ساعة واحدة
صهر الظواهري ومحكمة التجسس.. كيف أدار المغربي صراعات القاعدة الداخلية؟
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

لم تقتصر مسؤوليات أبو عبد الرحمن المغربي داخل تنظيم “القاعدة” على إدارة الرسائل الإعلامية والتواصل مع الفروع، ففي نيسان/أبريل 2014، ظهر اسمه في مراسلات داخلية تتعلق باتهامات التجسس التي طالت أبناء قيادات بارزة، ضمن أعمال لجنة حملت اسم “بخارى”، وارتبطت مباشرة بالدائرة المقربة من زعيم التنظيم آنذاك أيمن الظواهري.
وتكشف المراسلات، التي استعرضها تحقيق نشرته “العربية الإنجليزية”، جانباً من الصراعات الأمنية والتنظيمية داخل القاعدة، فيما تتضمن شهادات عن اعتقالات وانتهاكات بحق أبناء قياديين، كانوا يمثلون جزءاً من الجيل المرشح لتولي مواقع قيادية في التنظيم.
وبحسب التقديرات أنشأ أيمن الظواهري “لجنة بخارى” بعد حزيران/يونيو 2012 لمعالجة الخلافات والاتهامات الأمنية داخل تنظيم “القاعدة”، وذلك خلال مرحلة شهدت اضطرابات في صفوف قياداته بمنطقة وزيرستان الباكستانية، عقب مقتل عدد من كبار المسؤولين فيه.
وبحسب وثائق استعرضها التحقيق، ارتبطت اللجنة بالقيادة العليا للتنظيم، وتولى رئاستها أبو دجانة البهتيتي، أحد أصهار الظواهري، فيما شارك صهره الآخر أبو عبد الرحمن المغربي في التحقيق باتهامات التجسس، ولا سيما تلك التي طالت أبناء شخصيات قيادية في التنظيم ذاته.
في نيسان/أبريل 2014، وجّه المغربي، باسم لجنة بخارى، رسائل إلى أبي قصورة المكي، واسمه الحقيقي بسام إبراهيم السليماني، أحد أعضاء اللجنة الشرعية للقاعدة، الذي أدرجته وزارة الداخلية السعودية على قائمة المطلوبين عام 2011، وفق مراسلات استعرضها التحقيق.
وأشارت إحدى الرسائل، المؤلفة من ثلاث صفحات، إلى موافقة قيادة التنظيم على فتوى أصدرها أبو مالك التميمي، واسمه الحقيقي أنس النشوان، تدعو إلى قتل المشتبه بتجسسهم من أبناء قيادات القاعدة، وكان التميمي قد تولى مهام قضائية شرعية داخل التنظيم في خراسان، قبل انشقاقه ومبايعته تنظيم “داعش” عام 2014.
كما تضمنت صفحات من مراسلة أخرى منسوبة إلى المغربي إشارات إلى رئيس اللجنة أبو دجانة البهتيتي باسم “محمد عارف”، ما يكشف استخدام أسماء أخرى في الاتصالات الداخلية المتعلقة بالملفات الأمنية.
وتوضح الوثائق مشاركة اللجنة في متابعة اتهامات التجسس والتواصل بشأنها مع القيادة والجهات الشرعية داخل التنظيم.
كما كشفت المراسلات عن مساعٍ بذلها المغربي وأبو دجانة البهتيتي لتعقب أبناء قياديين اشتبهوا بتورطهم في التجسس، والنظر في استدراج بعضهم إلى أفغانستان لاعتقالهم.
رسائل منسوبة إلى أبو عبد الرحمن المغربي، تعود إلى عام 2014 وتحمل توقيع “لجنة بخارى”، نشرتها الصحفية هدى الصالح على منصة “إكس”.
وفي رسالة وجهها المغربي إلى شخصين يُدعيان حكيم وإنعام، تحدث عن تزايد الشكوك عقب سلسلة ضربات في محيط منطقة وانا الباكستانية، وناقش إمكانية تكليف اللجنة العسكرية بإرسال فريق لاستدراج المشتبه بهم واحتجازهم، كما دعا إلى تحذير عناصر التنظيم في إيران وبلوشستان من أحدهم إذا مر بالمنطقة.
عن مصدر مطلع على دوائر قيادة القاعدة، طلب عدم الكشف عن هويته، اتهامه المغربي والبهتيتي بالمشاركة المباشرة في حملة اعتقالات استهدفت أبناء كبار القياديين، وقال إنهما تعاملا معهم باعتبارهم مصدر تهديد للتنظيم.
وأضاف المصدر: “استهدفوا أبناء كبار القادة ظلماً، وبدلاً من إظهار الرحمة تجاههم، عاملوهم كما لو أنهم مرتدون”.
وزعم المصدر أن بعض المتهمين بالتجسس تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة، بينهم اثنان من أبناء قيادي يُعرف باسم أبو همام المصري، قال إن عناصر التنظيم قتلوهما بعد تعذيبهما.
واتهم المصدر القيادة العليا للقاعدة بعدم تقديم اعتذار رسمي عن تلك الممارسات، معتبراً أن طريقة التعامل مع أبناء القياديين أسهمت في إضعاف قدرة التنظيم على إعداد جيل جديد من القادة.
تناول تحقيق “العربية الإنجليزية” مصير أبناء قيادات تنظيم “القاعدة” الذين واجه بعضهم اتهامات بالتجسس خلال الصراعات الداخلية عام 2014.
ونقل عن مصدر مطلع على دوائر القيادة، طلب إخفاء هويته، أن التنظيم أهمل هؤلاء الشبان ولم يوفر لعائلاتهم دعماً كافياً، فيما تعرض بعضهم للاعتقال وسوء المعاملة.
وفي عام 2014 شهد تنظيم “القاعدة” انشقاقات بين عناصره في أفغانستان وباكستان، بالتزامن مع اتساع الخلاف مع تنظيم “داعش”، ووثّق الباحث دون راسلر، في دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت” في آذار/مارس 2015، انتقال تسعة أعضاء من القاعدة إلى مبايعة أبو بكر البغدادي، في خطوة عُرفت باسم “بيعة خراسان”.
وكان أبو جرير الشمالي بين المنشقين، ونشر لاحقاً رواية في مجلة “دابق” التابعة لداعش انتقد فيها قيادة القاعدة، وتحدث عن خلافات تنظيمية وفكرية معها.
وتشير دراسة أخرى أصدرها مركز مكافحة الإرهاب في كانون الثاني/يناير 2022 إلى أن روايته تناولت أيضاً خلافاته مع أيمن الظواهري وأحد أصهاره.
وبالتوازي، تظهر مراسلات منسوبة إلى أبو عبد الرحمن المغربي، استعرضها التحقيق، عن خلافات بشأن عمليات قتل دون تفويض، وإجراءات تأديبية، والتعامل مع المشتبه بتجسسهم داخل التنظيم، واتهم المغربي بعض خصومه بإثارة الانقسام، وشكك في فهمهم الفكري، بينما اتسع نطاق الاتهامات ليشمل أبناء قياديين بارزين.
وتكشف إحدى المراسلات عن قلق المغربي من احتمال وصول هؤلاء الأبناء إلى مواقع آبائهم القيادية إذا قُتل عدد من كبار المسؤولين.
امتد دور أبو عبد الرحمن المغربي داخل تنظيم “القاعدة” إلى الملف السوري، من خلال عضويته في “لجنة حطين”، التي أنشأها أيمن الظواهري لمتابعة شؤون التنظيم في سوريا وإدارة الخلافات المرتبطة بها.
كما أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS)، في دراسة عام 2022، إلى دور اللجنة في تنسيق القيادة العالمية وترتيبات انتقالها.
وجاء نشاط اللجنة بالتزامن مع انتقال قيادات وعناصر مخضرمين من القاعدة إلى سوريا، قادمين من إيران وأفغانستان وباكستان واليمن، وتركز وجود هؤلاء في إدلب وحلب والرقة والمناطق الحدودية السورية العراقية، حيث وسّع التنظيم شبكاته، فيما واجهت قيادته صعوبات في التواصل مع عناصره ومتابعة تحركاتهم.
وتشير مراسلات منسوبة إلى المغربي، استعرضها التحقيق، إلى أنه دعا خلال عام 2014 إلى تعميم الشكوك المتعلقة بأشخاص اتهمهم بالتجسس بين أعضاء التنظيم، وخصوصاً الموجودين في سوريا، بالتزامن مع مساعٍ لتعقب بعض المشتبه بهم واحتجازهم.
وتناول مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت”، في دراسة نشرها عام 2018، الخلافات التي نشأت بين قيادة تنظيم “القاعدة” و”جبهة النصرة”، ولا سيما بعد إعلان الجبهة فك ارتباطها بالتنظيم عام 2016، وما أعقب ذلك من اعتراضات داخلية ومحاولات للوساطة.
كما وثّقت دراسة أخرى للمركز، صدرت في نيسان/أبريل 2024، دور مكتب الاتصالات الخارجية الذي ترأسه المغربي في نقل المراسلات والتوجيهات بين قيادة القاعدة وفروعها، بما فيها الأطراف الموجودة في سوريا.
وتؤكد المصادر عضوية المغربي في لجنة حطين ومسؤولياته الاتصالية، لكنها لا تقدم أدلة على أنه اتخذ شخصياً قرارات تتعلق بالخلافات السورية أو تحركات القيادات الموجودة هناك.
أثارت الضربات التي قتلت عدداً من قيادات تنظيم “القاعدة” في أفغانستان وباكستان مخاوف داخلية بشأن تسرب المعلومات واختراق شبكات الاتصال، وتكشف مراسلات منسوبة إلى المغربي، استعرضها التحقيق، أنه حذّر من تضمين الرسائل أسماء وتفاصيل حساسة، وانتقد طريقة تداول المعلومات بين عناصر التنظيم.
وأشار المغربي إلى احتمال امتلاك أحد المشتبه بهم وسيلة تكشف مسارات تنقل العناصر، وتُظهر وأن هذه الشكوك امتدت إلى أبناء قياديين بارزين، بينما ناقش مسؤولون داخل التنظيم احتجاز بعض المشتبه بهم بتهمة التجسس.
وسبقت هذه المخاوف مراسلات لأسامة بن لادن، حللها مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت” في أيار/مايو 2012، وأظهرت قلقه من المراقبة الإلكترونية والاختراق البشري، واعتماده على الرسل لنقل توجيهاته.
وبحسب التحقيق، اتسعت مسؤوليات المغربي لتشمل الإشراف على تنقل كبار القادة وحمايتهم، وبعض الشؤون المالية والإدارية، ومتابعة المعاهد الشرعية في معسكرات التدريب، إلى جانب مشاركته في التفاوض بشأن رهائن وأسرى.
وتذكر وزارة الخارجية الأميركية أنه تولى رئاسة مكتب الاتصالات الخارجية المسؤول عن التواصل مع فروع القاعدة.
في المقابل، احتفظ المغربي بموقع متقدم داخل التنظيم، وبعد مقتل أيمن الظواهري في كابل، في 31 تموز/يوليو 2022، برز اسمه في الدراسات المعنية بخلافة القيادة.
وفي تموز/يوليو 2010 كشفت مراسلات داخلية عن مخاوف من اعتراض قياديين أقدم في تنظيم “القاعدة” على ترقية المغربي.
ففي رسالة إلى أسامة بن لادن، أشاد عطية عبد الرحمن بقدرات المغربي التنظيمية، لكنه حذّر من أن بعض القياديين المخضرمين قد لا يقبلون بتولي شخص أحدث منهم موقعاً أعلى في القيادة.
واقترح عطية أن يحسم بن لادن المسألة بإعلان التعيين في تسجيل صوتي، بدلاً من الاكتفاء برسالة مكتوبة. وتوثق المراسلات وجود مخاوف من اعتراضات محتملة، لكنها لا تثبت أن خلافاً فعلياً نشأ بشأن الترقية.
ووصفت دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت” في نيسان/أبريل 2024 المغربي بأنه ثاني أبرز قياديي القاعدة الموجودين في إيران بعد سيف العدل، وكان المغربي يحتل موقعاً متقدماً في التقديرات المتعلقة بقيادة التنظيم قبل مقتل الظواهري.
وفي مقابلة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت” في آب/أغسطس 2022، قال إدموند فيتون براون، المنسق السابق لفريق مراقبة تنظيمي “القاعدة” و”داعش” في الأمم المتحدة، إن المعلومات التي تلقاها الفريق من الدول الأعضاء وضعت الظواهري في المرتبة الأولى بين قادة القاعدة، يليه سيف العدل في إيران، ثم أبو عبد الرحمن المغربي في المرتبة الثالثة، الذي رجّحت تلك المعلومات وجوده في إيران أيضاً، وجاء بعده يزيد مبارك، المعروف باسم يوسف العنابي، في الجزائر، وأحمد ديرية في الصومال.
وأوضح فيتون براون أن غالبية الدول التي قدمت المعلومات اتفقت على وجود قيادات بارزة للتنظيم في إيران، لكن التقديرات لم تحظ بإجماع كامل.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، وصف المركز، في دراسة للباحثين كولين كلارك وكلارا بروكارت، سيف العدل بأنه القائد الفعلي للتنظيم، والمغربي بأنه نائبه، مع الإشارة إلى استمرار الغموض بشأن بنية القيادة ومكان وجودها.
Loading ads...
وفي الجزء الثالث من هذا الملف، نتتبع المعلومات الاستخباراتية والوثائق والتسريبات التي تحدثت عن وجود أبو عبد الرحمن المغربي وقيادات بارزة في تنظيم “القاعدة” داخل إيران، ونعود إلى تاريخ العلاقة بين طهران والتنظيم، وما شهدته من احتجاز وإقامة واتصالات، كما نبحث في الظروف التي جعلت إيران مقراً لعدد من قادة التنظيم، وطبيعة علاقتهم بالسلطات الإيرانية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


