراسات نقدية للمناهج ويطوّر مشاريع تربوية تتصل بالهوية والذاكرة الجماعية، فيما تدرج لجنة متابعة قضايا التعليم الفلسطيني، برئاسة الدكتورة هديل كيال، ضمن إستراتيجيتها تطوير مضامين تربوية بديلة ومراقبة السياسات الرسمية وتوزيع الموارد، إلى جانب المطالبة بإطار إداري مستقل للتعليم الفلسطيني داخل المنظومة الرسمية.
Loading ads...
وبذلك، لا يتعلق "المنهاج البديل " بإضافة نص أو حذف آخر فقط، بل بمحاولة أوسع لفتح مساحة لمشاركة المجتمع الفلسطيني في صياغة التعليم وربط المدرسة بتاريخ الشعب الفلسطيني وثقافته وخصوصيته.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




