تتصاعد الانقسامات داخل الولايات المتحدة بشأن سياسات الهجرة وتشديد إجراءات ضبط الحدود، مع اتساع تداعيات حملات الترحيل والمداهمات الأمنية على المهاجرين والمجتمعات ذات الأصول الأجنبية، في وقت تحولت فيه القضية إلى أحد الملفات المؤثرة في خيارات الناخبين، بين من يضع أمن الحدود أولوية، ومن يرى في الإجراءات المتشددة تهديدا للحريات والحقوق الإنسانية.
ومن الحدود الأمريكية المكسيكية إلى مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، رصد مراسل الجزيرة محمد البقالي في جولة ميدانية تباين المواقف من سياسات الهجرة، وما تتركه من آثار على حياة المهاجرين وأسرهم، وصولا إلى انعكاساتها على المشاركة السياسية والانتخابات.
يمتد الجدار الحدودي مع المكسيك في صحراء أريزونا عبر مئات الكيلومترات، ويجد فيه جون لاد، صاحب مزرعة ورثتها عائلته لأربعة أجيال، وسيلة لحماية ممتلكاته والحد من عبور المهاجرين غير النظاميين. ويؤيد لاد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، معتبرا أنه الرئيس الوحيد الذي نجح خلال ولايتيه في ضبط الحدود، من خلال تطبيق القوانين وتعزيز وجود عناصر حرس الحدود، إلى جانب بناء الجدار الذي وصفه بأنه إنجاز أمني.
واستعاد لاد ما تعرضت له ممتلكاته من أضرار خلال عبور المهاجرين، مشيرا إلى أن الجدار الذي بناه ترمب يبلغ ارتفاعه 30 قدما، مقارنة بجدار سابق يعود إلى عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما ويبلغ ارتفاعه 18 قدما.
لكن هذه الرؤية لا تحظى بإجماع سكان المناطق الحدودية؛ إذ يرى ديفيد هاثاواي، مسؤول الأمن المحلي في بلدة نوغالس الحدودية، أن سياسات ترمب غيرت طبيعة المنطقة، وحولت الحدود إلى ما يشبه جدار برلين، معتبرا أن عسكرة الحدود والإفراط في بناء الجدران أمر غير ضروري وأساء إلى سمعة المجتمعات المحلية.
ولا تتوقف آثار الجدار عند الخلاف السياسي، بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية، إذ بات أفراد بعض الأسر عاجزين عن زيارة أقاربهم على الجانب الآخر. ويروي المهاجر المكسيكي كارلوس أنه لا يستطيع زيارة والده في الولايات المتحدة، كما لا يستطيع والده دخول المكسيك، ما يضطرهما إلى قطع مسافات طويلة للالتقاء عبر الحدود.
وبعيدا عن الحدود، لا تنتهي معاناة المهاجرين بمجرد الوصول إلى الأراضي الأمريكية، كما تظهر قصة كاثرين، التي وصلت من ولاية سونورا المكسيكية إلى الولايات المتحدة عندما كان عمرها 11 عاما، وعاشت فيها أكثر من ثلاثة عقود، ودرست وعملت وأصبحت أما.
ورغم سنوات إقامتها الطويلة، لا يزال مستقبلها القانوني غير مستقر، باعتبارها من المستفيدين من برنامج "داكا"، الذي يوفر حماية مؤقتة من الترحيل للمهاجرين الذين وصلوا إلى البلاد أطفالا، ويسمح لهم بالعمل دون منحهم إقامة دائمة. وقالت كاثرين إنها بدأت تفقد الأمل في تحسن أوضاع المستفيدين من البرنامج، مشيرة إلى أن الخطاب السياسي بات يصور المهاجرين باعتبارهم مجرمين، رغم ما يواجهونه من صعوبات يومية.
وأضافت أنها تضطر إلى تجديد تصريح العمل كل عام ونصف تقريبا، لكنها قررت تقديم طلب التجديد مبكرا هذه المرة، بعدما تأخر إصدار تصريحها الجديد حتى موعد انتهاء القديم في يونيو/حزيران، وسط مخاوف من فقدان عملها وتأثر قدرتها على رعاية أطفالها.
وفي مينيابوليس، حيث يعيش عدد كبير من الأمريكيين من أصول صومالية، امتدت تداعيات تشديد إجراءات الهجرة إلى الحياة اليومية والأنشطة التجارية، وسط مخاوف من المداهمات وتراجع الثقة بين بعض السكان والسلطات الأمنية. وقال مراسل الجزيرة محمد البقالي إن مقتل جورج فلويد وما تبعه من أسئلة بشأن التمييز والثقة بالشرطة، إلى جانب حملات سلطات الهجرة، عمق المخاوف لدى قطاعات من السكان ذوي الأصول المهاجرة.
وفي أحد الأسواق، تحدث التاجر الصومالي محمود عن تراجع حركة البيع والشراء منذ وصول عناصر إدارة الهجرة والجمارك، قائلا إن الزبائن الذين كانوا يترددون على متجره باستمرار باتوا يلزمون منازلهم خوفا من المداهمات. ودعا محمود أفراد الجالية إلى التصويت المبكر، محذرا من أن انتشار عناصر الهجرة يوم الاقتراع قد يثير مخاوف بعض الناخبين ويحد من مشاركتهم.
من جهتها، قالت يسرا، وهي أمريكية من أصل صومالي وناشطة سياسية، إنها كانت تشعر بالأمان سابقا لكونها نشأت في الولايات المتحدة وتتحدث الإنجليزية بطلاقة ومن دون لكنة، لكنها باتت تحمل جواز سفرها معها خشية استهدافها بسبب مظهرها وأصولها.
وشجعت يسرا أبناء جاليتها على البحث عن المعلومات والتوجه إلى صناديق الاقتراع، معتبرة أن الانتخابات الحالية أكثر أهمية من سابقاتها، كما استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لحث أفراد المجتمع على المشاركة السياسية.
وفي مينيابوليس، تتداخل قضية الهجرة مع ملفات أخرى تشغل الناخبين، وفي مقدمتها الاقتصاد وارتفاع الأسعار، ما يجعل تحديد الأولويات الانتخابية أكثر تعقيدا. وقالت ناخبة أمريكية إن ما قامت به إدارة الهجرة والجمارك كان مروعا، مشيرة إلى تعرض مواطنين أمريكيين للمضايقة والترهيب من عناصر أمنية، وهو ما أثار لديها تساؤلات بشأن طبيعة الممارسات الأمنية في بلد ديمقراطي.
أما الناخبة آن، فأكدت أن الاقتصاد وارتفاع الأسعار يمثلان أولوية بالنسبة إليها، لكنها شددت أيضا على أهمية ملف الهجرة وضرورة التعامل معه بمقاربة إنسانية.
Loading ads...
وتكشف الجولة الميدانية للجزيرة من الحدود الأمريكية المكسيكية إلى مينيابوليس عن انقسام يتجاوز مسألة ضبط الحدود، ليشمل مستقبل المهاجرين وحقوقهم وأمن المجتمعات التي يعيشون فيها، فضلا عن تأثير سياسات الهجرة على المشاركة الانتخابية. وبين هواجس الأمن ومخاوف الترحيل وارتفاع تكاليف المعيشة، يجد الناخب الأمريكي نفسه أمام ملفات متشابكة تحدد ملامح اختياره السياسي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




