لام (اسم مستعار، 28 عاماً)، تقول إنها كرّست سنوات لرعاية ابنها وإعالته بعد ابتعاد والده عن الأسرة، قبل أن تنتهي العلاقة الزوجية بالطلاق. وخلال إجراءات الانفصال، تنازلت، بحسب روايتها، عن حقوق مالية مقابل الاحتفاظ بحضانة ابنها، وتُظهر وثيقة اطّلع عليها فريق التحقيق وجود تنازل عن حقوق مالية في سياق الطلاق والحضانة.
لكن النزاع لم ينتهِ هناك. فبعد نفاذ التعديل ثم "مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري"، فوجئت، بحسب إفادتها، باتصال من محامي طليقها يخبرها بوجود دعوى حضانة، قبل أن تحضر إلى المحكمة حيث أُدخلت في النزاع أحكام المدونة. ويبلغ ابنها اليوم 11 عاماً، أي أنه تجاوز سن السابعة التي تجعل الحضانة، وفق المادة 81 من المدونة، للأب ما لم يثبت عدم أهليته للحضانة.
لا تثبت حالة الشابة لام وحدها وجود نمط عام، لذلك تتبع التحقيق حالات أخرى، وراجع قرارات قضائية منشورة ووثائق حصل عليها التحقيق من أمهات، ليفحص سؤالاً أضيق من الجدل السياسي الذي صاحب القانون: كيف يُستخدم تعديل 2025 فعلياً داخل المحاكم، خصوصاً عندما يكون عقد الزواج أو الطلاق سابقاً على صدوره؟
ظل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المرجع التشريعي الأساسي الذي تنظر بموجبه محاكم الأحوال الشخصية في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والإرث. وفي كانون الثاني/ يناير 2025، أقر مجلس النواب تعديلاً للقانون ضمن جلسة شهدت التصويت على ثلاثة قوانين مثيرة للجدل. ونُشر التعديل في العدد 4814 من جريدة الوقائع العراقية في شباط/ فبراير 2025، ونص على نفاذه من تاريخ نشره.
من بين ما أضافه التعديل إمكان اختيار تطبيق الأحكام الشرعية وفق المذهب الشيعي الجعفري في مسائل الأحوال الشخصية. وبالنسبة إلى بعض عقود الزواج المبرمة قبل نفاذ القانون، أجاز النص لأي من طرفي العقد كامل الأهلية أن يطلب من محكمة الأحوال الشخصية تطبيق تلك الأحكام إذا كان العقد قد وقع وفق المذهب الجعفري، ويستدل القانون على ذلك بتضمن العقد استحقاق المهر المؤجل عند المطالبة والميسرة.
لكن التعديل والمدونة لم يدخلا حيز التطبيق في لحظة واحدة. قبل صدور المدونة، أتاح القانون للمحاكم الرجوع إلى المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بشأن الأحكام الشرعية ذات الصلة. ثم أُقرت مدونة الأحكام الشرعية ونُشرت في العدد 4843 من الوقائع العراقية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لتصبح المرجع الذي تلتزم المحاكم بتطبيقه بعد نشرها، وفق ما أكدته محكمة التمييز الاتحادية.
هذا التسلسل مهم لفهم القضايا اللاحقة: كان طلب اختيار تطبيق الأحكام الجعفرية ممكنًا بعد نفاذ التعديل، بينما أصبحت تفاصيل مثل الحضانة تُحسم وفق مواد المدونة بعد نشرها. وفي بعض الحالات لا يحتاج هذا الاختيار، بالنسبة إلى عقد سابق، إلى موافقة الطرف الآخر، وقد يمتد إلى الأولاد القاصرين.
هيا (اسم مستعار، 38 عاماً)، تزوجت في 2015 وانتهى زواجها بالطلاق في 2020. تقول إنها اعتقدت أن العلاقة الزوجية وما ترتب عليها قد استقر قانونياً، خصوصاً بعدما تنازلت عن حقوق مقابل الاحتفاظ بحضانة أطفالها. لكنها فوجئت في بداية 2026، بحسب روايتها، بأن طليقها تقدم بطلب لتطبيق المذهب الجعفري على عقد الزواج السابق.
بالنسبة إلى هيا، لم يكن السؤال مذهبياً بقدر ما كان قانونياً وعملياً: هل يمكن لخيار أُتيح بعد خمس سنوات من الطلاق أن يعيد ترتيب آثار اتفاقات وحقوق نشأت قبل صدور القانون؟
واطلع التحقيق على ثلاثة مستندات وقرارات قضائية حصل عليها التحقيق من أمهات في قضايا تتعلق بطلب تطبيق أحكام المذهب الجعفري على عقود أو آثار أسرية سابقة. وتحتاج كل حالة إلى قراءة منفصلة لمسارها ومرحلتها القضائية، لكن وجود هذه الملفات يبين أن المسألة لم تبقَ في نطاق الاحتمال النظري.
المسار نفسه يظهر في قرارات منشورة لمحكمة التمييز الاتحادية. ففي القرار رقم 17/الهيئة العامة/2025، نظرت المحكمة في نزاع بدأ من عقد زواج أُبرم عام 2013، ثم اختار الزوج في 2025 تطبيق أحكام المذهب الجعفري وأقام دعوى لإسقاط حضانة الأم عن طفلين. وقررت الهيئة بالأكثرية أن الاختيار المنفرد لأحد الزوجين يمكن أن يسري على الزوجين وأولادهما القاصرين حتى من دون موافقة الطرف الآخر، وأن ذلك ينطبق سواء كانت الزوجية قائمة أو منقضية.
وذهبت المحكمة في القرار نفسه إلى تطبيق قاعدة الحضانة الواردة في المدونة، التي تُبقي الحضانة للأم حتى سن السابعة ثم تجعلها للأب، مع بقاء مسألة أهلية الأب للحضانة محل فحص قضائي. وبذلك يقدم القرار مثالاً موثقاً على انتقال تعديل 2025 من النص إلى نزاع حضانة ناتج من عقد أقدم من القانون بأكثر من عقد.
لكن الصورة القانونية ليست بلا حدود. ففي القرار رقم 14977/هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية/2025، الصادر في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، شددت محكمة التمييز على أن قانون التعديل ينفذ من تاريخ نشره ولا يسري على "الحالات السابقة"، مستندة أيضاً إلى القاعدة العامة في القانون المدني بشأن عدم رجعية القوانين ما لم يوجد نص بخلاف ذلك أو يتعلق الأمر بالنظام العام أو الآداب…
هنا يظهر السؤال الذي يحتاج إلى الفصل بين نوعين مختلفين من الوقائع: عقد زواج سابق أجاز التعديل نفسه تقديم طلب لاحق بشأنه، من جهة، وواقعة أو مركز قانوني اكتمل وانقضى قبل نفاذ القانون، من جهة أخرى. ولا يمكن اعتبار كل تطبيق على عقد قديم "أثراً رجعياً" تلقائياً، كما لا يمكن افتراض أن كل أثر سابق أصبح قابلاً لإعادة الفتح. هذا الحد الفاصل هو أحد أهم الأسئلة التي تكشفها الحالات التي جمعها التحقيق.
ويقول الأكاديمي والخبير القانوني وائل منذر إن الأصل هو عدم سريان القوانين بأثر رجعي، لكنه يلفت إلى أن المشرّع نص صراحة على آلية تخص بعض عقود الزواج السابقة. ويرى أن الإشكال يصبح أكثر تعقيداً عندما تكون العلاقة الزوجية نفسها قد انتهت بالطلاق قبل نفاذ التعديل ثم يُطلب لاحقاً ترتيب آثار جديدة على عقدها.
ولا يقتصر القلق من قواعد الحضانة على النزاعات التي وصلت بالفعل إلى المحكمة. زينب (اسم مستعار، 32 عاماً) من النجف، تقول إنها فكرت في الطلاق بعد سنوات من العنف والإهانات، لكنها تقول إن إقرار التعديل غيّر حساباتها، إذ خشيت أن يؤدي الانفصال إلى فقدان أطفالها أو ابتعادهم عنها. وتقول إنها فضّلت البقاء في العلاقة الزوجية رغم ما تتعرض له من عنف، خشية أن تفقد أطفالها أو يبتعدوا عنها.
لا تثبت شهادة زينب وحدها أن تعديل القانون يدفع النساء عموماً إلى البقاء في علاقات عنيفة، كما أن التحقيق لا يملك بيانات تقيس هذا الأثر على مستوى العراق. لكنها تقدم مثالاً على دخول الخوف من ترتيبات الحضانة الجديدة في قرار شخصي يتعلّق بالطلاق.
وتعطي دراسة وطنية لعام 2025 أعدها المرصد الإقليمي للعنف ضد النساء والفتيات، الذي تستضيفه المبادرة النسوية الأورومتوسطية، سياقاً أوسع لهذا الخوف. ففي المقابلات النوعية التي أجرتها الدراسة، قال خبير مجتمع مدني ومستشار لمنظمات دولية في بغداد إن نساءً معنفات يخشين فقدان أطفالهن، وهو ما قد يدفع بعضهن إلى تحمل أوضاعهن بدل طلب المساعدة.
وفي موضع آخر، قالت محامية وناشطة من بغداد تتعامل مع عشرات الحالات شهريًا إن الخوف من الوصمة أو فقدان الأطفال يمنع كثيرات من تقديم شكاوى رسمية. ولا تسمح هذه الشهادات النوعية وحدها بقياس أثر تعديل 2025 على قرار النساء بالبقاء في علاقات عنيفة، لكنها توثّق أن الخوف على الأطفال قائم كأحد العوامل التي قد تعوق طلب الحماية أو تقديم الشكوى.
وفي الجزء الكمي من الدراسة نفسها، أبلغت مشاركات في المحافظات الأربع عن التعرض للعنف الجسدي بدرجات متفاوتة خلال الاثني عشر شهراً السابقة للمسح، كما يوضح الرسم التالي.
وتأتي شهادتها في سياق أوسع من العنف الأسري المسجل. ففي 2025، قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن الجهات المختصة سجلت 36,289 حالة عنف أسري، بينها 19,587 حالة اعتداء من الزوج على الزوجة. وبشكل منفصل، في بيان منشور في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، قال مدير مديرية حماية الأسرة والطفل في وزارة الداخلية إن المديرية سجلت نحو 26 ألف دعوى عنف أسري خلال 2025 حتى وقت صدور البيان، عولج أكثر من 6 آلاف منها بالصلح والتراضي العائلي، فيما تجاوز عدد المحكومين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية جراء العنف الأسري الألف شخص.
ولا تقيس المجموعتان الشيء نفسه، كما أن بيان الداخلية لا يغطي سنة 2025 كاملة، لذلك لا يجوز جمعهما أو التعامل معهما بوصفهما سلسلة إحصائية واحدة، كما لا تثبتان وجود علاقة سببية بين تعديل الأحوال الشخصية والعنف الأسري…
طرح مؤيدون للتعديل حجة أخرى قابلة للاختبار بالبيانات. فبعد دخول القانون حيّز التنفيذ، قال النائب رائد المالكي إن معدلات الطلاق شهدت انخفاضاً، وعدّ ذلك من "أهم نتائج" تعديل قانون الأحوال الشخصية. ولاختبار هذا الادعاء من دون احتساب شباط/ فبراير، الذي نُشر التعديل خلاله، قارن التحقيق الأشهر الكاملة التالية لنشر القانون، من آذار/ مارس إلى تموز/ يوليو 2025، بالأشهر نفسها من 2024، استناداً إلى الإحصاءات الشهرية المنشورة عن مجلس القضاء الأعلى. بلغ مجموع حالات الطلاق في هذه الأشهر 29,548 حالة في 2024، مقابل 28,592 حالة في 2025، أي انخفاضاً بنحو 956 حالة، أو 3.2%.
لكن الانخفاض الإجمالي لم يعكس مساراً شهرياً ثابتاً. هبطت الحالات في آذار/ مارس من 6,222 في 2024 إلى 4,974 في 2025، وانخفضت في أيار/ مايو من 6,666 إلى 6,015. وفي المقابل ارتفعت في نيسان/ أبريل من 5,537 إلى 5,665، وفي حزيران/ يونيو من 4,779 إلى 5,028، وفي تموز/ يوليو من 6,344 إلى 6,910. وبذلك كانت الحالات في 2025 أعلى من الشهر المناظر في 2024 في ثلاثة من الأشهر الخمسة، بينما تركز الانخفاض الإجمالي أساساً في آذار/ مارس ثم أيار/ مايو.
هذه المقارنة وصفية ولا تثبت أن التعديل خفّض الطلاق أو رفعه، فالأعداد الشهرية تتأثر بعوامل اجتماعية واقتصادية وإجرائية متعددة. لكنها لا تُظهر أيضاً مساراً هبوطياً متصلاً يمكن، استناداً إلى هذه البيانات وحدها، تقديمه بوصفه أثراً مستقراً للتعديل.
وفي حالة أخرى من الناصرية، تخوض أم عراقية تبلغ 35 عاماً نزاعاً على حضانة بناتها الثلاث، تقول إنها كانت قد حصلت على حكم بالحضانة وأن الأب لن يشاركها بتربية البنات، قبل أن يتغير مسار القضية لاحقاً وتبلغها المحكمة بتسليم البنات.
بالنسبة إليها، لم يعد النقاش حول قواعد الحضانة خلافاً قانونياً مجرداً، بل سؤالاً عن المكان الذي ستعيش فيه بناتها ومن سيتولى تفاصيل حياتهن اليومية. وبحسب الأم، فإن الأب يسكن مع عائلته وإخوته في سكن مشترك ولا يملك مساحة مستقلة ومجهزة للبنات، بينما توفر هي منزلاً مستقلاً وظروفاً سكنية أفضل. وتقول إن القضاء لم يعتبر ذلك عاملاً حاسماً، مؤكدةً أنها لن تسلّم بناتها له مهما كانت الظروف.
وتضيف، وجّهت سؤالاً لطليقي عن مكان إقامة بناته، فأجاب بأن لديهم مخزناً سيجري تجهيزه ليكون سكناً لهن. وتقول الأم إن التفكير المستمر في مصير بناتها وما يواجهنه من ظروف وضعها تحت ضغط نفسي شديد، وإن هذا الضغط تزامن مع تدهور حالتها الصحية الجسدية.
وتكشف قرارات منشورة لمحكمة التمييز أن المحاكم لا تزال تصوغ مبادئ تفصيلية لتطبيق المدونة في مسائل الحضانة. ففي القرار رقم 93/الهيئة الموسعة المدنية/2026، نظرت المحكمة في دعوى أقامها أب ضد مطلقته بعد حصوله على حجة اختيار تطبيق المذهب الجعفري، مطالباً بإسقاط حضانتها عن ابنتيه.
وكانت محكمة الموضوع قد أبقت البنتين مع والدتهما بعدما اعتبرتهما قادرتين على الاختيار، لكن الهيئة الموسعة قررت أن سن الرشد لأغراض تطبيق المادة 88 من المدونة هو 18 عاماً استناداً إلى المادة 106 من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951، وأن من لم يبلغ هذه السن لا يملك الاختيار على هذا الأساس.
تكشف هذه القضايا أن السؤال لم يعد متعلقاً بما إذا كان التعديل أتاح اختيار تطبيق الأحكام الجعفرية فحسب، بل بكيفية تطبيق هذا الاختيار عندما يتعلق بعقد زواج أُبرم قبل القانون أو بترتيبات حضانة نشأت قبل نفاذه. ففي القرار رقم 17/الهيئة العامة/2025، قررت محكمة التمييز أن أثر الاختيار يمكن أن يشمل الطرف الآخر والأولاد القاصرين حتى مع انقضاء الزوجية، بينما أكدت في القرار رقم 14977/هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية/2025 أن قانون التعديل لا يسري على "الحالات السابقة".
Loading ads...
ولا يعني اختلاف المبدأين بالضرورة تناقضاً بين القرارين، إذ تختلف وقائع الدعويين. لكنه يكشف أن الحد بين "عقد سابق أجاز القانون تقديم طلب بشأنه"، و"واقعة اكتملت قبل نفاذه" أصبح مسألة قضائية عملية تُرسم حالةً بحالة. وبالنسبة إلى لام وهيا، هذا الحد هو ما سيحدد ما إذا كانت ترتيبات نشأت قبل التعديل ستبقى كما هي أم يعاد بحث آثارها أمام المحكمة وفق قواعد لم تكن نافذة عندما نشأت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






