هناك ثلاث طرق للتعبير عن معنى واحد؛ الطريقة الأولى هي أن أقول: "أنا ابن الريف"، وهذه الطريقة تجعل المستمع يركز على خُضرة التلال وعين الماء، وعلى حقل مزروع باليقطين والكوسا، وربما يُدخِل إلى المشهد المتخيَّل ثلاث غنمات وبغل يحمل الحطب. أي أن هذه الجملة التعريفية تأخذ مستمعها إلى المكان الذي يتمتع بالهدوء والبساطة والارتباط بالطبيعة، وربما تُبعده عن التفكير بي كقائل لها.
ففي النهاية من أنا داخل جملة قصيرة كهذه، وما هي قيمتي في مقابل القيمة التي تتمتع بها الطبيعة بأشجارها ومياهها وبغالها. لكن من يتحمل مسؤولية هذا الفهم؟ بالطبع أنا، فبسبب استخدامي لكلمة "ابن" صار الريف تلقائياً هو الأهم، هو الأب الذي أنجبني، وهو الأصل وأنا التابع الصغير الذي بالكاد يراه المستمع للجملة.
من نابلس إلى رام الله والزرقاء وصوفيا وعمّان والقاهرة… عشت 43 عاماً بين المدن، تغيّرت خلالها أفكاري وعاداتي ونظرتي إلى المقبول والمرفوض وأصبحتُ مدنياً حقاً. لكن في داخلي فلاح عمره 17 عاماً لا يزال يتحرّك ويعلن عن نفسه بين فترة وأخرى
والطريقة الثانية هي أن أقول: "أنا من القرية". وهنا سينصفني المستمع وسينزاح تركيزه تجاهي، على الأقل كشخص له أصل مكاني محدد. صحيح أن هذا المستمع سيتعامل مع الجملة كمعلومة جغرافية، وليس كتعريف اجتماعي، وسوف يتساءل ربما عن اسم القرية ومكانها وإلى أي محافظة تتبع، لكنه سيفكر بي أيضاً ولو من باب تجربتي وخلفيتي المختلفتين عن نظيرتيهما عند أبناء المدينة.
أما الطريقة الثالثة، فهي أن أقول: "أنا فلاح". وهنا سينصب تركيز المستمع عليّ أنا. ستقفز إلى ذهنه التصوّرات الإشكالية عن شخص بسيط في مظهره وطريقة كلامه، تقليدي ومحافظ في عاداته ونظرته إلى الحياة، وربما أقل احتكاكاً بما هو خارج بيئته وأسرته.
سوف يتخيّلني المستمع شخصاً تحكمه العائلة والنسب والسمعة، يتمسّك بما ورثه عن أجداده ويتعامل بحساسية كبيرة تجاه أي تغيير قد يفرضه عليه الآخرون، ويجد صعوبة في الفصل بين ما يريده لنفسه وما يطلبه منه المجتمع "المنغلق" الذي أنجبه لغاية واحدة، وهي أن يكون عضواً منتمياً له، ووفياً لقيمِه وعاداته.
هذه الجملة لا تستدعي الكوسا واليقطين والبغال بالضرورة، كما لا تحفّز المستمع للتساؤل عن المدينة أو المحافظة التي تقع القرية ضمن ولايتها. إنها تقدّم للمستمع تعريفاً ثقافياً، سواء كان هذا التعريف حقيقياً أو مغلوطاً ينتمي إلى كليشيهات عفا عليها الزمن أو إلى أحكام مسبقة لا تستند إلى دليل. أعني أن البيئة في هذه الجملة ليست مهمة بقدر ما أن الشخصية التي أنجبتها تلك البيئة هي التي تصبح موضوعاً للتفكير لدى المستمع وأساساً لحكمه أو انطباعاته.
لكن لحظة… من هو هذا المستمع الذي أستندُ إليه وأحمّله تصوّراتي وأستخدم خياله مجاناً واعتباطاً؟ لا بد لي من الاعتذار للقراء، حتى وإن لم يسألوا، لأنني افترضت وجود مستمع كهذا من دون أن أكلّف نفسي عناء تعريفه. لكنه في النهاية موجود شئنا أم أبينا، وقد يكون أحد قراء هذا المقال، أو يكون عقلي الباطني الذي اعتاد الشك فانفتح، نتيجةً لذلك، على مساحة واسعة من الافتراضات المنطقية وغير المنطقية.
من الواضح لي وللمستمع والقارئ أنني ألفّ وأدور لأنني لا أعرف كيف أقدّم نفسي داخل هذا النص؛ هل أنا ابن الريف أم من القرية أم فلاح؟ لكنني سأترك للنص نفسه أن يقدّمني، وأن يستخدم الجملة التي يراها مناسبة بحسب الموقف الذي يلائمها وتلائمه.
أنا ابن الريف، لكنني لم أعش في قريتي إلا 17 عاماً، ثم غادرتها إلى المدينة، أو للدقة إلى المدن. عشت في نابلس ورام الله في فلسطين، وفي الزرقاء في الأردن، أقمت فترة طويلة في صوفيا في بلغاريا، وفترة أطول في العاصمة الأردنية عمان، عدت بعد ذلك إلى رام الله ثم ذهبت للعيش في العاصمة المصرية القاهرة، وأفكر جدياً بالانتقال إلى العاصمة المغربية الرباط أو العاصمة اللبنانية بيروت. 43 عاماً عشتها بين المدن، تغيّرت خلالها أفكاري وعاداتي ونظرتي إلى المقبول والمرفوض وأصبحتُ مدنياً حقاً.
لكن الفلاح داخلي لا يزال يتحرّك ويعلن عن نفسه بين فترة وأخرى، وأنا أفهم ذلك وأبرّره. وهنا لا بد من التأكيد أنني أبرّر كمدني، لأن المدني الذي يعيش حياته في بيئة تنافسية، يستطيع، حين يخسر، أن يبرّر خسارته بلغة تنافسيّة أيضاً. إذاً، لا أسهل من القول إن ذاك الفلاح سبق المدني إلى داخلي، ليس شطارة منه بالطبع، ولكن لأن الظروف الزمنية سمحت له بذلك لا أكثر.
في داخلي فلاح عمره 17 عاماً، ومدني عمره 43 عاماً. وإن كان لا بد من وصف العلاقة بينهما فهي بالتأكيد ليست صراعاً، لكنها ليست انسجاماً أيضاً. إنها حالة من التواطؤ المتبادل، وكما هو معروف فإن التواطؤ هو تنازل عن غير قناعة، أي أنه تنازل مدفوع بالأمل في تنازل مقابل من الطرف الآخر. ولتوضيح الصورة أكثر أذكر هذه الحادثة…
عندما غادرت قريتي إلى صوفيا كنت أرتدي قميصاً خفيفاً، وحين حطّت بي الطائرة في تلك المدينة، كدت أموت من البرد، لكنني كابرت وعاندت. كنت يومها فلاحاً صغيراً يعتقد أن الطقس في قريته يمكن تعميمه على الكرة الأرضية. وحين تفاجأ بعكس ذلك لم تسمح له كرامته بالتنازل، وقرّر أنه يستطيع التحمّل، وأنه جاء بهذا القميص مع علمه المسبق بدرجات الحرارة.
لكن المشكلة أن قمصاني حتى الآن لا تزال خفيفة، رغم أن المدني ابن الثلاثة وأربعين يتوسّل إلى الفلاح الصغير يومياً أن يحافظ على هذا الجسد... لكنه عناد الفلاحين في ما يخصّ الأجساد.
هل هذا يُسمى انفصام في الشخصية؟ زوجتي وأبنائي وكثير من أصدقائي يشخّصونني هكذا، وبعضهم ينصحني بمراجعة طبيب نفسي. الغريب أن المدني وافق على هذا الاقتراح، لكن الفلاح هدَّد بأن يتبرأ مني وأن يغادرني إن فعلتها…
هذا العناد يختفي، أو أن الفلاح يرد الجميل، حين يتعلّق الأمر بالقناعات الاجتماعية. يقول له المدني: دعني من مناسباتك العائلية وأعراس أصدقائك أو تخرّج أبنائهم في الجامعة، لا أحب أن أذهب إلى هذه المناسبات ولا أملك لغة أجامل بها أحداً. أرجوك أنا لا أعرف ما يقال في مواقف كهذه، وأشعر بالغربة كلما زاد عدد الناس حولي، فيوافق دون اعتراض.
المدني في هذا الجسد، وخصوصاً حين يتعرّض إلى مشكلة غير متوقعة يستطيع أن يفكّكها، وأن يطرح لها الحلول المناسبة بأقل الخسارات، يستطيع أن يرى الطريق الصحيح بين عشرات الطرق الوعرة، لكن ساعة التنفيذ يتقدَّم الفلاح ويتخذ القرار. هكذا بكل بساطة، فهو لا يخضع إلا لاطمئنانه وحدسه، حتى لو كان مقتنعاً بكل مبرّرات المدني، فالشعور لديه أهم من العقل.
ولأنه كذلك، فهو مختص في ردات الفعل لا الفعل. أعني أن المدني الناضج، ابن الثالثة والأربعين، يقوم بأفعاله اليومية التي تتوافق مع طريقة فهمه للحياة وتعقيداتها، ويستطيع أن يتخذ قراراته وهو مطمئن لسلامتها. لكن حين يستوجب الأمر تعاملاً مع قرارات الآخرين أو سلوكهم، فإن الفلاح بردة فعله الشعورية هو من يتولّى المهمة.
Loading ads...
هل هذا يُسمى انفصام في الشخصية؟ زوجتي وأبنائي وكثير من أصدقائي يشخّصونني هكذا، وبعضهم ينصحني بمراجعة طبيب نفسي. الغريب أن المدني وافق على هذا الاقتراح واقتنع به، لكن الفلاح هدَّد بأن يتبرأ مني وأن يغادرني إن فعلتها... وأنا أحبه، وبالتأكيد لن أتخلّى عنه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

فلّاح شاب ومدني في منتصف العمر - رصيف22
منذ 2 دقائق
0



