لا شك أن سنوات الصراع والحرب الطويلة في سوريا، واشتراك أطراف محلية وإقليمية ودولية عسكريًا فيها، أدّت إلى الانتشار الملحوظ والعشوائي لمستودعات ومخازن الأسلحة والذخائر، وتكدّسها في مستودعات مؤقتة وعشوائية، لا يزال بعضها موجودًا بين الأحياء المدنية.
وللأسف، أصبحت هذه الأسلحة والذخائر تجارة رائجة ومربحة في أحيان وأماكن كثيرة، وخصوصًا في الشمال والشمال الغربي من سوريا، حيث الحدود التركية. وكنتيجة طبيعية لانحسار الأعمال القتالية، أصبحت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، وقبيل سقوط النظام البائد، أكثر تركّزًا في تلك المناطق.
ومن هنا جاء الإرث القاتل لانتشار مخازن ومستودعات السلاح العشوائية، التي باتت انفجاراتها، الناجمة غالبًا عن سوء التخزين أو النقل، وقلة الخبرة في التعامل الآمن معها، تحصد عشرات القتلى والمصابين من المدنيين والعسكريين، كما حدث في سرمدا والضمير.
وأرى أن هذا الأمر الخطير، إن لم تتم متابعته وتدارك عواقبه بشكل فعّال وفوري من قبل الجهات المختصة، فإن آثاره السلبية ستنعكس بصورة حادة على حالة الأمن والاستقرار في البلاد.
في الواقع، فإن إدارة مستودعات الأسلحة والذخائر واختيار أماكنها تتطلب من الجهات المسؤولة والقائمين عليها الالتزام الصارم بمعايير السلامة والأمن والحيطة والحذر، ولا سيما في عمليات نقل الذخائر المتفجرة والأسلحة بين المناطق والمدن، التي تحتاج إلى إجراءات أمان مشددة للوقاية من مخاطر الانفجارات المفاجئة أو السرقات أو الحوادث الكارثية.
ولعل من أبرز إجراءات الأمان التي ينبغي اتباعها في نقل الذخائر المتفجرة:
التخطيط المسبق والحصول على الموافقات اللازمة من الجهات الأمنية المختصة، كوزارتي الدفاع والداخلية، مع ضرورة التنسيق مع الجهات المعنية الأخرى، مثل شرطة المرور والنقل.
تحديد خطوط واتجاهات السير مسبقًا، واختيار الطرق المناسبة والبديلة، وتجنب المرور قدر الإمكان عبر المناطق السكنية المزدحمة أو المنشآت الحيوية.
تحديد أوقات التحرك بما يقلل من احتمالات الازدحام ويخفض المخاطر المرتبطة بحركة المرور.
تجهيز وسائل النقل المناسبة، والتأكد من جاهزيتها الفنية، وتزويدها بوسائل السلامة الضرورية.
ضمان تعبئة الذخائر وتثبيتها بطريقة تمنع حركتها أو اصطدامها ببعضها أثناء النقل، مع الالتزام بالفصل بين المواد المختلفة وفق قواعد السلامة المعتمدة.
توفير الحماية اللازمة للشحنات، والتزام السائقين بالتعليمات والسرعات المحددة، والحفاظ على مسافات أمان مناسبة، ومنع التدخين داخل المركبات أو بالقرب منها.
تأمين وسائل اتصال مناسبة للطاقم المسؤول عن النقل، بما يتيح التعامل السريع مع أي عطل أو حادث، وإبلاغ الجهات المختصة عند الضرورة.
لا شك أن اختيار أماكن وجود مستودعات السلاح والذخائر وتوزيعها يجب أن يخضع لاعتبارات جغرافية وأمنية وعسكرية دقيقة، كما ينبغي إخضاع جميع مستودعات الأسلحة لشروط ومعايير أمنية وفنية صارمة، للوقاية من مخاطر الانفجارات والحرائق والسرقات.
ويمكن تقسيم هذه الشروط إلى مجموعة من المحاور الرئيسية:
يجب أن تقع مستودعات ومخازن الأسلحة في مناطق معزولة وآمنة، وبعيدة بالقدر الكافي عن التجمعات السكنية والمنشآت الحيوية ومراكز وخطوط الكهرباء.
ينبغي أن تكون الأبنية المستخدمة للتخزين مصممة وفق معايير مقاومة الحرائق والمخاطر المرتبطة بالمواد المخزنة.
ينبغي تأمين محيط المستودعات بمنشآت وسواتر مناسبة تسهم في الحد من الآثار المحتملة لأي حادث.
يجب استخدام أبواب وتجهيزات أمنية تتناسب مع طبيعة الموقع ومستوى خطورته.
ينبغي توفير تهوية جيدة داخل مستودعات الأسلحة، والحفاظ على درجات حرارة ورطوبة مناسبة، تجنبًا لتلف الذخائر أو تدهور حالتها.
يجب تزويد المستودعات بأنظمة مناسبة للإنذار المبكر ومكافحة الحرائق، بما يتلاءم مع طبيعة المواد المخزنة.
ينبغي تأمين الحماية من مخاطر الصواعق والشحنات الكهربائية.
يجب أن تكون التمديدات الكهربائية والإضاءة مصممة وفق معايير السلامة المعتمدة، وبما يقلل مخاطر الحرائق أو الحوادث.
يجب توفير الحراسة والمراقبة المستمرة للمواقع، ودعمها بكاميرات مراقبة تغطي المداخل ومحيط المستودعات.
ينبغي تطبيق أنظمة واضحة للتحكم بالدخول والخروج، ومنع دخول أي شخص غير مخوّل أو غير مصرح له.
يجب تأمين محيط منشآت التخزين بأسوار وتجهيزات حماية مناسبة، بما يحد من مخاطر التسلل أو السرقة.
ينبغي الفصل بين الأسلحة والذخائر والمواد المختلفة، وتخصيص مساحات مستقلة لكل منها وفق قواعد السلامة.
يجب تنظيم عمليات التخزين بطريقة تقلل من الرطوبة، وتتيح سهولة الحركة والجرد والتهوية داخل المستودعات.
يتعين الاحتفاظ بسجلات دقيقة للأسلحة والذخائر، وتوثيق حركة الدخول والخروج وكميات المواد المخزنة بصورة منتظمة.
باعتقادي، فإن أصل المشكلة، على امتداد سنوات الصراع السوري الطويلة، يكمن في أن البلاد تحولت عمليًا إلى واحدة من أكثر البيئات المحيطة تشبعًا بالسلاح والذخائر ومخلفات الحرب.
فالمستودعات والمخازن لا تزال منتشرة بكثرة، وربما لا يزال بعضها تابعًا لفصائل مختلفة، فضلًا عن ضعف معايير التخزين والتعامل الآمن والسليم مع الذخائر.
وهذا، للأسف، لم يكن مرتبطًا بظروف الحرب وحدها، بل لا تزال بعض مظاهره قائمة حتى اليوم، وإن على نطاق أضيق من السابق.
ومع الانتقال إلى مرحلة الدولة، وانتهاء عصر الفصائل بكل تبعياتها وأيديولوجياتها، أصبح من واجب الدولة والجهات المسؤولة العمل سريعًا على معالجة هذه المشكلات والتخلص من آثارها.
Loading ads...
وبرأيي، لا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر الانتقال الحقيقي إلى منظومة عسكرية وطنية جامعة، تخضع، من بدايتها إلى نهايتها، للقانون والمؤسسة العسكرية الرسمية الممثلة بوزارة الدفاع، ولسلسلة قيادة احترافية وواضحة ومسؤولة أمام الدولة والشعب، بعيدًا عن أي اعتبارات فئوية أو أيديولوجية أو مناطقية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

