ساعة واحدة
كم عصفوراً يضرب بهذا الحجر؟... الشّرع يرسل "مقاتليه" إلى اليمن - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

هل يستطيع أحمد الشرع أن يحوّل المقاتلين الذين يصعب دمجهم في دولته إلى ورقة تعيد بناءها؟ وفوقها بأن يكسب دعم السعودية، ويلاحق خصوماً قدامى من وكلاء إيران، ويخفف أعباء الداخل، بإرسال "هؤلاء" إلى حرب أخرى وجبهة بعيدة؟
تلك هي الفرضية المغرية خلف الأنباء عن احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن، حيث لا يزال الثأر من إيران ووكلائها يشتعل في صدور المقاتلين في سوريا. لكن ما يبدو صفقة متعددة المكاسب من دمشق والرياض، قد يتحول على الأرض اليمنية إلى التزام مفتوح لا يملك أحد ضمانة للخروج منه.
زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى الرياض، ولقاؤه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الثلاثاء 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أعادت طرح هذه الأسئلة. ففي ظل التصعيد بين القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعودياً وجماعة الحوثيين، تحدث تقرير رويترز عن طلب مساعدة عسكرية سورية، تتراوح بين دعم دفاعي لحماية المملكة وإرسال قوات برية إلى اليمن. وبين الاحتمالين مسافة كبيرة: حماية حدود حليف ليست هي خوض حربه.
كما نقل التقرير عن مسؤول أميركي ومسؤول عسكري سوري، أن دمشق تدرس خيارات مساعدة المملكة في مواجهة الهجمات الصاروخية والمسيّرة.
في المقابل، نفى المستشار الإعلامي للرئاسة السورية أحمد موفق زيدان، عبر منصة إكس، صحة ما تداولته وسائل إعلام عن طلب سعودي لإرسال قوات سورية إلى المملكة أو اليمن، مؤكداً أن أمن الخليج والسعودية من أمن سوريا. كما شددت إدارة الإعلام الخارجي بوزارة الإعلام، في بيان لها على أن الأولوية لإعادة بناء البلاد وتعزيز مؤسساتها، لا فتح جبهات خارج الحدود.
لكن النفي نفسه لم يلق بالاً عند كثيرين، رغم أنه نقل الترتيبيات من مسمى "تنسيق عسكري" إلى "تنسيق عسكري سري"، ليس بعدما أورد موقع أكسيوس، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين أميركيين، أن المباحثات السعودية السورية تحدثت عن إرسال ما بين 10 آلاف و20 ألف جندي سوري إلى اليمن.
شملت الوحدات المطروحة للنقاش الفرقة 90 قرب دمشق والفرقة 84 في جنوب سوريا قرب السويداء، مع إطلاع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على التفاصيل وعدم معارضتها الخطوة من حيث المبدأ.
والسؤال الذي يمكن اختباره هنا هو: ما الذي قد يكسبه كل طرف إذا انتقلت الفرضية إلى التنفيذ، وبأي كلفة؟
خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بالرياض، وصف الشرع السعودية بأنها بوصلة للاقتصاد ومفتاح للتنمية والازدهار في سوريا، فقد سبق أن ساهمت الرياض، بالتعاون مع قطر، في سداد متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، البالغة 15.5 مليون دولار.
لذا، بطبيعة الحال يبدأ حساب الشرع من الاقتصاد الذي أنهكته الحرب: بنى مدمرة، وإيرادات متراجعة، وحكومة تحتاج إلى تأمين الخدمات والرواتب. في هذه المعادلة، تبدو العلاقة مع الرياض باباً واسعاً للدعم والاستثمار وإعادة الإعمار.
هذا الدعم يفسر أهمية السعودية في حسابات دمشق، لكنه لا يثبت وجود مقايضة بين الجنود والتمويل. ومع هذا فقد يوسع التقارب العسكري فرص المساعدات والاستثمارات وتمويل إعادة بناء الجيش؛ غير أن تحويل هذه الفرص إلى عائد مضمون يتطلب أدلة واتفاقات، لا استنتاجاً من حاجة كل طرف إلى الآخر.
المكسب الثاني سياسي بالطبع. فالرياض اضطلعت بدور في إعادة دمج القيادة السورية الجديدة إقليمياً ودولياً، وفي ترتيب لقاء الشرع وترامب في مايو/ أيار 2025، ودعم جهود رفع العقوبات عن دمشق. والاستجابة لحاجة أمنية سعودية قد تمنح الشرع موقعاً إضافياً: شريكاً يقدم خدمة لحلفائه، إلى جانب حاجته إلى دعمهم.
لذا تذهب بعض التحليلات مثل موقع "دفاع العرب" إلى ترجيح انخراط دمشق في ترتيبات دفاعية أوسع مع السعودية. وبالنسبة إلى الشرع، قد تعزز الشراكة الأمنية الاعتراف بسلطته وتمنحه ثقلاً تفاوضياً. لكن هل تستطيع دولة تعيد بناء مؤسساتها أن تتحمل التزامات إقليمية قبل أن تضبط سلاحها في الداخل؟
أما المكسب الثالث، فيتصل بإيران وحلفائها، الذين خاضت الفصائل السورية مواجهات معهم خلال سنوات الحرب. ومن هذه الزاوية، قد تبدو مواجهة الحوثيين المدعومين من طهران امتداداً لصراع مع القوى التي ساندت نظام بشار الأسد، وفرصة لإضعاف نفوذ إيراني تعتبره القيادة الجديدة خصماً لا يزال قائماً وقابلاً للحياة إذا سنحت الفرصة.
إلا أن وحدة الداعم لا تجعل ساحات القتال متطابقة. فالانتقال من سوريا إلى اليمن يعني مواجهة جماعة لها جذورها المحلية وحساباتها وبيئتها المختلفة. وقد يمنح الضغط عليها دمشق تقارباً إضافياً مع الرياض وواشنطن، لكنه قد يفتح أيضاً باب استنزاف جديد. فالعداء القديم يفسر الدافع؛ لكنه لا يكفي وحده لتبرير جدوى الحرب.
أما المكسب الرابع، والأكثر حساسية، فيتعلق بمقاتلين وتشكيلات لا يزال يصعب دمجهم في جيش موحد. إذ تواجه وزارة الدفاع السورية مهمة جمع السلاح وإعادة الهيكلة وضبط الولاءات، بعد انتقال جماعات مسلحة من موقع الفصيل إلى موقع السلطة.
وبحسب ما أورده موقع يلا سوريا نيوز، تضم الفرقة 84 في الجنوب آلاف المقاتلين الإسلاميين والأجانب ممن شاركوا في تشكيلات مرتبطة بهيئة تحرير الشام. ومن هنا تنشأ فرضية أن تكليف بعض هذه القوات بمهام خارجية قد يخفف الاحتكاكات الداخلية ويمنح القيادة مساحة لإعادة ترتيب مؤسساتها.
لكن إبعاد المقاتلين لا يعني بالضرورة حل مشكلة دمجهم. من يقودهم ويمولهم؟ ولمن يدينون بالولاء بعد عودتهم؟ إذا بقيت الروابط الفصائلية أقوى من المؤسسة، فقد تؤجل المهمة الخارجية الأزمة وتعيد إنتاجها. لذلك فإن التعامل مع اليمن بوصفه مخرجاً من أعباء الداخل يحتاج إلى اختبار، لا إلى تقديمه حلاً جاهزاً لبناء الدولة.
أما في الحسابات السعودية، فتتمثل الجاذبية المحتملة في قوات راكمت خبرة بحرب الشوارع والعصابات ومواجهة تشكيلات مدعومة من إيران وأساليبها. فالرياض ترى ذلك بوضوح، وبأن لدى القوات السورية كفاءة قتالية وخبرة بالمسيّرات وتكتيكات القتال غير النظامي، مقارنة بالقوات الحكومية اليمنية، التي تعاني الانقسام وضعف التدريب.
إذا صحت هذه التقديرات، فقد تتيح مشاركة سوريا تعزيز الضغط البري على الحوثيين وتقليل الحاجة إلى تدخل سعودي مباشر، بما يحد من تعرض السعوديين للخسائر. ويمكن أن تُستخدم هذه الخبرة السورية في جبهات معقدة، كالساحل الغربي ومحيط باب المندب، أو في دعم الدفاع عن المملكة، بحسب طبيعة المهمة التي قد تُقر.
لكن الخبرة بسلاح إيراني أو بتكتيكات حلفاء طهران لا تضمن تفوقاً في اليمن. فقيمة أي قوة إضافية تتوقف على قيادتها وإمدادها وتنسيقها مع القوات المحلية. كما أن تقليل الخسائر السعودية المباشرة لا يلغي الكلفة السياسية والبشرية للحرب، بل قد ينقل جزءاً منها إلى الشريك السوري.
وقد تراهن الرياض على ضغط ميداني يدفع الحوثيين إلى وقف الهجمات الصاروخية والمسيّرة، ويعزز قدرتها التفاوضية، مع تثبيت دمشق في دائرة حلفائها الأمنيين. غير أن هذا الرهان يظل مرتبطاً بسؤال حاسم: هل الهدف حماية الحدود، أم تغيير موازين الحرب داخل اليمن؟ لكل هدف قواته وكلفته وحدوده.
حتى الآن، لا تجعل هذه الحسابات من التسريبات اتفاقاً معلناً، ولا تلغي النفي السوري وأولوية إعادة البناء التي تؤكدها دمشق. فعلى الرغم من وجود ما يكفي من الدوافع التي قد تدفع الطرفين إلى التعاون العسكري -السري أو المعلن-، لكنه لا يثبت أن القرار اتُخذ أو أن القوات تستعد للتحرك.
قد يرى الشرع في التعاون دعماً اقتصادياً واعترافاً سياسياً وفرصة لمواجهة خصومه وتخفيف أعباء مقاتليه، وقد يرى بن سلمان قوة برية تعزز الردع بأقل تدخل سعودي مباشر. لكن الاختبار الأصعب لأي ترتيب محتمل سيكون في شروطه وحدوده وخطة الخروج منه: هل تستطيع دمشق أن تستخدم حرباً أخرى لبناء دولتها، أم أن الحرب ستستخدم حاجتها إلى البناء؟
Loading ads...
في كل الحالات، يجب ألا يغيب عن حسابات المكاسب السؤال اليمني: ماذا تعني إضافة قوات أجنبية جديدة لبلد تتنازع سلطته قوى متعددة؟ صحيح أن التعزيز العسكري الخارجي يعزز من جبهة الحكومة المعترف بها دولياً، لكنه قد يمنح الحوثيين أيضاً مادة لتقديم حربهم بوصفها مواجهة مع تدخل خارجي. عندها، قد تتحول القوة التي يُراد بها إضعافهم عسكرياً إلى فرصة لترميم خطابهم وتعبئة أنصارهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





