ساعة واحدة
747 مليون دولار لرخصة MTN سوريا.. لماذا تثير صفقة “زين الكويتية” كل هذا الجدل؟
الخميس، 2 يوليو 2026
أعادت صفقة فوز مجموعة “زين” الكويتية بحق تشغيل شبكة “إم تي إن” سوريا رسم ملامح سوق الاتصالات السوري، لكنها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام موجة واسعة من التساؤلات الاقتصادية والقانونية بشأن القيمة المالية الضخمة للرخصة، وهوية المستثمر النهائي، وآليات تقييم أحد أهم الأصول الاستراتيجية في البلاد.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى تقديم نفسها بوصفها بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية بعد سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية.
أعلنت مجموعة “زين” أنها فازت برخصة تشغيل شبكة اتصالات متنقلة في سوريا لمدة تصل إلى 25 عاماً، تتضمن عشرين عاماً قابلة للتمديد لخمس سنوات إضافية، مقابل بدل رخصة بلغ 747 مليون دولار، وذلك عقب مناقصة نظمتها وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية لاختيار مشغل جديد لشبكة ” “إم تي إن” سوريا.
ووفق بيان الشركة، ستؤسس “زين” شركة جديدة تحمل اسم “زين سوريا”، تمتلك فيها 75 بالمئة من الأسهم، بينما تحتفظ جهة حكومية سورية بنسبة 25 بالمئة، على أن يبدأ التشغيل التجاري الكامل خلال الربع الأول من عام 2027 بعد استكمال المتطلبات التنظيمية، فيما تستمر مرحلة انتقالية تستمر ستة أشهر لضمان عدم انقطاع الخدمة عن نحو 6.3 ملايين مشترك.
وتشير الشركة إلى أنها تعتزم ضخ أكثر من 800 مليون دولار إضافية خلال السنوات العشر المقبلة لتحديث الشبكة ونشر خدمات الجيل الخامس وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لترتفع قيمة التزامها المالي في السوق السورية إلى أكثر من 1.5 مليار دولار بين قيمة الرخصة والاستثمارات المستقبلية، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر الاستثمارات الأجنبية المعلنة في سوريا منذ نهاية عام 2024، بحسب بيانات الشركة وتقارير وكالة بلومبرغ.
وتسوق “زين” هذه الخطوة باعتبارها توسعاً استراتيجياً في سوق يتمتع بإمكانات نمو مرتفعة، مستندة إلى ارتفاع نسبة الشباب واتساع الطلب المتوقع على خدمات البيانات والتحول الرقمي.
كما أكدت المجموعة أن دخولها ينسجم مع استراتيجيتها الإقليمية “4WARD”، ويجعل سوريا خامس أسواقها التي تقدم خدمات الجيل الخامس بعد الكويت والسعودية والبحرين والأردن، فيما شدد الرئيس التنفيذي للمجموعة بدر الخرافي على أن الاستثمار لا يقتصر على البعد التجاري، بل يستهدف أيضاً دعم التحول الرقمي وتنمية الاقتصاد السوري عبر الاستثمار في البنية التحتية والكفاءات المحلية والشركات الصغيرة والمتوسطة.
رغم الرسائل الإيجابية التي حملها الإعلان الرسمي، فإن الصفقة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الاقتصادية، ليس بسبب حجمها فقط، وإنما أيضاً بسبب الغموض الذي ما يزال يحيط ببعض تفاصيلها، وهو ما يراه خبراء عاملاً قد يؤثر في صورة البيئة الاستثمارية السورية خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم، في منشور له على “فيسبوك”، أن القضية الأساسية لا تتعلق بدخول مستثمر عربي جديد إلى السوق السورية، بل بدرجة الإفصاح والشفافية التي صاحبت العملية منذ بدايتها وحتى الإعلان عن نتائجها، موضحاً أن قطاع الاتصالات يعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في الاقتصاد الوطني، الأمر الذي يستوجب أعلى مستويات الوضوح القانوني والمالي.
يشير الكريم إلى أن هوية المستثمر النهائي لا تزال تثير تساؤلات، خاصة بعد التصريحات السابقة التي تحدثت عن دخول الشركة السعودية للاتصالات “إس تي سي” إلى سوق “إم تي إن سوريا”، قبل أن تعلن وزارة الاتصالات لاحقاً فوز “زين” الكويتية بالرخصة.
وبرأيه، فإن غياب تفسير رسمي يوضح طبيعة العلاقة بين الطرفين، وما إذا كانت “زين” هي المستثمر النهائي بصورة كاملة، أو أن هناك ترتيبات شراكة أو تمويل أو توزيع أدوار مع “إس تي سي”، يترك مساحة واسعة للتأويل، وهو أمر لا يخدم الأسواق ولا يعزز ثقة المستثمرين الذين يعتمدون في قراراتهم على وضوح هياكل الملكية والحوكمة والإفصاح.
ولا يقف الجدل عند هوية المستثمر، بل يمتد إلى القيمة المالية للرخصة نفسها، فبحسب الكريم، فإن مبلغ 747 مليون دولار يبدو مرتفعاً بصورة لافتة عند مقارنته بالتقديرات المتداولة للقيمة السوقية لشركة “إم تي إن سوريا”، والتي تراوح، وفق تقديرات غير رسمية متخصصة، بين 240 و340 مليون دولار، كما أنه يتجاوز بفارق كبير قيم الصفقات السابقة التي شهدتها الشركة خلال الأعوام الماضية عند انتقال حصصها إلى مستثمرين وشركاء محليين.
ويؤكد أن هذا الفارق الكبير لا يعني بالضرورة وجود خلل في الصفقة، لكنه يستوجب تفسيراً اقتصادياً واضحاً يشرح الأسس التي استند إليها التقييم، سواء تعلق الأمر بتوقعات الإيرادات المستقبلية أو بقيمة الرخصة طويلة الأجل أو بخطط الاستثمار والتوسع.
يضيف الكريم أن مثل هذه العمليات، عندما يكون أحد أطرافها شركة مدرجة في سوق مالية، تفرض بطبيعتها التزامات عالية بالإفصاح أمام المساهمين والجهات الرقابية، إذ من حق المستثمرين معرفة كيفية احتساب القيمة، وما إذا كانت تعكس القيمة العادلة للأصول والتدفقات النقدية المستقبلية، مشيراً إلى أن وجود فجوة واسعة بين القيمة السوقية التقديرية وسعر الصفقة قد يدفع الجهات الرقابية في الأسواق المالية إلى مراجعة أسس التقييم للتأكد من توافقها مع المعايير المتبعة في صفقات الاستحواذ الكبرى.
كما يلفت إلى أن الأداء التشغيلي لـ”إم تي إن سوريا” خلال السنوات الأخيرة لا يعكس، وفق المعطيات المتاحة، صورة شركة تحقق معدلات نمو استثنائية تبرر وحدها هذا التقييم المرتفع، موضحاً أن الشركة فقدت عدداً من الخدمات التي كانت تمثل مصادر رئيسية للإيرادات، وفي مقدمتها خدمات الدفع الإلكتروني التي انتقلت إلى منصات أخرى، إضافة إلى تراجع أهمية خدمات تحويل الوحدات التي كانت تحقق تدفقات مالية كبيرة في السابق، فضلاً عن استمرار الضغوط المرتبطة بانخفاض القوة الشرائية وتراجع الإنفاق الاستهلاكي وارتفاع تكاليف تحديث البنية التحتية.
وتتوافق هذه الملاحظات مع التحولات التي يشهدها قطاع الاتصالات السوري، إذ تسعى الحكومة إلى إعادة هيكلة السوق وفتح المجال أمام استثمارات جديدة، في وقت يتطلب فيه الانتقال إلى شبكات الجيل الخامس استثمارات رأسمالية ضخمة وتحديثاً شاملاً للبنية التحتية، وهو ما يجعل تقييم الشركات العاملة في هذا القطاع أكثر ارتباطاً بتوقعات النمو المستقبلية منه بنتائجها الحالية فقط.
Loading ads...
ومن هذا المنطلق، يرى الكريم أن وزارة الاتصالات مطالبة بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي يطرحها المستثمرون والأسواق، وفي مقدمتها أسباب تغير هوية المستثمر المتوقع بين التصريحات السابقة والإعلان النهائي، وما إذا كانت جميع الإجراءات التنافسية قد تمت وفق قواعد معلنة وشفافة، وما إذا كانت هناك التزامات أو شروط تعاقدية نظمت هذا التحول، إضافة إلى توضيح مستوى الإفصاح الذي قُدم للمساهمين والجهات الرقابية، ومدى استيفاء جميع المتطلبات القانونية الخاصة بالإعلان عن الصفقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


