في ملف العدالة تخدم السلطة السورية سيدين هما المحاسبة والسلم الأهلي. وقد صرّح مسؤولوها مراراً أنهم يقدّمون الأخير على الأول. غير أن التحركات التي شهدتها مناطق عدة من البلاد أخيراً، احتجاجاً على بطء مسار العدالة وغموضه، قرعت ناقوس الخطر، فدفعت الجهات الأمنية والقضائية إلى زيادة نشر أخبار الإمساك بمجرمين كبار ومحاكمة بعضهم.
ما حدث هو أن مناطق من حاضنة الثورة انتفضت ضد عودة بعض أبنائها، من الشبيحة والمخبرين (العواينية)، للسكن فيها على مرأى يومي من المتأذّين منهم ومن ذوي ضحاياهم، وكأن صفحة الماضي طويت على غفلة وبيد مجهول. وفي المسار العام اقتصرت مطالب المحتجين على منع المتورطين من السكن في المدينة أو البلدة أو القرية، وحث السلطات على محاسبتهم قبل أن تتولى ذلك الرؤوس الحامية.
إلى هذا الحد تبدو الأمور تحت السيطرة. وهي تكسر صورة نمطية سادت كثيراً، في السنة الماضية، عن تواطؤ الثوار مع أقاربهم أو أبناء بيئاتهم، المتورطين في الدم، وتوجيه حقدهم بطريقة طائفية تشمل، على الضفة الأخرى، كل من تورّط أو أيّد أو صمت أو حتى عارض على نطاق ضيق غير شهير. ولولا أن انتفاضة السكان تحولت إلى إحراق مطعم في تدمر، وقتل رجل في ريف إدلب، والتهديد بتطور الأمور إلى صدام سنّي علوي في برزة بدمشق؛ لما انطلقت كل هذه الأصوات الحكيمة من ممثلي الحكومة بوزاراتها المختلفة وإعلامييها ومؤثريها المقربين.
لا تمتلك السلطة رفاهية التصرف بهذا التراخي بل عليها أن تقدّم مشهداً مقنعاً في مسائل العدالة يجمع بين الالتزام بالقوانين المرعية وبالمحاكم العادلة وبحقوق الإنسان
والحال أن السلطة، على الرغم من اهتمامها البصري العالي، لم تراعِ حاجة من سُحقوا إلى «شفاء الصدور» بعد ما عانوه وشهدوه لسنوات. فوجّهت إعلامها الرسمي والرديف إلى تغطية الاحتفالات، والألعاب النارية، ومؤتمرات الاستثمار، والترويح الرياضي، سيراً مع خطها العام المتعجل لفتح صفحة جديدة من «استعادة سوريا دورها الريادي في المنطقة»، وكأنها خارجة من كارثة طبيعية أو كبوة حضارية غافلة.
والحال أن ما حدث في السنوات المديدة الماضية كان «ثورة» لا يمكن طيّ كتابها من دون «عنف ثوري» بإحدى السبل. نعم، يصرّ الحكم الحالي على احتكار العنف ليستوفي اشتراطات «الدولة»، لكنه يستخدم القوة لتثبيت أركانه ضد معارضيه من جماعات وأفراد. ولا يريد من الثورة غير أن تسلّمه أوراق الاعتماد ثم تنصرف راشدة، رغم أن الرشد ليس من أبرز صفات الثورات على العموم. نعم، تتحلى به الدول المستقرة من دون شك، لكن الدولة الآتية بعد ثورة، والمستندة إليها في شرعية حكمها، وخاصة بعد كل المشاهد المريعة التي عاشها سوريون؛ لا تمتلك رفاهية التصرف بهذا التراخي. بل عليها أن تقدّم مشهداً مقنعاً في مسائل العدالة يجمع بين الالتزام بالقوانين المرعية وبالمحاكم العادلة وبحقوق الإنسان (المنتهِك)، وبين الاستجابة لتطلعات البشر (المنتهَكين) في حزم الإجراءات وسرعتها وصرامتها والوصول إلى تنفيذها.
على السلطة أن تخصص جزءاً من جهدها للمشهد في مسائل العدالة، وذلك على صراط رفيع لا يخالف القانون ولا ينتهك كرامة أحد أياً كان.
والواقع أن ما قدّمته هذه السلطة، في ملف ملاحقة المجرمين، يقتصر على صور العشرات منهم بلباس السجن المخطط، وهو ما بهتت فعاليته مع التكرار، ومع اختفاء أخبارهم بعدها، في أجواء شفوية قد لا تكون عادلة، من الشك في أنهم ربما قد خرجوا عبر «تسوية» خفية. أما المحاكمات التي تجري فقد بدأت متأخرة أكثر من اللازم، غضّة الخبرة، قليلة الهيبة، تفتقر إلى الحزم على الرغم من «خطابها الثوري» الذي يبدو حماسياً وليس في موضعه.
شاءت الأقدار أن يتزامن اختراع طبيب فرنسي للمقصلة، كوسيلة إعدام جنائية، مع انطلاق الثورة المفتاحية في بلاده والتي استخدمتها بكثافة حتى ارتبط الطرفان. وفي العام 1977 كان آخر استعمال لهذه الآلة ثم عدّت وحشية مع تطور حقوق الإنسان وتقييد مشاهد العنف والثأر الجماعي. غير أن الأمر لا يتعلق بوسيلة محددة، مريعة بالفعل، بل بارتباط أعمق بين الثورة والحسم على ما يبدو.
في سوريا الراهنة يتفق الجميع، ظاهرياً على الأقل، على الاحتكام إلى القانون لتكون له الكلمة الفصل. وإلا فإن ما خرجت الاحتجاجات، المشار إليها أعلاه، للمطالبة به في محاسبة المنتهكين لن ينتظر إلى الأبد. ومن المعروف أن أعمال القتل خارج إطار القانون بدأت في بعض المناطق، على أيدي «مجهولين»، إثر وقت قصير على سقوط النظام وحتى الآن. لا يكلف هؤلاء أنفسهم عناء الاحتجاج ولا يُلزمونها بما تطالب به السلطة من «الثقة بالدولة»، بل يكتفون باستخدام «قشرة الموز» علامة ساخرة على الطريقة التي يحصلون بها على «الحق» والباطل. وكيلا يقتنع آخرون بهذه الطريقة الفردية/ المجموعاتية في تنفيذ «القصاص»؛ على السلطة أن تخصص جزءاً من جهدها للمشهد في مسائل العدالة، لا لتعزيز إجراءاتها القضائية الناقصة فقط، وذلك على صراط رفيع لا يخالف القانون ولا ينتهك كرامة أحد أياً كان.
Loading ads...
ليست هناك خيارات أحادية في الشأن السوري الحالي. وربما لا يتطلب الأمر حلولاً «إبداعية» بل مركبة تراعي التناقضات. تلك مهمة ليست سهلة لكنها ممكنة بتلمّس الحساسيات المختلفة للجماعات السورية، الأهلية والسياسية، وتقديرها. لا التعامل مع السكان بوصفهم رعايا عليهم السمع والطاعة مقابل كلام معسول يحضُر عندما تعلو «ترنداتهم» ثم يُحالون إلى الإهمال ريثما يصرخون من جديد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
شهوة المقصلة
منذ 2 ساعات
0

