في الشرق الأوسط اليوم، لا تبدو الحرب مجرّد احتمال عابر، بل خياراً قائماً يتم تأجيله أكثر مما يتم إسقاطه. فكل المؤشرات الآتية من واشنطن وطهران وتل أبيب تقول إنّ المنطقة لا تزال تعيش داخل "الهدنة المؤقتة" لا داخل التسوية. وما يُسوَّق على أنّه مسار تفاوضي متقدّم بين الأميركيين والإيرانيين، يبدو أقرب إلى محاولة متبادلة لشراء الوقت، فيما تبقى أدوات التصعيد جاهزة على الطاولة بانتظار لحظة الانفجار المناسبة.
المشكلة الأساسية أنّ كثيرين في المنطقة يتعاملون مع المشهد الحالي بعقلية أن الحرب انتهت، بينما الوقائع تشير إلى أنّها تبدّلت شكلاً فقط. فإيران، التي اختبرت للمرة الأولى منذ سنوات معنى أن تصبح منشآتها وقواعدها وأجواؤها تحت ضغط مباشر، لم تصل بعد إلى مرحلة التسليم بالشروط الأميركية أو الإسرائيلية.
وفي المقابل، فإنّ إدارة دونالد ترامب لا تبدو مقتنعة بأنّ ما تحقق حتى الآن يكفي لإعادة رسم التوازنات الإقليمية التي تريدها. لذلك، تبدو المنطقة عالقة بين مشروعين: مشروع إيراني يسعى إلى منع سقوط النفوذ الاستراتيجي الذي بُني خلال عقود، ومشروع أميركي ـ إسرائيلي يريد استثمار لحظة الضعف الإيرانية لإعادة هندسة الشرق الأوسط بالكامل.
إيران، التي اختبرت للمرة الأولى منذ سنوات معنى أن تصبح منشآتها وقواعدها وأجواؤها تحت ضغط مباشر، لم تصل بعد إلى مرحلة التسليم بالشروط الأميركية أو الإسرائيلية.
لهذا السبب تحديداً، يصبح الحديث الأميركي المتكرر عن "الضربة الأخيرة" أكثر من مجرد مناورة إعلامية. فالولايات المتحدة تدرك أنّ الضربات المحدودة أو العقوبات وحدها لن تدفع إيران إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي. وفي المقابل، تعرف طهران أنّ أي تراجع جذري سيعني انهيار صورة النظام داخلياً وخارجياً. هنا تحديداً يبدأ "سباق الإرادات" الحقيقي، وهو من يملك القدرة الأطول على التحمّل؟ ومن يستطيع تحويل الوقت إلى سلاح ضد خصمه؟
إيران تراهن على إنهاك الغرب اقتصادياً عبر ورقة مضيق هرمز، وعلى استنزاف ترامب سياسياً بانتظار الانتخابات النصفية الأميركية. بينما تراهن واشنطن على إنهاك الداخل الإيراني اقتصادياً ومعيشياً عبر الحصار البحري والعقوبات وخنق حركة الطاقة والتجارة. وفي الحالتين، لا يبدو أن أياً من الطرفين يملك حتى الآن القدرة على فرض هزيمة كاملة على الآخر. لذلك تتحول المنطقة تدريجياً إلى ساحة استنزاف مفتوحة، تمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان.
لكن الأخطر في المشهد ليس فقط الصراع الأميركي الإيراني، بل الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى المرحلة الحالية. فتل أبيب لا تتعامل مع الحرب بوصفها معركة أمنية مؤقتة، بل باعتبارها فرصة تاريخية لإنتاج "شرق أوسط جديد" وفق الرؤية التي يكررها بنيامين نتنياهو منذ سنوات. ولهذا السبب تبدو إسرائيل الطرف الأكثر اقتناعاً بأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأنّ ما تحقق حتى الآن يجب البناء عليه لا تجميده.
في غزة، تحاول إسرائيل تحويل الكارثة الإنسانية إلى مدخل لتغيير ديموغرافي طويل الأمد. وفي سوريا، تستفيد من هشاشة الدولة الجديدة، ومن تعقيدات الوضع الأمني والاقتصادي، لمحاولة فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة. أما في لبنان، فالمسألة تتجاوز بكثير عنوان "مواجهة حزب الله".
ما تقوم به إسرائيل جنوباً ليس مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل عملية إعادة تشكيل للحدود الأمنية والجغرافية، عبر التدمير المنهجي، وخلق مناطق عازلة، ومحاولة فرض معادلات ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
وسط هذا المشهد، تبدو المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن أشبه بمحاولة لإدارة الانفجار لا لمنع أسبابه. فالأميركيون لا يريدون فقط وقف التصعيد جنوب لبنان، بل اختبار قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك الفعلي بالقرار الأمني والعسكري. أما إسرائيل، فتنظر إلى أي تفاوض باعتباره جزءاً من مشروع أكبر يتصل بمستقبل الجنوب اللبناني ودور حزب الله وحدود النفوذ الإيراني.
ولذلك، فإنّ القلق اللبناني لا يرتبط فقط بإمكان تجدد الحرب، بل بطبيعة المرحلة التي ستليها. فواشنطن وتل أبيب تعملان على بناء ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، تشمل لبنان وسوريا معاً. ومن هنا يمكن فهم الحراك المكثف الذي يقوده توم باراك بين أذربيجان وتركيا والعراق، وسوريا والسعودية والأردن. الرجل لا يتحرك بصفته وسيطاً تقليدياً، بل باعتباره جزءاً من مشروع أميركي لإعادة تركيب شبكة التوازنات الإقليمية بعد إضعاف إيران.
المثير في مقاربة باراك أنّها تقوم على فكرة مزدوجة: منع انهيار سوريا من جهة، ومنع تمدد إسرائيل بلا ضوابط من جهة أخرى. فالولايات المتحدة تدرك أنّ أي فوضى سورية جديدة ستفتح الباب مجدداً أمام إيران و«داعش» والفوضى العابرة للحدود. لكنها تدرك أيضاً أنّ إطلاق يد إسرائيل بالكامل في سوريا سيقود عاجلاً أم آجلاً إلى صدام تركي ـ إسرائيلي مباشر، وهو سيناريو لا تريده واشنطن حالياً. لهذا السبب يتحرك الأميركيون على خط إنتاج تفاهمات سورية ـ إسرائيلية موازية للمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، في محاولة لبناء منظومة استقرار جديدة تشمل المشرق بأكمله.
لكن المشكلة أنّ كل هذه المشاريع تصطدم بحقيقة أساسية: المنطقة لم تصل بعد إلى لحظة الحسم. إيران لم تُهزم، وإسرائيل لم تنتصر نهائياً، وأميركا لم تنجح بعد في فرض النظام الإقليمي الذي تريده. لذلك يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه يعيش فوق طبقات متراكمة من الهدن المؤقتة، والتفاهمات الهشة، والمفاوضات التي تُستخدم لإدارة الوقت أكثر مما تُستخدم لصناعة السلام.
Loading ads...
وفي قلب هذا المشهد، يبقى لبنان الساحة الأكثر هشاشة، لأنه يقف عند تقاطع كل هذه المسارات: الحرب الإيرانية ـ الأميركية، المشروع الإسرائيلي، إعادة تشكيل سوريا، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة. ولهذا تحديداً، فإنّ السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الحرب ستعود، بل أي حرب ستعود، ومتى، وبأي شكل جديد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


