30 دقائق
سموتريتش وهندسة الضم.. كيف يعيد الاحتلال صياغة السيطرة على الضفة؟
الأحد، 27 سبتمبر 2026

يتمدد الاستيطان في الضفة الغربية، فيما ترسم مصادرة الأراضي واقعًا جديدًا على الأرض - غيتي
من تغيير قواعد ملكية الأراضي إلى اعتداءات المستوطنين ونزوح سكان المخيمات، تتتبع حلقة من "مهمة صحفية" أدوات توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ودور سموتريتش في دفع مشروع الضم.
قرارات تغيّر قواعد ملكية الأرض، واعتداءات تدفع السكان إلى الرحيل، وصلاحيات إسرائيلية تتجاوز مناطق "ج".
كيف تتكامل هذه الأدوات لفرض وقائع الضم في الضفة الغربية؟
لعقود، توسعت السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية عبر الاستيطان والمصادرة وإجراءات قانونية وإدارية، جرى بعضها بعيدًا عن الأضواء. لكن المشهد تغيّر خلال السنوات الأخيرة، إذ باتت خطط الضم تُعلن بصورة أكثر وضوحًا، بالتزامن مع تسارع الاستيطان ومصادرة الأراضي وتوسيع السيطرة المدنية والعسكرية.
يصف باحثون المشروع الاستيطاني بأنه "كرة نار متدحرجة" تسعى باستمرار إلى التوسع، عبر طرق التفافية تعيد رسم الجغرافيا، ومستوطنات وبؤر استيطانية تلتهم الأراضي الفلسطينية، وحواجز تتكاثر، وصلاحيات إسرائيلية تتمدد.
في حلقة "هندسة الضم.. مخطط إسرائيل للضفة"، يتتبع برنامج "مهمة صحفية" الذي يعرض عبر التلفزيون العربي ومنصّة العربي بلس، هذه التحولات، من القرارات القانونية والإدارية إلى شهادات سكان كفر مالك ومخيمات الشمال وسبسطية، حيث تتكشف آثار السيطرة على الأرض وحياة الفلسطينيين وفرص إقامة دولة قابلة للحياة.
بينما كانت غزة تحترق تحت النار، كانت خريطة جديدة تُرسم في الضفة الغربية: طرق ومستوطنات تقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، وقرارات تفتح سجلات أراضٍ ظلت سرية لعقود أمام الجمهور.
يقول مدير عام التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، إن الضفة تشهد "تسارعًا كبيرًا في عملية الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وفرض الوقائع"، في إطار المشروع الاستيطاني الاستعماري في الأراضي الفلسطينية.
يضيف أن تغلغل اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية دفع وتيرة الاستيطان إلى منحى أكثر خطورة، بعدما اعتبرت سلطات الاحتلال الحرب على غزة فرصة لإنفاذ أكبر قدر ممكن من مخططاتها في الضفة.
من جهته، يشير المحامي والخبير القانوني علاء محاجنة إلى أن الخطة أصبحت مركزية بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية أواخر عام 2022، ولا سيما مع تولي بتسلئيل سموتريتش وزارة المالية ومنحه صلاحيات تتصل بإدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية.
ويقول إن سموتريتش أجرى تغييرات قانونية وإدارية، وبدّل مسؤولين داخل الإدارة المدنية، بهدف تعزيز السيطرة الإسرائيلية على مناطق "ج" ومنع أي إمكانية مستقبلية لنقلها إلى الجانب الفلسطيني.
تعود أهداف السيطرة الإسرائيلية إلى عقود، لكنها باتت أكثر وضوحًا مع تنافس أحزاب إسرائيلية، بينها الليكود، على تعزيز الاستيطان وفرض السيادة والضم على مناطق "ج"، وفق محاجنة.
لا تنفصل سياسة السيطرة على الأرض، وفق الشهادات التي تعرضها حلقة "مهمة صحفية"، عن نهج يقوم على تسليح المستوطنين وتوسيع قدرتهم على التحرك، بما يدفع الفلسطينيين إلى ترك بيوتهم وأراضيهم.
ففي قرية كفر مالك شمال شرقي رام الله، استشهد ثلاثة شبان فلسطينيين مساء 25 يونيو/ حزيران 2025، خلال هجوم للمستوطنين تخلله إطلاق نار من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ووثّق باحث اجتماعي فلسطيني، رفض الظهور أمام الكاميرا خوفًا على أمنه الشخصي، تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم، إذ يقول إنه زار القرية في اليوم التالي، والتقى مسعفين واستمع إلى شهادات عن دخول المستوطنين وإحراقهم منازل وسيارات وممتلكات، قبل أن يتجمع الأهالي لمحاولة إنقاذ السكان المستهدفين.
بحسب روايته، تمكن الفلسطينيون من دفع المستوطنين خارج القرية، لكن الجيش كان بانتظارهم وبدأ بإطلاق النار عليهم، ما أدى إلى استشهاد شاب وإصابة آخرين. وبعد تراجع الأهالي، عاد الجيش إلى القرية، ولحق به المستوطنون واستكملوا إحراق المنازل والأشجار، فيما سُجلت إصابات أخرى واستشهد شابان آخران.
شاهد حلقة "مهمة صحفية" كاملة
هندسة الضم: مخطط إسرائيل للضفة الغربية
من كفر مالك إلى مخيمات الشمال وسبسطية.. يتتبع "مهمة صحفية" أدوات السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية
تركت الحادثة أثرًا عميقًا في القرية، التي كانت قد فقدت قبل يومين الفتى عمار حمايل، البالغ 13 عامًا.
تقول منتهى الريماوي، والدة الشهيد لطفي الطرشان، إن صوت الرصاص كان في تلك الليلة "مثل المطر"، مضيفة أن الحزن عمّ القرية بعد استشهاد أبنائها.
وفي منزل الشهيد لطفي، تستعيد عائلته أحلامًا لم تكتمل، بعدما كانت تأمل في أن يكبر أبناؤها وتبني لهم مستقبلًا آمنًا.
من جهته، يروي ماهر الناجي، والد الشهيد محمد الناجي، ما شاهده في موقع الحادثة، قائلًا إنه وجد أبناءه الثلاثة هناك؛ أُصيب ابنه الأصغر واستشهد ابنه الآخر. ويصف كيف أُطلقت النار على المواطنين، وكيف يتبع الجيش المستوطنين ويوفر لهم الحماية، وفق شهادته.
تتناول الحلقة أيضًا دعم المستوطنين وما يسمى "فتية التلال"، عبر تسليحهم وغياب المساءلة عن اعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم، إلى جانب العمل على شرعنة بؤر استيطانية تعتبر غير قانونية حتى وفق القانون الإسرائيلي.
تتخذ السيطرة على الأرض أدوات قانونية وعسكرية متزايدة. ففي مايو/ أيار 2025، أقر الكابينت الإسرائيلي التحضير لاستئناف إجراءات تسوية الأراضي في الضفة، ثم وافقت الحكومة في 15 فبراير/ شباط 2026 على آلية لتنفيذها في المنطقة "ج"، وسط تحذيرات من أن تقود إلى تسجيل مساحات واسعة باسم الدولة على حساب الملكيات الفلسطينية.
قبل ذلك، في 8 فبراير 2026، أقرّ الكابينت حزمة قرارات لتسهيل شراء الإسرائيليين الأراضي مباشرة، وإلغاء اشتراط تصريح لإتمام صفقات الشراء، وفتح سجلات الملكية أمام الجمهور.
يشير محاجنة إلى أن إسرائيل جمّدت، بعد احتلال الضفة عام 1967، إجراءات تسوية الأراضي التي كانت قائمة في العهد الأردني. ويرى أنها تعود اليوم إلى هذه الإجراءات لخدمة الاستيطان وتعزيز السيطرة على الأرض.
ولم تتوقف الإجراءات عند المنطقة "ج". فقد شملت قرارات فبراير 2026 توسيع صلاحيات الإنفاذ والرقابة الإسرائيلية في مناطق "أ" و"ب"، في مجالات تتصل بالآثار والبيئة والمياه.
في إجراء منفصل، أصدرت قوات الاحتلال في 7 مايو 2026 أمرًا بالاستيلاء على نحو 7.25 دونم من أراضي حي الجابريات داخل مدينة جنين، لأغراض عسكرية وإقامة أبراج مشرفة على المخيم. وتقع هذه الأراضي في المنطقة "أ"، التي يفترض، وفق اتفاقيات أوسلو، أن تخضع للسيطرة الفلسطينية مدنيًا وأمنيًا.
يرى محاجنة أن إقامة مواقع عسكرية داخل هذه المناطق تعزز السيطرة الإسرائيلية عليها وعلى محيطها، وتُضاف إلى التغييرات القانونية والإدارية التي يقودها سموتريتش.
خلال مايو نفسه، صدرت أوامر أخرى بالاستيلاء على أراضٍ في محافظة جنين، بينها أكثر من 61 دونمًا من قرية زبدة في 12 مايو، وأكثر من 22 دونمًا من أراضي بلدة قباطية في 17 من الشهر نفسه.
يعمّق توسيع الصلاحيات الإسرائيلية يعمّق السيطرة على أراضي الضفة الغربية - غيتي
في شمال الضفة الغربية، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى دمار واسع في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ونزوح عشرات الآلاف من الفلسطينيين خارج مخيماتهم.
من بين النازحين مريم سالم، التي تنحدر عائلتها من وادي الحوارث قرب طولكرم. هُجّرت العائلة عام 1948، واستقرت لاحقًا في مخيم طولكرم، قبل أن تضطر إلى مغادرته مجددًا.
تروي مريم أن قوات خاصة اقتحمت منزلها واستولت على طوابقه واحتجزت العائلة في غرفة نحو سبع ساعات. وتقول إن الخوف ترك آثاره على الأطفال، متحدثة عن حالات فقدان للنطق وتبول لاإرادي بسبب ما تعرضوا له.
كان منزلها، بحسب شهادتها، من أوائل المنازل التي هُدمت خلال اقتحام في فبراير. وعندما سُئلت عما تتمناه، أجابت بأنها تريد فقط أن يُعاد بناء المنزل لتجلس فيه عائلتها "ليوم واحد".
في بلدة سبسطية شمال غربي نابلس، امتدت المصادرة إلى الأراضي الزراعية والمواقع الأثرية. ويقول القائم بأعمال رئيس البلدية محمد غزال إن قوات الاحتلال بدأت بمصادرة مساحة تبلغ 1300 متر مربع في المنطقة الأثرية لإقامة برج عسكري للمراقبة، ثم تسلمت البلدية في فبراير 2026 قرارًا يستهدف نحو 2000 دونم، تشمل أجزاء من أراضي برقة وسبسطية.
كما أقامت قوات الاحتلال حاجزًا يعيق وصول المزارعين إلى أراضيهم، ما أدى إلى تعطيل حراثتها وجني محاصيلها.
يضيف غزال أن ما يحدث يتجاوز ما عرفته سبسطية قبل عام 2025، حين كانت المصادرات، وفق وصفه، تطال مساحات أصغر لأغراض عسكرية أو لشق طرق التفافية. ويرى في اتساع المساحات المستهدفة جزءًا من مخطط للتهجير، مؤكدًا تمسك السكان بأرضهم بالقول: "إما أن نموت هنا أو نعيش هنا".
ويضيف غزال أن ما يحدث يتجاوز ما عرفته سبسطية قبل 2025، حين كانت المصادرات محدودة لأغراض عسكرية أو لشق طرق التفافية. ويرى أن مصادرة 2000 دونم من أصل 5000 دونم تقريبًا من أراضي البلدة جزء من مخطط للتهجير، مؤكدًا تمسكهم بأرضهم بالقول:
"إما أن نموت هنا أو نعيش هنا".
طالت الإجراءات الإسرائيلية قطاع السياحة أيضًا. ويصف أحد السكان كيف جُرف محل تجاري عمره نحو 25 عامًا بالكامل، بينما كانت سبسطية تستقبل، بحسب تقديره، نحو 1500 زائر أسبوعيًا، قبل أن تتوقف الحركة السياحية التي اعتادها لنحو عامين مع إغلاق مداخل البلدة.
في مثال آخر على استخدام الأوامر العسكرية لخدمة الاستيطان، يتحدث محاجنة عن أمر بالاستيلاء على 230 دونمًا من الأراضي الزراعية لشق طريق استيطاني.
يقول إن الأهالي توجهوا إلى المحكمة، مستندين إلى سوابق تمنع استخدام الأوامر العسكرية لأهداف مدنية، لكن المحكمة العليا الإسرائيلية أجازت الإجراء، وربطت بين سلامة المستوطنين على الطرقات والمبررات العسكرية، وفق روايته.
الضم.. ماذا تبقى من الأرض؟
تُظهر الوقائع تآكل الحدود التي رسمتها اتفاقيات أوسلو بين مناطق "أ" و"ب" و"ج"، مع توسع أدوات السيطرة الإسرائيلية من المصادرة والاستيطان إلى الأوامر العسكرية وتغيير القواعد القانونية والإدارية.
وفي حين يحذر محاجنة من أن إسرائيل تنتظر ظروفًا مواتية لتنفيذ مزيد من التهجير، يؤكد سكان التقاهم فريق برنامج "مهمة صحفية" تمسكهم بأرضهم ورفضهم مغادرتها.
Loading ads...
تطرح هذه التحولات سؤالًا يتجاوز توقيت إعلان الضم إلى آثاره القائمة: ماذا يبقى من إمكان إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، مع استمرار مصادرة الأرض وتقطيع أوصالها؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





