ساعة واحدة
اغتيال خامنئي دق ناقوس الخطر.. هكذا باتت كاميرات المراقبة سلاح تجسس
الإثنين، 8 يونيو 2026

أثار اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران مخاوف أمنية داخل روسيا دفعت أجهزة الأمن إلى إيقاف أجزاء من نظام مراقبة خاص يحمي الرئيس فلاديمير بوتين وأقرب مساعديه، وفقاً لما قاله شخصان مطلعان على الأمر لصحيفة "فاينانشيال تايمز".
وقال أحد المصدرين إن نظاماً منفصلاً عن الانترنت يضم نحو 300 ألف كاميرا لمراقبة سكان موسكو لم يُعَد تشغيله إلا بعد أن فحصه مهندسون بشكل كامل سعياً إلى عزله تماماً عن الإنترنت.
وجاءت هذه الإجراءات الاستثنائية بعدما تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من جمع كميات هائلة من اللقطات المصورة من كاميرات المرور الإيرانية، ما ساعدها على تحديد الموقع والتوقيت الدقيقين لاجتماع عُقد في 28 فبراير الماضي بين خامنئي وأقرب مساعديه.
ولقي عدد من كبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين حتفهم في الضربة الافتتاحية للحرب المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وشكّل اغتيال القادة الإيرانيين دليلاً لافتاً على قفزة تكنولوجية ناشئة تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل ملايين الساعات من تسجيلات الفيديو المجمعة من آلاف الكاميرات، بهدف العثور على أهداف ومراقبتها.
وذكرت "فاينانشيال تايمز" أن دميتري بيسكوف، المتحدث باسم بوتين، لم يرد على طلب للتعليق. لكن مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي FSB، ألكسندر بورتنيكوف، حذر الأسبوع الماضي رؤساء الأجهزة الأمنية الإقليمية من أن منظومة المراقبة الواسعة في روسيا تحولت إلى نقطة ضعف، إذ باتت الأدوات التي يستخدمها النظام لمراقبة مواطنيه قابلة للاستغلال من قبل خصومه.
ونقلت وكالات أنباء روسية عن بورتنيكوف، نهاية الشهر الماضي، قوله: "القضاء الأخير على مسؤولين إيرانيين كبار على يد التحالف الأميركي الإسرائيلي يمثل إشارة تحذير واضحة". وأضاف أن مواقع الضحايا جرى تحديدها جزئياً عبر "ثغرات" برمجية في أنظمة المراقبة المرئية بطهران.
ومنذ فترة طويلة تدرك الحكومات أن كاميرات المراقبة يمكن اختراقها بسهولة نسبية من قبل قراصنة محترفين أو أجهزة تجسس مثل وحدات الاستخبارات الإسرائيلية المختصة باعتراض الاتصالات والإشارات، غير أن التطورات التي شهدها الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة أتاحت القدرة على تحديد أنماط وسلوكيات محددة داخل الكم الهائل من البيانات البصرية المتاحة.
واستفاد ضباط الاستخبارات الإسرائيليون من هذه التطورات لرسم خريطة دقيقة للجغرافيا المعقدة لطهران، ورصد أنماط تحركات الحراس الشخصيين للمسؤولين الكبار، وعزل الأهداف المطلوبة بكفاءة من بين ملايين الساعات المصورة التي التقطتها آلاف الكاميرات. كما دمجوا تلك المعلومات مع مصادر استخباراتية أخرى، بما في ذلك المعلومات البشرية.
وقال عدد من الأشخاص المطلعين على الجوانب الحسابية المعقدة لهذه التكنولوجيا إن القدرات البصرية للذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر قوة بشكل ملحوظ في عام 2023، ثم شهدت قفزة إضافية قبل نحو عام.
وتفوق هذه القدرات بمراحل ما يُعرف بخوارزميات التعلم الآلي المستخدمة في التعرف على الوجوه أو اكتشاف الأسلحة أو تتبع المركبات بحسب نوعها أو أرقام لوحاتها.
وعلى خلاف الأدوات الأقدم التي كانت تقتصر على بضعة عشرات من عمليات البحث المحددة مسبقاً، تتيح الأدوات الجديدة نطاقاً شبه غير محدود من الاستفسارات عبر استخدام البحث اللغوي داخل مقاطع الفيديو.
ويعني ذلك أن ضباط الاستخبارات باتوا قادرين على فحص تدفقات ضخمة من التسجيلات باستخدام أوامر بسيطة، مثل "رجلان يتبادلان حقيبة"، أو "شخص غيّر مظهره أو ملابسه عدة مرات خلال يوم واحد"، أو "مركبة أُعيد طلاؤها حديثاً"، أو "سيارة مرت بالنقطة نفسها مرات عدة خلال فترة قصيرة".
وقال مسؤول أوروبي تستخدم بلاده هذه التكنولوجيا في مدنها: "هذا هو الحلم المنشود في عالم المراقبة". وأضاف: "أصبح بإمكاننا البحث عن السلوكيات وليس الأشياء، ما فتح عالماً جديداً من الإمكانات".
ولفتت "فاينانشيال تايمز" إلى أنها أجرت مقابلات مع نحو 12 شخصاً، بينهم مسؤولون حاليون وسابقون في أجهزة الاستخبارات ومسؤولون أمنيون كبار في أربع دول، كشفت عن حالة من القلق إزاء هذه القدرات الجديدة. فهي تحول فعلياً مليارات الدولارات التي أُنفقت على أنظمة كاميرات المراقبة المغلقة، ولا سيما كاميرات المرور، إلى نافذة يمكن للخصوم من خلالها فحص مدن كاملة ومنشآت حساسة واستخراج الأنماط والأسرار على نطاق صناعي.
وبمجرد تحديد شخص مستهدف، تستطيع هذه الأنظمة بسرعة بناء ملفات تفصيلية عن أنشطته تمتد لأشهر، بما يسمح بإعادة تكوين أنماط حياته وكذلك أنماط حياة الأشخاص الذين يتعامل معهم.
كما يمكن لهذه الأنظمة دمج معلومات مستمدة ليس فقط من كاميرات المراقبة، بل أيضاً من وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات المخترقة والأصوات الملتقطة عبر ميكروفونات الأجهزة الذكية وسجلات السفر.
وقال ماتان جولدنر، الرئيس التنفيذي لشركة "كونتور" الناشئة ومقرها تل أبيب والتي تضم 15 موظفاً، ومن بين عملائها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ووزارة الشؤون الداخلية في سنغافورة: "بعبارة بسيطة، هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يمكننا فيها التواصل لغوياً مع الحواسيب بشأن ما تراه".
وأضاف: "القدرة على مراقبة مصادر الخصوم ليست جديدة أو فريدة، لكن القدرة على العثور على اللحظة الدقيقة المطلوبة عبر آلاف الساعات وآلاف مصادر البث هي أمر جديد للغاية في عالمنا".
وأثار احتمال أن تنقلب أنظمة المراقبة الوطنية بهذه الكفاءة ضد أصحابها قلق أجهزة مكافحة التجسس حول العالم.
وكان رد الفعل الأول لهذه الأجهزة محاولة سد الثغرات في أنظمة الكاميرات نفسها، وهي مهمة شديدة الصعوبة بسبب تعدد الأجيال والتقنيات المختلفة التي تتكون منها شبكات المراقبة الحديثة.
وفي الهند، حددت الحكومة 1 أبريل موعداً نهائياً لحظر الكاميرات الصينية في البلاد، وذلك بعد شهر من تقرير نشرته "فاينانشال تايمز" حول الاختراق الإسرائيلي لنظام الكاميرات في طهران.
وبحسب أشخاص مطلعين على الأمر، تمكن الإيرانيون بدورهم من اختراق كاميرات أمنية داخل إسرائيل، إلا أن محدودية قدرتهم على معالجة التدفق المستمر للصور قللت من القيمة العملياتية لهذه الاختراقات.
وكانت لدى روسيا بالفعل مخاوف كبيرة بشأن سلامة بوتين الشخصية، خصوصاً من أجهزة الاستخبارات الأوكرانية التي نجحت في اختراق كاميرات المرور الروسية. كما استخدمت بيانات تحديد مواقع الهواتف المحمولة للمساعدة في تنفيذ عمليات اغتيال استهدفت مسؤولين عسكريين روساً كباراً في قلب موسكو.
ورغم الاحتياطات الروسية، قال قرصان إلكتروني أوكراني مستقل لـ"فاينانشال تايمز" إن الكاميرات في موسكو وحتى في محيط الكرملين "لا تزال تعمل وتتعرض للاختراق بشكل منتظم"، لكنه رفض الإفصاح عما إذا كانت أوكرانيا تمتلك القدرة على تحليل هذه البيانات على نطاق واسع.
وسبق أن قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتان تمتلكان مثل هذه الأدوات، معلومات استهداف دقيقة للقوات الأوكرانية، بما في ذلك بيانات استخباراتية مستندة إلى صور عالية الدقة التقطتها طائرات مسيرة للمراقبة.
كما بدأت الصين في توظيف هذه التكنولوجيا لتعزيز قدراتها الرقابية. وكانت "فاينانشال تايمز" قد كشفت بيانات مشتريات تظهر استثمار بكين في أجيال جديدة من الكاميرات والبرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والقادرة على تفسير المشاهد وتحديد الأنماط السلوكية واسترجاع التسجيلات عبر أوامر مكتوبة.
لكن هذه التطورات تمنح أيضاً منافسي الصين فرصاً أكبر للتسلل بكفاءة إلى داخل حدودها. وقال مسؤول أمني في إحدى دول تحالف "العيون الخمس" الاستخباراتي: "هم الذين يثبتون الكاميرات، وكل ما علينا فعله هو إيجاد طريقة للدخول. وهناك دائماً طريقة للدخول".
وأوضحت الصحيفة أن أقدم نسخة عملية من هذه الأدوات التحليلية تمكنت من تتبعها تعود إلى نحو عام 2023، وهو التوقيت نفسه الذي بدأت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية بإنتاج مقاطع فيديو انطلاقاً من أوامر نصية.
وأدى توظيف التقنية المعاكسة، أي استخدام النصوص للبحث داخل مقاطع الفيديو، إلى تعزيز القدرة على التنقيب في كميات هائلة من البيانات التي تجمعها الكاميرات المنتشرة في كل جوانب الحياة الحديثة.
وخلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران في ديسمبر 2025، ركبت السلطات كاميرات جديدة لمراقبة الحشود، بحسب شخص مطلع على التطورات.
وقال مسؤول إقليمي مطلع إن إسرائيل تمكنت من اختراق هذه التدفقات المصورة الجديدة بشكل مباشر، ما وفر معلومات قيّمة حول أعضاء قوات "الباسيج"، وهي قوة شبه عسكرية يعتمد عليها النظام في حفظ الأمن.
وفي مارس، عندما أقامت قوات "الباسيج" نقاط تفتيش خلال الحرب، استطاعت إسرائيل التعرف عليها، رغم أن كثيراً من أفرادها توقفوا عن ارتداء السترات المموهة المميزة لهم، وإن لم تكن رسمية.
وقال شخص مطلع على العملية إن ذلك أصبح ممكناً عبر دمج البيانات المُجمعة من كاميرات السيارات وكاميرات المرور وأرقام تسجيل المركبات وأنماط الحركة عند نقاط التفتيش التي رصدتها الطائرات المُسيرة.
وتبيع شركة "إيريس" الأميركية، مقرها واشنطن وتضم عناصر سابقين في الاستخبارات الإسرائيلية، نظاماً قادراً على تحديد الأشخاص الذين يظهرون سلوكيات مشابهة للمهربين أو أعضاء عصابات المخدرات ثم تتبعهم، مثل حمل حقائب نايلون كبيرة ليلاً أو وجود رجال مسلحين يحملون شارات أو وشوماً محددة.
وقال روتيم أبيلس، أحد مؤسسي الشركة، إن توظيف الذكاء الاصطناعي عبر مصادر البيانات المختلفة، بما في ذلك المعلومات المستقاة من وسائل التواصل الاجتماعي، "اختصر الزمن اللازم لإنجاز هذا النوع من العمل من أيام إلى دقائق". وأضاف: "هذا هو حجم التحسن الذي نتحدث عنه".
ومع ذلك، فإن هذه التقنيات ليست معصومة من الخطأ. فالدول التي تعتمد الذكاء الاصطناعي في المراقبة تواجه خصوماً، خصوصاً من الجهات غير الحكومية مثل "حزب الله" و"حماس"، يستخدمون وسائل منخفضة التقنية مثل الرسائل المكتوبة بخط اليد وخطوط الهاتف التناظرية القديمة.
وخلال الحرب في غزة، فشلت أكثر أنظمة إسرائيل تطوراً في مجال "الاعتراض والمراقبة والاستطلاع" في تحديد مكان زعيم "حماس" يحيى السنوار، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس هجمات 7 أكتوبر 2023. وسخرت إسرائيل وحلفاؤها موارد ضخمة للعثور عليه، بما في ذلك استخدام تقنية "تحليل طريقة المشي" لمحاولة تمييز خطواته الطويلة وسط الحشود.
لكن إسرائيل قتلت السنوار في أكتوبر 2024، في ما وصفه الجيش الإسرائيلي بأنه مصادفة ميدانية.
Loading ads...
وفي لحظاته الأخيرة، التي التقطتها طائرة مُسيرة لم تتعرف عليه، كان يرتدي نظارات ووشاحاً ملفوفاً بإحكام أخفى أذنيه، في مثال على كيف يمكن لوسائل بسيطة ومنخفضة التقنية أن تربك أكثر أنظمة المطاردة التكنولوجية تطوراً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




