2 ساعات
"عند الله تجتمع الخصوم".. عن دم المحامين وجرح العدالة في دمشق
الجمعة، 3 يوليو 2026
كان يمكن لـ نهار يوم الخميس (2 تموز 2026)، أن يمضي عادياً قرب القصر العدلي في العاصمة دمشق، محامون يعبرون الشارع إلى مكاتبهم، ملفات تحت الأذرع، مواعيد مؤجلة، دعاوى تنتظر دورها، ومرافعات ربما نام أصحابها على جملتها الأخيرة قبل أن ينهضوا صباحاً إلى المحكمة.
كان لدى بعضهم جولة جديدة مع القانون، وربما وثيقة تنتظر التقديم، أو شاهد ينتظر الحضور، أو خيط صغير من خيوط الاستبداد يراد قصّه أمام قاضٍ، في بلد ما يزال يحاول أن يتعلّم المشي فوق ركام طويل من القهر والدم.
داخل مقهى بسيط يرتاده المحامون والمراجعون قرب القصر العدلي القديم في منطقة الحجاز، حيث تمتزج رائحة الشاي والقهوة بأحاديث المهنة وقلق الناس، وقع التفجير الدامي، وخلّف عشرات الضحايا بين قتيلٍ وجريح.
المكان الذي كان يُفترض أن يكون استراحة قصيرة بين جلسة وأخرى صار شاهداً على جريمة تتجاوز الحاضرين فيه، تسعة محامين قضوا -في حصيلة أوّلية- وأصيب قرابة عشرين آخرين بين محامين ومحاميات، في لحظة كشفت مقدار الحقد الذي يلاحق فكرة العدالة قبل العاملين فيها.
كان بوسع الوجع أن يدفع الناس إلى الغريزة، وكان بوسع الدم أن يطلب دماً، غير أن المزاج العام للثورة اختار -في لحظة التحرير الأنقى- أن يترك للمحكمة ما للمحكمة، وأن يكون الحساب وفق القانون، وأن يمثل كبار المجرمين من النظام المخلوع أمام العدالة، بعيداً عن فوضى الانتقام.
المحامون الذين رحلوا اليوم لم يكونوا عابرين في خبر عاجل، ومن الأسماء التي عُرفت: مهند خلف، محمود شهاب، عيد محمد، فتحي القباني، محمد شمالي، حسام الصفدي.. تركوا خلفهم مكاتب مفتوحة، وكتباً لم تُطوَ، وقضايا معلقة، وأهلاً سيظلون يبحثون عن أصواتهم في كل صباح.
أمّا الجرحى، وعُرف منهم: محمد سحماني، هيثم قباني، عبد العزيز سرميني، أحمد نجار لحسين، خالد مصطفى لحسيان، مصطفى نداف، آية عبد الرحمن، وفؤاد شتيوي، فقد امتزجت دماؤهم بأوراق القضايا، كأن العدالة نفسها خرجت من المكان مصابة.
في بلد خرج من استبداد طويل حاملاً لواء "نصر لا ثأر فيه"، تبدو الجريمة طعنة في صلب المسار الأخلاقي، الذي حاول السوريون التمسك به رغم كل ما جرى.
لهذا يصبح استهداف المحامين فعلاً بالغ الدلالة، فمَن يستهدف محامياً قرب القصر العدلي يوجه رسالته إلى فكرة الدفاع، وإلى حق الضحايا في أن تكون لهم ملفات وأسماء وأدلة ومحاضر وجلسات. القاتل يعرف أنّ المحامي ليس صاحب مرافعة فقط، بقدر ما هو ذاكرة قانونية تمشي على قدمين، يعرف أنّ كل دعوى قد تفتح باباً، وأنّ كل وثيقة قد تفضح جلاداً، وأنّ كل شاهد يحضر إلى المحكمة قد يُسقط رواية كاملة بنتها أجهزة القمع فوق جماجم الناس.
تأتي هذه الجريمة في توقيت حسّاس للغاية تشهده سوريا، وهو ما تابعه تلفزيون سوريا بدقة، خلال الأشهر الماضية، عبر رصد مسارات ومحاكمات العدالة الانتقالية، وما يرافقها من نقاشات قانونية وحقوقية حول آليات المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.
هذه العملية القانونية الشاقة تواجه تحديات هائلة، إذ تسعى هيئات حقوقية سورية، بالتنسيق مع جهات محلية ودولية، إلى ملاحقة كبار مجرمي الحرب من النظام المخلوع، وتثبيت التهم القانونية بحقهم، ضمن مسار قضائي يحاول أن يمنح الضحايا حقهم من دون أن يسقط البلاد في هاوية الثأر.
وتفيد المتابعات الحقوقية المرتبطة بهذا المسار، بأنّ ملفات المحاسبة بدأت تتقدم قانونياً عبر تحديد قوائم المتورطين الرئيسيين وتوثيق الجرائم التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام المخلوع بحق المدنيين.
هذا التقدم، مهما بدا بطيئاً أمام وجع الضحايا، يحمل معنى ثقيلاً بالنسبة إلى فلول النظام المخلوع وخلاياه النائمة وميليشياته الإجرامية، فحين تبدأ العدالة بتسمية الجريمة، تقترب بالضرورة من تسمية المجرم.
ربما كانت لدى الشهداء غداً مرافعة أخيرة، ربما كان أحدهم سيقف أمام قاضٍ ليقول جملة حضّرها في الليل، وربما كان آخر سيقدم وثيقة تقرّب العدالة خطوة من ضحاياها، لكن القتلة سبقوا مطرقة المحكمة إلى أجسادهم، أسكتوا أصواتاً في الأرض، وتركوا وراءهم فراغاً لا تملؤه الكلمات.
من هنا، يبدو تفجير مقهى المحامين محاولة لإرهاب هذا المسار في لحظة تشكّله، فلول النظام المخلوع ومّن يقف خلفهم أو يستخدمهم أو يغذي أوهامهم، يدركون أن البلاد المتعبة، حين تستعيد قضاءها وتفتح ملفاتها، لن تبقى إلى الأبد رهينة الخوف القديم، لذلك يذهبون إلى العتمة، يراهنون على الدم، ويؤجّرون حقدهم لكل مَن يريد لـ سوريا أن تبقى مفتوحة الجرح، عاجزة عن حماية صباحها، خائفة من أبواب محاكمها.
الجريمة، بهذا المعنى، اختبار قاسٍ للدولة الناشئة، وللمجتمع، ولأهل القانون، وللعدالة الانتقالية نفسها، فالرد على استهداف المحامين لا يكون بالرثاء وحده -مهما كان الرثاء مستحقاً وموجعاً- الرد يبدأ بكشف الجناة ومَن حرّكهم، وبحماية العاملين في سلك العدالة، وبإغلاق منافذ الاختراق، وبمنح الضحايا ثقةً بأنّ الدم، الذي سال قرب القصر العدلي، لن يُضاف إلى أرشيف طويل من الجرائم المجهولة.
Loading ads...
ومع ذلك، لم تنتهِ القضية، قد تكون هذه آخر دعوى لهم في دنيا البشر، وقد أُغلقت مكاتبهم على ملفات ناقصة، وسال الدم على عتبات العدالة المرجوة، غير أنّ المحكمة الأوسع لم تغلق أبوابها، فما رُفعت الجلسة هنا إلا لتبدأ هناك -عند ملك الملوك وربّ الأرباب- حيث لا تضيع بيّنة، ولا يختفي شاهد، ولا تحمي القتلة "تسوية"، نعم "عند الله تجتمع الخصوم".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

