5 أشهر
عام بعد سقوط الأسد... ما حصيلة حكم الشرع وأي تحديات للرجل القوي الجديد في البلاد؟
الإثنين، 8 ديسمبر 2025

Loading ads...
قبل عام بالضبط، وتحديدا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت قوات تابعة لهيئة تحرير الشام دمشق منتصرة. وسقطت العاصمة السورية بعد هجوم خاطف أدى إلى فرار الرئيس بشار الأسد. وبعد ساعات قليلة، دخل أبو محمد الجولاني، الرجل الذي أطاح بالدكتاتور، قائدا منتصرا إلى الجامع الأموي الكبير. وتعد رمزية الحدث قوية جدا بعد 13 عاما من حرب أهلية دامية. منذ ذلك الحين، يسعى قائد الحرب المَهيب إلى الظهور في صورة أكثر اعتدالا. واستبدل الرجل القوي الجديد في دمشق زيه العسكري ببدلة وربطة عنق. وأضفى طابعا رسميا على عودته إلى الحياة المدنية باستخدام اسمه الحقيقي: أحمد الشرع. ومنذ مقابلاته الأولى مع وسائل الإعلام الدولية، ظهرت نبرة الشرع معتدلة، وكلماته مختارة بعناية. لكن الرئيس الانتقالي لا يزال وضعه مثيرا للانقسام، حتى اليوم. ويوضح بنيامين فيف، الخبير في الشؤون السورية والمحلل البارز في شركة كرم شعار الاستشارية المحدودة قائلا: "أكثر المتفائلين، الذين توقعوا ترسيخ الديمقراطية في سوريا، يصفون النتيجة اليوم بالكارثية". ويضيف: "أما أكثر الناس تشاؤما، والذين تصوروا سيناريو شبيها بما حدث بليبيا، فيعتبرون الأمر إيجابيا إلى حد ما. وفي النهاية، ولتجنب صورة مبالغ فيها، فإن سوريا في وضع جيد إلى حد ما. لقد استعادت مكانتها بين الأمم. وخرجت بالفعل من عزلتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية. وهذا أمر جيد جدا". أحمد الشرع... من "الجهادية العالمية" إلى رئيس انتقالي على مدار العام الماضي، قام الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بزيارات عديدة إلى بلدان غربية. فبعد فرنسا في مايو/أيار الماضي، ألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، وكان ذلك أول خطاب لرئيس سوري منذ العام 1967. ووعد بمحاكمة المسؤولين عن المجازر في البلاد واحترام حقوق الإنسان. وفي السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قرر مجلس الأمن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وأشاد ببداية "عهد جديد" للبلاد. وفي هذا الصدد، يشرح أغيد غانم، الدكتور والباحث في العلاقات الدولية بمعهد الدراسات السياسية بباريس، قائلا بشأن الشرع: "منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة، كانت أولويته إظهار استعداده للتعاون مع المجتمع الدولي إذا ما رُفعت العقوبات الاقتصادية". ويضيف: "إنه براغماتي للغاية، كما أنه جدّ فعال في تعامله مع كبار قادة العالم مثل دونالد ترامب، ورجب طيب أردوغان، وإيمانويل ماكرون". اقرأ أيضاالشرع في زيارة تاريخية إلى البيت الأبيض وبريطانيا ترفع عنه وعن وزير داخليته العقوبات ويذكر أنه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، استقبل دونالد ترامب بالبيت الأبيض الرجل الذي كان اسمه على قائمة المطلوبين لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي). ووعد الرئيس الأمريكي، الذي وصف الشرع قبل بضعة أشهر بأنه "شاب وسيم"، برفع العقوبات المفروضة على بلاده بموجب قانون قيصر، الذي أُقر عام 2019. وقد حظر هذا التشريع بشكل ملحوظ على سوريا التعامل مع النظام المصرفي الدولي والمعاملات بالدولار. لكن حتى الآن، لم يُلغِ الكونغرس الأمريكي القانون بعد. ويقول بشأنه بنيامين فيف إنه "تم تعليقه لمدة 180 يوما فقط، قابلة للتجديد. ما يعني أنه بالنسبة لمشاريع الاستثمار في قطاع الطاقة، التي تستغرق شهورا أو حتى سنوات، تعد هذه المدة قصيرة جدا... فالمستثمرون المحتمَلون لن يخاطروا برؤوس أموالهم علما أن العقوبات قد تفرض من جديد. ونحن نعلم ديناميكية سياسات الرئيس الأمريكي، الذي قد يغير رأيه بسرعة البرق". ويضيف الخبير: "القطاع المصرفي، الذي كان معزولا تماما خلال فترة حكم بشار الأسد، لم يسترجع علاقاته الدولية بعد. ويردف قائلا: "من الصعب جدا إرسال الأموال إلى سوريا. على سبيل المثال، يكاد يكون من المستحيل تمويل الواردات والصادرات. وبدون هذه الروابط بين البنوك، سيستغرق الاقتصاد بعض الوقت للتعافي". إلى ذلك، وفي ظل استحالة إنعاش الصناعة أو قطاع الأغذية الزراعية، تغمر المنتجات الأجنبية السوق. ويكشف فابريس بالانش، المتخصص في الجغرافيا السياسية لسوريا والمحاضر في جامعة ليون الثانية أن "المنتجات التركية والصينية، بالإضافة إلى البنزين المُهرَّب، تدخل السوق السورية بسهولة". ويتابع قائلا: "الصناعة متوقفة منذ ديسمبر، فمع ساعات قليلة فقط من الكهرباء يوميا، والمنافسة الشديدة، لا جدوى من محاولة إنتاج أي شيء، لأنك لن تبيع شيئا". 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر ميدانيا، لم تتحسن حياة السوريين اليومية، إذ أنهم يعانون من "نفس النقص في الموارد"، بحسب أغيد غانم الذي يؤكد أن "إمكانية الحصول على الكهرباء تحسنت قليلا، ولكن مع تضخم كارثي في الأسعار". ويضيف "العديد من السوريين يكفون عن استهلاك الكهرباء لعدم قدرتهم على دفع الفواتير". المستوى المعيشي للسكان في تقهقر مستمر، و"المزيد من السوريين سيتدهور وضعهم المعيشي ليصبح تحت خط الفقر بحلول العام 2025، لكن يعتبر ذلك من إرث نظام الأسد"، وفقا للباحث في علم الاجتماع، الذي يوضح أن "في السنوات الأخيرة، تم تأسيس اقتصاد قائم على النهب والاستيلاء على الموارد القليلة التي كانت تشكل مداخيل سوريا بسبب الحرب والعقوبات الدولية". ويضيف الباحث قائلا: "تعرض أصحاب المتاجر للمضايقة... وحرص النظام على أن يكون السوريون بلا عمل، بلا دخل، بلا كهرباء، بالإضافة إلى التضخم وشح حاد في أساسيات العيش. وما يحدث اليوم ما هو سوى استمرار لذلك". ووفقا لبنجامين فيف، فإن خزائن الدولة خاوية بالكامل. وقد "تقلّص الناتج المحلي الإجمالي إلى ثلث المستوى الذي كان عليه، وأصبح البلد لا يتاجر مع أحد، وميزانية الدولة بالكاد تصل إلى ملياري دولار. ما يعتبر لا شيء...". وإذا استطاعت السلطات الجديدة دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، فيعود الفضل في ذلك إلى مساعدات من قطر والمملكة العربية السعودية. ويوضح فابريس بالانش قائلا: "ارتفعت الرواتب من 20 إلى 80 دولارا شهريا، ولكن في الوقت ذاته تم تسريح نصف موظفي الخدمة المدنية. والتزموا بدفع رواتبهم لمدة عام أو عامين من أجل استقرار البلاد". اقرأ أيضاالسعودية تعلن حزمة من الاستثمارات تفوق 5 مليارات دولار في سوريا منذ سقوط نظام الأسد، حافظت الليرة السورية، التي فقدت 99% من قيمتها خلال الحرب، على استقرارها عند حوالي 13,000 ليرة سورية مقابل اليورو الواحد. ومع ذلك، لا يوجد سوى عدد قليل جدا من الأوراق النقدية المتداولة. ويوضح الخبير في الشؤون السورية، مؤكدا على الطبيعة المصطنعة لهذا النقص قائلا: "لا يُسمح بسحب أكثر من 20 أو 30 دولارا بالليرة السورية أسبوعيا". ومن المقرر أن تدخل الأوراق النقدية الجديدة، الخالية من صورة بشار الأسد، التداول في 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري. دولة مركزية قوية أم نظام فيدرالي؟ المعضلة الأزلية لكي يتم إطلاق مشروع إعادة الإعمار الهائل، والذي قدّره البنك الدولي بـ 216 مليار دولار، يجب على الرئيس الانتقالي ضمان الأمن، لا سيما بوضع حد لأعمال الجماعات الجهادية في البلاد. ويوضح أغيد غانم قائلا إن: "’تنظيم الدولة الإسلامية’ قضية أمن قومي بالنسبة لفرنسا ودول أخرى في أوروبا والغرب بصفة عامة". ويضيف: "حتى على الصعيد المحلي، بدأت مسألة محاربة الفصائل المتطرفة غير السورية، التي لا تزال موجودة في البلاد، تُثير الكثير من الإحباط. لذلك الشرع مُجبر على التحرك. وأكرر مرة أخرى، إنه شخص براغماتي للغاية". وكان الرئيس الانتقالي قد أعلن خلال زيارته لواشنطن، انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الجهاديين بقيادة الولايات المتحدة. ويقول بنيامين فيف: "هذا دليل على ذكاء سياسي ودبلوماسي. لدى السلطات معلومات استخباراتية تشاركها مع الأمريكيين لمحاربة "تنظيم الدولة الإسلامية"، وستتمكن الحكومة السورية من تعزيز سلطتها بالقضاء على هذا التهديد. إنه وضع مربح للجانبين". تحالف يتجاوز "تنظيم الدولة الإسلامية" يُشير المحلل إلى أن الأمريكيين قصفوا معسكرات قرب إدلب، معقل القائد... ويقول "لا يُريد أحمد الشرع أن يرى الجماعات المُنافسة تتطور أو تتعزز". فبالنسبة لفابريس بالانش، هذه استراتيجية قائمة أساسا ضد الأكراد. كما يُصرّ على أن "الهدف هو حلّ قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة والتي تعتمد عليها في الحرب ضد ‘تنظيم الدولة الإسلامية"’. لا تزال العلاقات بين دمشق والأكراد متوترة. وقد انسحب قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، من اتفاق 10 مارس/آذار الماضي، الذي نصّ على اندماجهم في دولة مركزية. كما أن المجازر التي ارتكبت بحق الأقلية العلوية، التي ينحدر منها بشار الأسد، زادت من شكوك الأكراد حول التزام أحمد الشرع بضمان حقوق الأقليات في البلاد. لذلك فهم يرفضون دولة مركزية استبدادية وينادون بدولة فيدرالية. اقرأ أيضاسوريا: الرئيس الشرع يتعهد من الأمم المتحدة بمحاسبة "كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء" والأمر نفسه ينطبق على الدروز. ويذكر أغيد غانم قائلا: "كانت هناك فرص عديدة للابتكار السياسي وتجاوز هذه الازدواجية بين دولة مركزية وأخرى فيدرالية. على غرار الدروز الذين "ابتكروا شكلا من أشكال الحكم الذاتي. وربما كان من الأفضل التفاوض حول كيفية دمج هذا الشكل السياسي في النظام السوري الجديد، بدلا من إجبار الجميع على الاختيار بين الدولة المركزية أم الفيدرالية. فالأمر عقيم للغاية، وليست هذه هي الطريقة التي سنخرج بها من هذا الوضع". على حد قول الباحث. رئيس قوي يُسيطر على كل شيء. إنه وضع يُذكرنا بالنظام القديم، ويُؤكده الدستور الجديد. ويوضح أغيد غانم قائلا: "لم ينطق الشرع بكلمة "ديمقراطية" منذ توليه السلطة، ولا يبدو أنها من أولوياته إطلاقا... كما أن الديمقراطية لم تعد مطلبا من الشركاء الغربيين مثلما كانت في الماضي (مع الأسد - ملاحظة المحرر)... إن استخدام هذه الفصائل غير الشرعية يُذكرنا بالأزمنة المظلمة التي عاشتها سوريا، لأن نظام الأسد كان لديه بالفعل هذا الميل لامتلاك، من جهة، قوات مسلحة شرعية قادرة على التصرف بشكل جيد إلى حد ما، ومن جهة أخرى أجهزة أمنية ووكالات استخبارات وفصائل وميليشيات غامضة ارتكبت أسوأ الفظائع". في حين أن التعددية الحزبية ليست واقعا قائما حاليا، على الرغم من الانتخابات التشريعية غير المباشرة التي أجريت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلا أن السوريين استعادوا قدرا من حرية التعبير. ويُشير بنيامين فيف إلى أنه "كل يوم في دمشق، يجتمع الناس ويتناقشون، وينتقدون الحكومة الجديدة". ما يعد أمرا غير مسبوق منذ 70 عاما. أما التعبئة فتأتي من الأسفل، والحراك يبقى شعبيا بامتياز. ما يؤكده أغيد غانم، موضحا أن "السوريين يلتقون في مجموعات غير رسمية على فيس بوك. ويناقشون معنى أن تكون سوريّا اليوم. كما تُعقد اجتماعات في المطاعم والمقاهي... وذلك بشكل غير رسمي طبعا". وعلى الرغم من أن الدستور الجديد يكفل الحق في إنشاء أحزاب سياسية، إلا أن القانون لا يزال بطيئا في التطبيق. ويلخص غانم قائلا: "اليوم، من المستحيل تأسيس حزب تعددي عابر للطوائف. وإذا لم تراع الحكومة الانقسامات السياسية، فإن حركة الاحتجاج ستتجلى في نهاية المطاف، وفق انطواء عنيف يقوم على أسس الهوية، الأمر الذي سيقوض العملية الانتقالية". النص الفرنسي: آسيا حمزة | أعده إلى العربية: فارس بوشية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




