21 أيام
أزمة خدمات في عفرين بعد الدمج الإداري.. رواتب متأخرة ونفايات تتكدس
الأربعاء، 4 مارس 2026
تواجه مدينة عفرين وعموم مناطق ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي أزمة خدمية متفاقمة، تتقاطع فيها العوامل الإدارية والمالية مع التحولات التي طرأت على بنية الإدارة المحلية بعد قرار الدمج الإداري والخدمي، الذي أُقر في بداية الربع الأخير من العام 2025، فمنذ إلحاق المناطق التي كانت تعرف سابقاً بمناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون" مباشرة بمجلس محافظة حلب، بدأت ملامح اختلال واضح في انتظام الخدمات العامة، كان أبرز تجلياته انقطاع الرواتب وتأخرها لأشهر، ما انعكس بشلل شبه كامل في قطاعات حيوية، على رأسها النظافة والمياه.
القرار الذي قدم بوصفه خطوة تنظيمية لتوحيد المرجعيات الإدارية، وتعزيز مركزية القرار الخدمي، كشف في الواقع عن فجوات إدارية وتمويلية عميقة، فالمجالس المحلية التي خضعت لسلسلة تعديلات بعد الدمج، جرى تقليص صلاحياتها التنفيذية والمالية، من دون أن يقترن ذلك بآليات واضحة تضمن استقرار الرواتب أو تدفق الميزانيات التشغيلية، وبذلك، تحولت البلديات التي أصبح اسمها "مكاتب تنفيذية" إلى هياكل إدارية محدودة الصلاحيات، تتحمل مسؤوليات يومية من دون موارد كافية.
عفرين تغرق في القمامة
في منتصف شهر شباط/فبراير الماضي، دخل أكثر من مئة عامل نظافة في بلدية عفرين في إضراب مفتوح عن العمل، احتجاجاً على عدم صرف رواتبهم المتأخرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، فالقرار لم يكن رمزياً، بل حمل أثراً فورياً على المشهد اليومي للمدينة، إذ توقفت عمليات جمع وترحيل القمامة، لتبدأ أكوام النفايات بالتكدس في الشوارع والأحياء السكنية.
الإضراب جاء مع حلول شهر رمضان، حيث تتزايد المصاريف المعيشية للأسر، وبحسب شهادات عدد من العمال الذين التقى بهم موقع تلفزيون سوريا، فإن الانقطاع الطويل للرواتب دفع كثيرين منهم إلى الاستدانة لتأمين احتياجات أسرهم الأساسية، من مواد غذائية وأدوية وإيجارات، بعضهم أشار إلى أن العمل في قطاع النظافة يعد مصدر الدخل الوحيد لأسرته، ما جعل الأزمة تتحول من مشكلة إدارية إلى تهديد مباشر لاستقرار أسرهم.
تراكم القمامة لم يكن مجرد مشهد بصري مزعج، بل حمل مخاطر صحية وبيئية واضحة، في مدينة تعاني أصلاً من تهالك كبير في البنية التحتية، ورداءة الطرق، وانتشار التعديات والمخالفات على الأرصفة، كما توقفت عمليات نقل النفايات إلى المطمر خارج المدينة، ما ضاعف حجم المشكلة.
قال مدير المكتب الإعلامي في إدارة منطقة عفرين، زانا خليل، لموقع تلفزيون سوريا، إن رواتب عمال المجلس البلدي باتت تصرف من وزارة الإدارة المحلية، إلا أن عملية الدمج الإداري مع مجلس محافظة حلب أبقت عدة إشكالات عالقة، انعكست تأخراً في صرف رواتب بعض القطاعات الخدمية، ومنها عمال البلدية، وأشار إلى أن فعاليات شعبية في المدينة تحاول جمع تبرعات مالية لمساندة العمال وتمكينهم من العودة إلى أعمالهم مؤقتاً، إلى حين استئناف عمليات الصرف الرسمية.
وتبدو هذه المبادرات، برغم أهميتها، مجرد حلول إسعافية لا تعالج أصل المشكلة المرتبطة بغياب انتظام التمويل، وبتداخل الصلاحيات بين المركز الإداري الجديد والبلديات التي فقدت استقلاليتها السابقة، وغياب الميزانيات المالية التي تمكن تلك الإدارات المحلية من القيام بأعمالها وتقدم الخدمات والرواتب بانتظام.
عفرين بلا مياه شرب
تعاني مدينة عفرين من توقف ضخ مياه الشرب عبر الشبكة، إذ تعتمد عفرين واعزاز أيضاً على بحيرة ميدانكي كمصدر رئيسي للتغذية المائية، وكان الضخ قد توقف قبل أسابيع والمبرر أن مياه البحيرة التي استقبلت كميات كبيرة من المياه بعد موسم الأمطار فباتت المياه غير صافية ولا تصلح في الوقت الحالي للشرب، هذا الانقطاع لم يعد حالة طارئة عابرة، بل تحول إلى أزمة يومية ترهق الأهالي، وتدفعهم إلى اللجوء إلى صهاريج المياه الخاصة، التي ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، ما شكل عبئاً إضافياً على الأسر في ظل أوضاع معيشية صعبة.
الأهالي يؤكدون أن شراء المياه بات بنداً ثابتاً في مصروفهم الشهري، في وقت يفترض أن تكون فيه الخدمة مؤمّنة عبر الشبكة العامة، ومع الانقطاع، تتكرر مشاهد انتظار الصهاريج في الأحياء، وسط تفاوت في الأسعار وجودة المياه، وغياب رقابة فعلية تضبط "سوق المياه" إن صح التعبير.
الناشط الإعلامي أحمد البرهو أوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن شركة الكهرباء في عفرين تتولى تحصيل فواتير مياه الشرب من المنازل، مقابل عمولة محددة، بينما يحول المبلغ المتبقي إلى صندوق البلدية، غير أن هذا الصندوق، بحسب البرهو، لم يعد قادراً على التصرف بإيراداته بحرية بعد عملية دمج المؤسسات وربطها إدارياً بمحافظة حلب، إذ بات الصرف مشروطاً بموافقات مركزية.
يضيف البرهو، إذا افترضنا أن نحو 20 ألف منزل يسددون شهرياً فاتورة مياه بمتوسط 150 ليرة تركية، (أهالي عفرين والمنطقة عموماً ما يزالون يتعاملون بالليرة التركية) فإن مجموع الإيرادات الشهرية يصل إلى ثلاثة ملايين ليرة تركية، وباحتساب سعر صرف تقريبي قدره 44 ليرة للدولار الواحد، فإن الرقم يتجاوز 68 ألف دولار شهرياً، وهو مبلغ مرشح للزيادة إذا كان عدد المنازل الفعلي أكبر من التقدير المذكور.
حتى مع اقتطاع عمولة شركة الكهرباء، يرى البرهو أن المبلغ المتبقي، في حال إدارته محلياً، يكفي لتغطية رواتب موظفي البلدية وقطاع المياه، وتسديد تكاليف الكهرباء الخاصة بالمضخات، لا سيما أن بعض المحطات مزودة بألواح طاقة شمسية يمكن أن تخفف من كلفة التشغيل في أوقات سطوع الشمس، كما يمكن أن يسهم الفائض في تمويل أعمال الصيانة الدورية، ودعم قطاع النظافة، والمساهمة في إصلاح الطرق والبنية التحتية داخل المدينة.
تدني مستوى الخدمات بعد الدمج
أزمة الرواتب لا تقتصر على عفرين وحدها، بل تمتد إلى معظم المناطق التي كانت تدار عبر مجالس محلية تأسست بعد عام 2017، عقب دخول الجيش التركي وإطلاق عمليتي "درع الفرات" ثم "غصن الزيتون"، ففي مدينة مارع شمالي حلب، شهدت مؤسسة المياه إضراباً لعمالها لعدة أيام مطلع عام 2026، ما أدى إلى توقف ضخ مياه الشرب عن السكان، في خطوة احتجاجية للضغط على الجهات المعنية لتسليم الرواتب المتأخرة.
الحال ذاته تكرر في مارع وصوران ومدن وبلدات أخرى، حيث تأثر عمال وموظفو البلديات بشكل مباشر بقرار الدمج، بعدما جرى تحويل المجالس المحلية إلى بلديات صغيرة بصلاحيات أقل، ومن دون ميزانيات تشغيلية كافية، ووفق مصادر محلية بريف حلب، فإن البلديات الجديدة باتت تعتمد كلياً على تحويلات مركزية غير منتظمة، ما أعاق قدرتها على تنفيذ أعمال الصيانة الدورية أو الاستجابة للأعطال الطارئة في شبكات المياه والكهرباء والطرق.
هذا التحول الإداري أوجد فجوة بين حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق البلديات، وبين الأدوات المتاحة لها، فالمواطن الذي لا يعنيه الجدل الإداري، يجد نفسه أمام تراجع ملموس في جودة الخدمات، وانقطاع مياه، وتأخر في جمع القمامة، وأعطال لا تجد طريقها إلى الإصلاح، ومؤسسات خدمية تعمل بأدنى طاقتها التشغيلية، وتبدو أزمة الرواتب عنواناً لخلل أوسع في منظومة الإدارة المحلية بعد الدمج، وبين مركزية القرار وضعف الموارد المحلية، تضيع الأولويات الخدمية، ويتحول العامل البسيط إلى الحلقة الأضعف في معادلة معقدة.
تفتح أزمة الخدمات في عفرين الباب أمام نقاش أوسع حول نموذج الإدارة المعتمد ما بعد الدمج، تقول مصادر محلية في ريف حلب لموقع تلفزيون سوريا، كانت تجربة المجالس في الشمال السوري، رغم ما شابها من نواقص، تتيح هامشاً أكبر من المرونة في إدارة الموارد المحلية وتوجيهها سريعاً إلى القطاعات الخدمية الأكثر إلحاحاً، ومع انتقال القرار المالي إلى مستوى مركزي، باتت البلديات عاجزة عن استخدام إيراداتها المباشرة من دون موافقات إدارية معقدة، ما أبطأ الاستجابة للأعطال الطارئة وأضعف القدرة على التخطيط طويل الأمد.
Loading ads...
ولا يمكن اختزال أزمة الخدمات في عفرين وبلدات ريف حلب بمسألة رواتب متأخرة فحسب، بل هي مؤشر مباشر على مدى قدرة البلديات بصيغتها الجديدة، أو ما يعرف بالمكاتب التنفيذية، على إدارة مواردها بكفاءة وضمان استدامة الخدمات الأساسية، فعندما تنقطع المياه وتتراكم النفايات، لا يبقى الخلل إدارياً على الورق، بل يتحول إلى معاناة يومية داخل كل منزل، وعليه، فإن التحدي المطروح لا يكمن في تبرير أسباب التأخير، بل في إقرار منظومة مالية واضحة وشفافة تضمن انتظام صرف الرواتب، وتمنح البلديات هامشاً فعلياً للتحرك السريع والاستجابة المباشرة لاحتياجات الأهالي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



