3 أشهر
سوريا بعد الأسدية.. دولة تُبنى فوق الأرض ومشاريع تُحاك في الظلام تحتها
الثلاثاء، 27 يناير 2026
العالم في حالة دائمة من التغيّر وتبدّل الأحوال، وهو اليوم يمور بتحوّلات وأحداث متسارعة وعاصفة، تشمل كل الدول والمناطق على سطح الكرة الأرضية، بمن فيها سوريا، التي تعيش تحوّلات وتطوّرات فريدة ومذهلة، وقد عادت لتتنفّس الصعداء وتنتقل من حال إلى حال عقب زوال الأسدية.
وربما في زحمة ما يعصف به العالم من متغيّرات، يفوت بعضهم إدراك ما يحدث الآن على أرض سوريا، وما تأثير التحوّلات الجارية فيها، وما تأثير أحداث العالم عليها، وهي البقعة الجغرافية القائمة في وسط العالم، لا على هامشه.
وقد أدركت دوله، بعد انفتاح سوريا على الخارج، مقدار أهمية ربط الحدود والخيوط مع هذه الجغرافيا المهمّة والمؤثّرة، وأهمية توطيد أركان الدولة فيها، بعد أن تركها التنظيم الأسدي تعجّ بالخراب.
ما جرى في أثناء عملية "ردع العدوان"، أنّ هذا التنظيم حاول استغلال ذلك ليكون خنجراً في خاصرة التحرير، فاستولى على عدة مناطق في حلب، ولم تدخل فصائل "ردع العدوان" في صدام معه، تحسّباً من أن لا يصبح المشهد صراعاً كردياً-عربياً..
كان من الطبيعي، مع انهيار المنظومة الأسدية، أن ينهار معها تنظيم "قسد" كما انهارت معظم الأجسام القمعية التي أنشأتها في فترة الثورة السورية، من ميليشيات وشبّيحة وتنظيمات راديكالية رديفة.
ولكن ما جرى في أثناء عملية "ردع العدوان"، أنّ هذا التنظيم حاول استغلال ذلك ليكون خنجراً في خاصرة التحرير، فاستولى على عدة مناطق في حلب، ولم تدخل فصائل "ردع العدوان" في صدام معه، تحسّباً من أن لا يصبح المشهد صراعاً كرديّاً-عربيّاً، ولذلك لم ينهَر في حينها كغيره.
وإذا ما عدنا إلى نشأته الأولى وجدناه نواة لقوة رديفة أنشأتها أجهزة الأمن السورية، فمنذ بدايات الثورة السورية عام 2011، ومع خروج المظاهرات السلمية في القامشلي وعامودا والدرباسية والحسكة، إلى جانب عموم المدن السورية، كان التنظيم "الأسدي" يبحث عن أدوات محلّية لضبط الشارع الكردي ومنعه من الانخراط في الثورة.
وهنا بدأت تتشكّل، منذ عام 2012 تحديداً، نواة تنظيمات كردية مسلّحة برعاية غير مباشرة من أجهزة التنظيم "الأسدي"، لتكون جسماً يقمع الكرد أنفسهم في تلك المدن والمحافظات، تماماً كما حدث في سائر المدن السورية: في الجامعات حين أنشأ اتحادات طلابية موالية تتصدى للطلاب الثائرين، وفي المساجد عبر شيوخ السلطة لمواجهة رجال الدين المعارضين، وفي المصانع عبر لجان أمنية لكتابة التقارير ومراقبة العمال الآخرين.
وهذه السياسة ليست جديدة على التنظيم "الأسدي"، فقد مارسها منذ سبعينيات القرن الماضي، حين أنشأ أجهزة أمنية موازية داخل كل مؤسسة، وجعل من كل مكوّن أداة لقمع نفسه بنفسه، حفاظاً على بنية السيطرة لا على وحدة المجتمع، غير أنّ معظم هذه التشكيلات انهارت مع انهيار الأسدية، ولم يبقَ منها سوى بقايا فلول التنظيم "القسدي".
وإذا ما عدنا أيضاً إلى الأحداث في سياق الثورة السورية، وبخاصة بعد انسحاب قوات نظام المخلوع من أجزاء واسعة من الجزيرة السورية، منتصف 2012، سنلحظ بروز "حزب الاتحاد الديمقراطي" (PYD)، الذراع السوري لـ"حزب العمال الكردستاني" (PKK)، كقوة أمر واقع، ليؤسّس لاحقاً "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، عام 2015، بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، في سياق الحرب على تنظيم الدولة (داعش).
وهنا بدأ التحوّل من دور أمني محلّي إلى دور إقليمي مسلّح، ومن جسم وظيفي مرتبط ببنية الأسدية إلى قوة تمتلك موارد وسلاحًا وتحالفات دولية، غير أنّ هذا التحوّل لم يحمل معه أي مشروع سياسي وطني أو إنساني، بل اقتصر على تحالفات ظرفية، ومصالح عسكرية آنية، وخطاب تعبوي مغلق، مشبع بعقائد استبدادية ورثها التنظيم من بنية التنظيم "الأسدي" وبنية "العمال الكردستاني"، ومن تراث التنظيمات العقائدية الراديكالية في المنطقة، التي ترى في الإنسان مادة للاستهلاك، وفي الدم وسيلة لتحقيق الأهداف.
ومع مشاركة "قسد" في معارك ضد "داعش" علناً، أواخر عام 2015، ومقاتلتها الجيش الحر في الخفاء في عين العرب ثم في منبج عام 2016، ثم في الرقة عام 2017، ترسّخ في وعي كثيرين من المنتسبين لتنظيم "قسد" أنه أصبح قوة لا يمكن تجاوزها، وأنها تمثّل مستقبل المنطقة السياسي والعسكري للكرد، وقد انخرط في هذا الوهم والاعتقاد حتى بعض النخب المثقفة من أبناء الكرد وأبناء العشائر العربية، وساروا خلفها بذريعة أنها قوة وقفت في وجه "داعش".
لكن الحقيقة لم تخفَ على أجهزة الأمن العالمية ومراكز بحوثها، حين تبيّن زيف ادّعاء "قسد" بمحاربة "داعش" في أكثر من آلاف من عناصره وعائلاتهم من السجون والمخيّمات في محطة، فبعد هزيمة "داعش" في الباغوز عام 2019، أُفرج عن ظروف غامضة، وأعيد تدويرهم في مشهد بالغ الخطورة، ما كشف حجم التضليل والخداع والمتاجرة بقضية التنظيم.
ومع بدء التحرير، استقر الوضع نسبياً، وبدأت الدولة السورية الجديدة تتعامل مع ملف قسد سياسياً ودبلوماسياً، وكان أبرز نتائج ذلك توقيع اتفاق "العاشر من آذار"، الذي نصّ على دمج هذه القوات ضمن أجهزة الدولة الوطنية، وإنهاء أي شكل من أشكال الكيانات العسكرية الخارجة عن سيادة الدولة.
لكن هذا الفصيل ظل يماطل، لأنه في الحقيقة لم يُبنَ يومًا كجسم سياسي، بل كتنظيم أمني وعسكري مغلق، محكوم بعقيدة الشبيحة الأسدية، وبمنطق التنظيمات الراديكالية التي لا تؤمن بالسياسة بل بقوة السلاح، ولا ترى في الإنسان سوى ورقة تفاوض ووقوداً للحرب، وسوريا ما عادت أرضاً مناسبة ولا مهيأة لذلك أبداً، وهي التي تشكل نقطة عبور وممراً يصل بين الشرق والغرب.
والولايات المتحدة الأميركية أدركت ذلك، وتحاول اليوم بقيادة ترمب، أن تعيد تنظيم وتشكيل هذا العالم من جديد، ولا ترى في سوريا سوى دولة مستقلة وموحدة، يكون لديها نظام حكم واحد تتعامل معه، لا عشرات الفصائل والتنظيمات والكانتونات، ولا دولة ممزقة يتناحر فيها كل كيان مع غيره.
وكانت قد جُرّبت هذه السياسات في حقب سابقة، طوال فترة سيطرة الكتلة الشيوعية السوفيتية على هذه المنطقة، ثم في ظل النفوذ الروسي اللاحق، وتبين أنها لم تجلب لهذه المنطقة وللعالم إلا مزيداً من المصائب والكوارث.
كذلك، فإنّ الأيديولوجيات السابقة التي صدرتها القوات الروسية، وريثة نظام الاتحاد السوفيتي، وشُحنت بها المجتمع السوري ما أدّى إلى تّفتيته إلى قطع عرقية أو مذهبية أو طائفية أو دينية، وكان من بينها العديد من التنظيمات القمعية الراديكالية، كالتنظيم "الأسدي" وغيرها من الفصائل والقوى ومنها تنظيم "قسد"، الذي راح يعمل ضمن أجندة "الأسدية"، وقتل وهجر وشرد واعتقل الآلاف من الثائرين الكرد والعرب على "الأسد"، ولكن أن تستمر جرائمه وعربداته حتى بعد انهيار المنظومة الأسدية، فهذا ما لم يعد مقبولاً لدى السياسة الأميركية الجديدة في هذه المنطقة التي انتقلت إلى سيطرتها، وباتت تُعتبرها جزءاً أساسياً من أمن نظامها العالمي الجديد الذي تؤسسه لمواجهة القوة الصينية الصاعدة.
ما يؤسف له أنّه ما تزال هناك شريحة واسعة من أهلنا وإخوتنا الكرد تراهن على تنظيم "قسد"، وتدافع عنه باعتباره مشروعاً يحقق حلمهم القومي والسياسي، ويؤمن لهم فدرالية أو حكماً مستقلاً أو دولة داخل الدولة أو خارجها..
لهذا رأينا كيف سارعت عقب انهيار الأسدية، إلى مد يدها للسلطة السورية الجديدة كما لم تفعل من قبل مع سلطات سابقة، داعمةً إياها بكل الوسائل الدبلوماسية والسياسية لتؤسس في سوريا دولة واحدة.
ولكن ما يؤسف له أنّه ما تزال هناك شريحة واسعة من أهلنا وإخوتنا الكرد تراهن على تنظيم "قسد"، وتدافع عنه باعتباره مشروعاً يحقق حلمهم القومي والسياسي، ويؤمن لهم فدرالية أو حكماً مستقلاً أو دولة داخل الدولة أو خارجها، من دون أن تعي أن هذا لم يعد من ممكنات السياسة الأميركية، ولم تعد بحاجة إليه، ولا سيما بعد أن تكشفت هشاشته البنيوية والتنظيمية والعسكرية، وبدا أنه يفتقر إلى أي مشروع سياسي أو اجتماعي أو عسكري قابل للتحقق، وهو تنظيم يفكر بعقلية الأنفاق الواقعة تحت الأرض، ولا يمت بصلة إلى الحضارة ولا إلى ما يحدث فوق الأرض من حوله.
في المقابل، كان زعاماته قد سيطرت على حقول النفط في رميلان والشدادي ودير الزور على مدار نحو عشر سنوات، وباعت كميات ضخمة منه، لكن تلك المليارات ذهبت إلى مراكز القرار في جبال قنديل، وإلى شبكات النفوذ العسكرية والأمنية، وإلى بناء الأنفاق، لتتكشف الحقيقة على مرأى العالم وتحت أنظار السوريين، كرداً وعرباً، عمّا خلّفه هذا التنظيم من دمار وخراب.
Loading ads...
ومن الجدير ذكره أننا حين نتحدث عن تنظيم "قسد" ونصفه، فإنما نتناول الشق الأمني والعسكري فيه فقط، ولا نقصد بذلك الإخوة والأهل من الكرد، الذين شاهدت عيونهم كيف وصلت مناطق الجزيرة التي يقطنونها مع إخوتهم العرب إلى أسوأ حالاتها المعيشية والخدمية، واتضح كم هي تفتقر إلى أي بنية تعليمية أو صحية أو خدمية، لتبدو المناطق التي تحررت من هذا التنظيم وكأنها كانت تعيش في مغر وكهوف وسراديب تعود بالكرد والعرب إلى طور العصور الحجرية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

Halab Today TV قناة حلب اليوم
منذ 5 دقائق
0



