عام واحد
المعادن النادرة ورقة صينية.. توترات التجارة تعيد تشكيل اقتصاد العالم
الجمعة، 24 أكتوبر 2025
ترسم التوترات التجارية وقيود المعادن النادرة ملامح المشهد الجيوسياسي الحديث، مُعيدةً تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية جذريًا. وقد تخطّت هذه التوترات النزاعات الجمركية التقليدية، وباتت الموارد الحيوية وسلاسل التوريد أدوات نفوذٍ استراتيجية وميدانًا لمناوراتٍ جيوسياسية شاملة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يتبدّى تحولٌ نوعي في موازين القوة الاقتصادية، حيث لم يعد ميزان الرسوم وحده هو الحاسم، بل القدرة على التحكم في الموارد ومفاتيح التصنيع. فقد أصبحت الدول الغنية بالموارد أطرافًا فاعلةً متزايدةَ القوة في العلاقات الدولية، ما يعني أن تأزّم العلاقة بين دول النفوذ يُترجم اضطرابًا في الأسواق العالمية.
فالقيود التي تُفرض على قطاعٍ واحد تُخلّف ما يُسمّى "تأثير الدومينو" نظرًا إلى طبيعة التجارة العالمية المترابطة، فتؤثر في صناعاتٍ متعددة وتولّد تقلباتٍ في الأسعار ونقصًا في الإمدادات.
يُمثّل تحوّل العلاقات الاقتصادية الصينية الأميركية أحد أهم التحولات في التجارة الدولية الحديثة. فخلال المراحل الأولى لتطبيق اقتصاد السوق، كانت الولايات المتحدة الوجهة الرئيسية لصادرات الصين، ما أدى إلى تحقيق فوائض تجارية هائلة مع نقل الشركات الأميركية عملياتها التصنيعية إلى منشآتٍ صينية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت هذه الديناميكية تغيّرًا جذريًا؛ إذ باتت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تمثل أقل من 10% من إجمالي الصادرات الصينية، مُسجِّلةً انخفاضًا كبيرًا مقارنةً بالعقود السابقة التي كانت فيها أميركا تُهيمن على تدفقات التجارة الصينية. وقد حرصت بكين على تعزيز العلاقات التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي، ودول رابطة أمم جنوب شرق آسيا، وغيرها من الأسواق الناشئة، لتعويض تراجع أهمية السوق الأميركية.
غيّر هذا التحول الجذري ديناميكيات النفوذ في المفاوضات التجارية بين القوتين الاقتصاديتين العظميين. وبحسب موقع "ديسكوفيري أليرت"، عزّز تراجعُ أهمية السوق الأميركية للصادرات الصينية موقفَ الصين التفاوضي على نحوٍ كبير. فعلى عكس النزاعات التجارية السابقة التي كان من الممكن أن تؤثر فيها الضغوط الاقتصادية في القرارات السياسية، أدّى انخفاض اعتماد الصين على الأسواق الأميركية إلى وضعٍ أثبتت فيه أساليب التفاوض التقليدية عجزها.
كذلك زادت الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن من تعقيد هذه العلاقات، ما خلق مستوياتٍ إضافية من الاحتكاك الاقتصادي الذي يتعين على كلا البلدين التعامل معه. ويعكس التحول في الاقتصاد الصيني تغييرًا جوهريًا في كيفية هيكلة الاقتصادات الكبرى لعلاقاتها الدولية؛ إذ تُعطي الدول أولوية متزايدة للاستقلال الاستراتيجي على حساب الكفاءة الاقتصادية القصوى، وتقبل بتكاليف أعلى مقابل تقليل تعرّضها للضغوط الخارجية.
تمثل العناصر الأرضية النادرة ورقةً رابحة بيد الصين؛ إذ تشكل هذه العناصر أساسًا خفيًا للحضارة التكنولوجية الحديثة. وتدخل في صناعة الهواتف الذكية والمركبات الكهربائية، بالإضافة إلى أنظمة الدفاع العسكرية المتقدمة.
وقد فرضت الصين قيودًا جديدة على هذه المعادن. ولم تقتصر القيود على الصادرات فحسب، بل شملت أيضًا الجهات الخارجية التي تُصدِّر مغناطيساتٍ تحتوي، حتى بكمياتٍ صغيرة، على عناصر أرضية نادرة مُنتَجة في الصين.
ويُشبه ذلك "قانون المنتج الأجنبي المباشر" الذي تطبّقه الحكومة الأميركية لتقييد استخدام التقنيات الرئيسية، وفق موقع "ديلويت".
وردًا على القواعد الصينية الجديدة، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستفرض تعريفاتٍ جمركية بنسبة 100% على الواردات من الصين. وقد أدّى هذا بدوره إلى انخفاضٍ حاد في أسعار الأسهم الأميركية. وصرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائلًا: "نستورد كمياتٍ هائلة من الصين، وربما نضطر إلى التوقف عن ذلك".
تمنح الهيمنة على إنتاج ومعالجة العناصر الأرضية النادرة الصينَ نفوذًا كبيرًا في العلاقات الدولية. وبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تُسيطر الصين على ما يقرب من 70% من تعدين العناصر الأرضية النادرة عالميًا، وعلى 90% من طاقة المعالجة، ما يجعل الدول الأخرى تعتمد اعتمادًا كبيرًا على سلاسل التوريد الصينية للمواد الأساسية.
وتُمثل القيود الصينية الأخيرة على تصدير العناصر الأرضية النادرة قرارًا استراتيجيًا في سياق المنافسة التكنولوجية مع الدول الغربية. فبدلًا من الانخراط في مفاوضاتٍ تقليدية عند مواجهة تهديداتٍ بفرض رسومٍ جمركية، التزمت الصين الصمت أثناء تطبيق قيود التوريد، مُشكِّلةً بذلك خروجًا على الطرق التقليدية لحل النزاعات التجارية.
تُنشئ متطلبات تراخيص التصدير حواجز بيروقراطية قد تُؤخّر أو تمنع تدفق المواد الحيوية. وتُمكّن هذه الأدواتُ الإداريةُ الدولَ المُسيطرة من تنظيم توقيت التوريد ومراقبة تطبيقات الاستخدام النهائي، كما تُثير حالةً من عدم اليقين تُجبر الدولَ التابعة على البحث عن موردين بديلين أو دفع أسعارٍ أعلى.
وقد أثار الإعلان عن قيود العناصر الأرضية النادرة ردودَ فعلٍ فورية في السوق؛ إذ شهدت استثماراتُ الأسهم ذات الصلة زياداتٍ كبيرة في الأسعار. فقد ارتفعت أسهمُ شركات المعادن الأرضية النادرة ارتفاعًا حادًا عقب إعلانات الصين عن قيود التصدير، ما يعكس إدراكَ المستثمرين للأهمية الاستراتيجية لهذه المواد.
وتتجاوز قيود نقل التكنولوجيا الموادَّ الخام لتشمل تقنيات المعالجة، ومعدات التصنيع، والملكية الفكرية. ويضمن هذا النهجُ الشامل عدمَ قدرة الدول التابعة على تكرار قدرات الإنتاج محليًا بسهولة، مع الحفاظ على مزايا استراتيجية طويلة الأجل.
تواجه مختلفُ الصناعات مستوياتٍ متفاوتة من التعرّض لانقطاعات إمدادات العناصر الأرضية النادرة، وتُعدّ قطاعاتُ التكنولوجيا وتطبيقاتُ الدفاع والطاقةُ المتجددة من بين الأكثر عرضةً للقيود.
1. الإلكترونيات
يحتاج مصنعو الإلكترونيات إلى العديد من العناصر الأرضية النادرة للمكونات الأساسية، بما في ذلك المغناطيسات الدائمة، وفوسفورات العرض، والسبائك المتخصصة. ويُولّد الإنتاجُ العالمي للهواتف الذكية، الذي يبلغ نحو 1.17 مليار وحدة سنويًا، طلبًا هائلًا على هذه المواد، ما يجعل الصناعة معرّضةً على نحوٍ خاص لنقص الإمدادات.
يمكن أن تؤدي تأخيرات الإنتاج إلى توقّف خطوط تصنيعٍ كاملة، ما يُجبر الشركات على الاحتفاظ بمخزوناتٍ أكبر ويرفع متطلبات رأس المال العامل وتكاليف التخزين. وغالبًا ما تتطلب إعادة تصميم المكونات لاستيعاب المواد البديلة شهورًا أو سنواتٍ من التطوير، ما يُسبب عيوبًا تنافسية كبيرة.
2. السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة
أدّى التحول العالمي نحو المركبات الكهربائية وأنظمة الطاقة المتجددة إلى طلبٍ غير مسبوق على مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة الدائمة، إذ يتطلب محركُ سيارةٍ كهربائيةٍ واحدة ما يقارب 1-2 كيلوغرام من هذه المغناطيسات، فيما تحتاج توربيناتُ الرياح البحرية إلى 600-1000 كيلوغرام لكل ميغاواط من السعة.
بلغت مبيعاتُ المركبات الكهربائية العالمية 13.6 مليون وحدة في عام 2023، وهو ما يمثّل نموًا بنسبة 35% عن العام السابق. ويزيد هذا التوسعُ من الطلب على العناصر الأرضية النادرة تحديدًا في ظل تشديد قيود العرض، ما قد يُعيق التحول نحو الطاقة النظيفة. ويمكن لقيود العرض أن تُؤخّر اعتماد المركبات الكهربائية وتزيد التكاليف على المستهلكين، ما قد يُبطئ التقدم نحو تحقيق أهداف المناخ واستقلال الطاقة.
3. تطبيقات الدفاع والأمن القومي
تتطلب التطبيقات العسكرية عناصرَ أرضية نادرة عالية النقاء، ما يجعل قطاعات الدفاع أكثر عُرضةً لقيود التوريد. وتتطلب طائراتُ F-35 المقاتلة نحو 920 رطلًا من العناصر الأرضية النادرة لكل طائرة، بينما تحتاج غواصاتُ فئة "فرجينيا" إلى نحو 9200 رطل لكل سفينة.
يتعيّن على قادة صناعة الدفاع إبرامُ اتفاقياتِ توريدٍ طويلة الأجل أو تطويرُ مصادرَ موادّ بديلة للحفاظ على الجاهزية التشغيلية. إن الطبيعة الاستراتيجية لهذه التطبيقات تجعل أمن التوريد أولويةً للأمن القومي، وليس مجرد اعتبارٍ اقتصادي.
ورغم أهميتها، تطبّق الدول استراتيجياتٍ شاملة لمعالجة مشكلة الاعتماد على "المعادن النادرة" والحدّ من تأثّرها بقيود التوريد. وتشمل هذه الجهود تطوير الإنتاج المحلي، وتكوين شراكاتٍ دولية، وتسريع البحث في المواد البديلة.
وتكثّف الدول استثماراتها في قدرات التعدين ومعالجة "المعادن الأرضية النادرة" و"المعادن النادرة" محليًا، حتى في ظلّ عوائق اقتصادية مقارنةً بالمورّدين المُعتمدين. فقد خصّص "قانون الإنتاج الدفاعي" الأميركي 35 مليون دولار لتطوير قدرات معالجة "المعادن الأرضية النادرة"، بينما خصّص "قانون خفض التضخم" 369 مليار دولار لمبادرات الطاقة النظيفة التي تدعم تطوير المعادن الأساسية.
تُحدث التوترات التجارية والقيود المفروضة على "المعادن النادرة" آثارًا نفسيةً قوية في الأسواق المالية، ممّا يدفع سلوك المستثمرين إلى ما هو أبعد من الحسابات الاقتصادية العقلانية البحتة. ويؤدّي الخوف من انقطاع الإمدادات وعدم استقرار العملة إلى زيادة الطلب على الأصول البديلة واستراتيجيات الاستثمار.
وتأتي أزمة "المعادن النادرة" بين الصين والولايات المتحدة بعد أشهرٍ على إطلاق الرئيس الأميركي دونالد ترمب حربًا تجارية تمثّلت بفرض رسومٍ على دولٍ عدّة، منها الصين. وفي هذا السياق، تقول منظمة التجارة العالمية إنّ تأثير التعريفات الجمركية الأميركية على التجارة العالمية سيأتي متأخرًا عمّا كان متوقّعًا سابقًا، نظرًا لتكديس البضائع في عام 2025 تحسّبًا للتعريفات.
ومن ناحيةٍ أخرى، خفّت حدّة تأثير التعريفات الجمركية الأميركية بعد أن أحجمت الدولُ الأخرى عن الرد. فمع اندلاع التوتّر التجاري، توقّع محلّلون أن تردّ الدول الأخرى على التعريفات الأميركية، ممّا سيؤثّر سلبًا في تدفّقات التجارة. لكن هذا لم يحدث، إذ تقبّل شركاءُ الولايات المتحدة التجاريون فكرة أنّ الولايات المتحدة ستُبقي على التعريفات الجمركية المرتفعة بغضّ النظر عمّا يفعلونه. علاوةً على ذلك، فقد تعلّموا أنّ أفضل طريقة لتجنّب تعريفاتٍ جمركية أكثر إرهاقًا هي التعهّد باستيراد مزيدٍ من السلع من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى زيادة الاستثمار فيها.
وإلى جانب التعريفات الجمركية، فرضت الإدارةُ الأميركية قيدًا تجاريًا مهمًا يتمثّل في رسوم إرساء في الموانئ الأميركية تُفرض على السفن المملوكة أو المُدارة من قِبل شركاتٍ صينية، أو تلك التي بُنيت في الصين. وتفرض الولايات المتحدة هذه الرسوم بسبب ما تعتبره منافسة "غير عادلة" من الشحن المدعوم من الدولة في الصين.
كما تهدف الخطوةُ إلى إنعاش صناعة بناء السفن في الولايات المتحدة. ونظرًا لأنّ هذه الرسوم تُطبَّق فقط على الشحن الصيني، فإنّ الشركاتَ والبنّائين في دولٍ آسيوية أخرى، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يرون فرصةً سانحة لتعزيز حصتهم السوقية.
وفي الوقت نفسه، تُهيمن الصين على صناعة الشحن. وتشير التقارير إلى أنّ 29% من سفن الحاويات في المياه صُنعت في الصين، وأنّ 70% من السفن المطلوبة ستُصنع في الصين. ومن المتوقّع أن تكون هذه الرسوم باهظةً للغاية، وقد تؤدّي إمّا إلى زياداتٍ كبيرة في أسعار خدمات الشحن، وإمّا إلى انخفاض أرباح شركات الشحن. ولذلك، دأبت بعضُ شركات الشحن على تحويل مسارات السفن المصنوعة في الصين بعيدًا عن الممرّات المتّجهة إلى الولايات المتحدة، في محاولةٍ للحدّ من تأثير الرسوم.
إلى ذلك، يُلقي تغيّر المناخ بأعباء إضافية على سلاسل التوريد. وبحسب موقع "ديلويت"، فعندما توصّلت الولايات المتحدةُ والاتحادُ الأوروبي إلى اتفاقٍ تجاري في يوليو/ تموز الماضي يُمكّن الشركات من الاستثمار بثقة في سلسلة التوريد، أشارت الولايات المتحدة لاحقًا إلى احتمال تقويض الاتفاق بسبب مخاوف بشأن قانون الاتحاد الأوروبي المتعلّق بالمناخ.
وطلبت الإدارةُ الأميركية من الاتحاد الأوروبي استبعادَ الشركات غير الأعضاء في الاتحاد من شرط تقديم "خطط التحوّل المناخي". بالإضافة إلى ذلك، تطلب الولايات المتحدة من الاتحاد الأوروبي استبعادَ الشركات الأميركية من شرط تحديد التكاليف البيئية أو الاجتماعية في سلاسل التوريد الخاصة بها. كما اشتكت الولايات المتحدة من "ضريبة الكربون" التي فرضها الاتحاد الأوروبي، والمقرّر أن تبدأ العام المقبل.
وتتوافق هذه المطالبُ مع موقف الحكومة الأميركية المعارض للّوائح التي تهدف إلى إجبار الشركات على الانخراط في التحوّل إلى الطاقة النظيفة.
Loading ads...
وفي ظلّ عدم اليقين الاقتصادي، يلجأ المستثمرون إلى الملاذات الآمنة والأصول المستقلّة عن سيطرة الحكومات أو القيود التجارية، إذ يرتفع الطلب على الذهب والفضة. فالمعادن الثمينة تؤمّن حمايةً من تقلبات العملات واضطرابات النظام المالي التي قد تُصاحب التوترات التجارية الحادّة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





