في خريف عام 2007، اشترى مستثمر أسهمًا أمريكية عند قمة السوق، مقتنعًا بأن الاقتصاد الأقوى في العالم سيواصل الصعود، لكن بعد أشهر قليلة، انهارت الأسواق خلال الأزمة المالية العالمية، وفقدت الأسهم أكثر من نصف قيمتها.
لم يكن السؤال حينها: "كم سأخسر؟"، بل "كم سأنتظر حتى أستعيد أموالي؟"، والإجابة كانت قاسية؛ إذ احتاج مؤشر "إس آند بي 500" إلى نحو خمس سنوات ليعود إلى قمته السابقة.
ورغم أن هذه المدة كانت طويلة لا شك، فإنها تبدو قصيرة مقارنة بما حدث عقب الكساد الكبير، حين احتاجت الأسهم الأمريكية نحو 25 عامًا لاستعادة مستوياتها السابقة.
أما اليوم، تبدو هذه المدد وكأنها تنتمي إلى عصر آخر، فمنذ عام 2018 تضاعفت القيمة السوقية للأسهم الأمريكية تقريبًا، وأصبحت فترات التصحيح التي كانت تستغرق سنوات لا تدوم في كثير من الأحيان سوى أسابيع أو حتى أيام، قبل أن تعود المؤشرات لتسجيل مستويات قياسية جديدة.
فكيف تحولت أكبر سوق مالية في العالم من سوق يحتاج سنوات لتعويض خسائره إلى ما يشبه آلة هائلة لتوليد القيمة؟ وهل يعكس ذلك تحولًا هيكليًا في الاقتصاد الأمريكي؟ أم أننا أمام دورة استثنائية قد لا تتكرر؟
كيف تطورت قيمة السوق؟
- بلغ إجمالي القيمة السوقية للأسهم الأمريكية 66 تريليون دولار أمريكي في الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ 30 تريليونًا في 2018، بزيادة سنوية قدرها 12.4%، وزيادة تراكمية تقارب 120%، بحسب جمعية صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية (SIFMA).
- بلغت القيمة السوقية العالمية للأسهم 126.7 تريليون دولار بنهاية عام 2024، ما جعل حصة الولايات المتحدة منها تُقارب 50% ارتفاعًا من نحو 40% في 2018.
- أيضًا أصبحت أمريكا موطنًا لـ 62 من أكبر 100 شركة في العالم خلال 2025، ما يُمثل 75% من القيمة الإجمالية لتلك الشركات، ارتفاعًا من 58 شركة في العام السابق.
- نسبة القيمة السوقية إلى الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، الذي يُقدر حاليًا بنحو 30 تريليون دولار، تتجاوز 220%، وهو مستوى يرتبط تاريخيًا بتقييمات مرتفعة.
- نما ربح السهم الواحد بمؤشر "إس آند بي 500" بمعدل سنوي قدره 11% خلال السنوات من 2010 إلى 2019، ومع ذلك، فإن الزيادة التراكمية لقيمة السوق في آخر 7 سنوات ربما تشير إلى أن ارتفاع مضاعف الربحية قد ساهم بشكل كبير في إجمالي العوائد.
نمو حجم سوق الأسهم الأمريكية
النسبة من قيمة السوق العالمية
(حتى نهاية الربع الأول)
- يعكس هذا التوسع مزيجًا من العوامل الهيكلية (عوامل مستدامة ومن غير المرجح أن تتغير في المدى القريب)، والعوامل الدورية (التي قد تتراجع مع استقرار الأوضاع الاقتصادية الكلية).
العوامل التي قادت السوق للارتفاع السريع
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا
محرك رئيسي للتقييم القوي
ربحية الأسهم وإعادة الشراء
بلغت عمليات إعادة شراء الأسهم السنوية تريليون دولار تقريبًا
تركيز أسهم الشركات الكبيرة
أكبر 10 شركات تمثل أكثر من 40% من مؤشر "إس آند بي 500"
انخفاض تكلفة رأس المال
طلب متزايد على أسهم الشركات العملاقة
البيئة الداعمة للابتكار وتدفقات رأس المال المغامر
يدعم عمليات الإدراج الجديدة
- تُعدّ ريادة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العامل الأهم، حيث ساهمت إعادة تقييم أسهم شركات التكنولوجيا، ولا سيما تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي وأشباه الموصلات والحوسبة السحابية، في تحقيق الجزء الأكبر من مكاسب المؤشرات منذ عام 2022.
- أدى تحسن ربحية الشركات، مدعومًا بعمليات إعادة شراء الأسهم التي بلغت رقمًا قياسيًا قدره 942.5 مليار دولار في عام 2024 (بزيادة 18.5% عن عام 2023)، إلى خفض عدد الأسهم بشكل منهجي ودعم نمو ربحية السهم.
- أيضًا أدى الاستثمار السلبي إلى خلق حلقة تغذية عكسية هيكلية، حيث تؤدي تدفقات الأموال إلى صناديق الأسهم المتداولة وصناديق المؤشرات إلى زيادة الطلب على أكبر مكوناتها.
- أفاد مسح رأس المال الدولي الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية أن حيازات الأجانب من الأسهم الأمريكية بلغت 16.878 تريليون دولار في يونيو 2024، مقارنةً بحوالي 8.156 تريليون دولار في عام 2018.
- بينما ساهم رأس المال الأجنبي بشكل ملحوظ، يبدو أن المحركات الرئيسية لتعزيز القيمة السوقية كانت محلية، فقد ارتفعت حيازات الأسر المباشرة وغير المباشرة من الأسهم بشكل كبير.
- أفاد 62% من الأمريكيين بامتلاكهم أسهمًا في عام 2025، وهو نفس مستوى عام 2024، لكن ذلك أكثر من المستويات المسجلة خلال الفترة 2010-2022، وفقًا لـ "غالوب".
- تؤكد الحسابات المالية "Z.1" الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي أن صافي ثروة الأسر زاد بمقدار 7.1 تريليون دولار في الربع الثاني من عام 2025 وحده، مدفوعًا بشكل أساسي بمكاسب الأسهم.
- تمثل عمليات إعادة شراء الشركات لأسهمها مصدرًا كبيرًا آخر للطلب، وبقيمة تقارب تريليون دولار سنويًا، تُضاهي عمليات إعادة الشراء في حجمها صافي التدفقات الأجنبية الداخلة.
- يُشكّل المستثمرون المؤسسيون، ولا سيما صناديق التقاعد وشركات التأمين التي تُحافظ على توزيعات استراتيجية للأصول، قاعدةً مستقرةً للطلب المحلي.
- تشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن الطفرة في القيمة السوقية لم تعتمد على التدفقات الأجنبية وحدها، بل ارتكزت بدرجة أكبر على طلب محلي مستدام، عززته ثروة الأسر وعمليات إعادة شراء الأسهم والاستثمارات المؤسسية طويلة الأجل.
ماذا تقول الأدلة التاريخية؟
- لا يخلو التوسع الحالي من أوجه تشابه تاريخية، ولكنه يتميّز بنطاقه وسرعته وخصائصه الهيكلية، فقد شهد السوق الصاعد (1982-2000) ارتفاع مؤشر "إس آند بي 500" بنحو 1400% على مدى 18 عامًا، مدفوعًا بانخفاض أسعار الفائدة والعولمة وثورة الحواسيب الشخصية.
- حقّقت السوق خلال فقاعة الإنترنت (1995-2000) مكاسب تُقارب 200% في خمس سنوات، مُركّزةً في أسهم التكنولوجيا، قبل أن تشهد انخفاضًا بنسبة 49%.
- حقّق السوق الصاعد الذي أعقب عام 2009 مكاسب تُقارب 400% على مدى 11 عامًا، مدعومًا بالتيسير الكمي ونمو عمليات إعادة شراء الأسهم من قِبل الشركات.
- فيما شهدت الدورة الحالية، بدءًا من أدنى مستوى لها في عام 2018 أو خط الأساس في عام 2019 وحتى الربع الأول من عام 2026، ارتفاعًا في القيمة السوقية الإجمالية بنسبة 120% تقريبًا خلال سبع سنوات.
- مع ذلك، وعلى عكس فقاعة الإنترنت، يرتكز التوسع الحالي على نمو حقيقي في الأرباح، والتي قفزت في الربع الأول من عام 2026 بنحو 21% على أساس سنوي، مع توقعات بارتفاع يتجاوز 23% للربع الثاني.
ماذا تغير في ديناميكيات التصحيح؟
- باستثناء انهيار جائحة "كوفيد 19"، شهدت الفترة التي تلت الأزمة المالية العالمية عام 2008 ديناميكيات تصحيح مميزة مقارنةً بالمعايير التاريخية.
- وفقًا لشركة "إنفيسكو"، يبلغ متوسط وقت التعافي من انخفاض بنسبة 5-10% حوالي ثلاثة أشهر، ومن تصحيح بنسبة 10-20% حوالي ثمانية أشهر.
- منذ عام 1950، شهد مؤشر "إس آند بي 500" ستة وثلاثين تصحيحًا بنسبة من رقمين، وعشرة أسواق هابطة (انخفاض بنسبة 20% من آخر قمة) على مدى 72 عامًا، كما ورد في كتاب "ثروة من الحس السليم".
- الفترة التي تلت عام 2008 شهدت تصحيحات أقل حدة في المتوسط وأسرع في التعافي، ويعزى هذا التسارع إلى عدة تغييرات هيكلية. أولًا؛ أدى الاستثمار السلبي والاستراتيجيات المنهجية إلى خلق طلب دائم.
- ثانيًا، تعمل عمليات إعادة شراء الأسهم من قبل الشركات كحد أدنى للسعر، إذ تميل الشركات إلى تسريع عمليات إعادة شراء الأسهم خلال فترات البيع المكثف.
- ثالثًا، أدت ديناميكيات سوق الخيارات، بما في ذلك نمو خيارات اليوم الصفري حتى تاريخ انتهاء الصلاحية، إلى تغيير أنماط التقلبات خلال اليوم.
- رابعًا، أدى ازدياد مشاركة المستثمرين الأفراد، بفضل التداول المجاني، إلى ظهور شريحة كبيرة من المستثمرين الذين يشترون عند انخفاض الأسعار.
- تشير الأدلة إلى أن هذا يمثل تحولًا هيكليًا عن السلوك التاريخي: فقد أصبحت التصحيحات أقصر والتعافي أسرع، مدفوعة بتغيرات في بنية السوق الدقيقة بدلًا من المرونة الاقتصادية الأساسية.
- تكشف البيانات عن أن السوق الأمريكي لم يتحول إلى آلة لتوليد القيمة بفعل عامل واحد، بل نتيجة تلاقي الابتكار، وربحية الشركات، وعمليات إعادة شراء الأسهم، والتدفقات الاستثمارية المستقرة، إلى جانب تغيرات هيكلية في بنية السوق جعلت التعافي من التصحيحات أسرع من أي وقت مضى.
- لكن هذه الآلة ليست محصنة؛ فالتقييمات المرتفعة والتركيز الكبير للمكاسب في عدد محدود من الشركات يفرضان قدرًا من الحذر، حتى وإن ظلت الأسس التي قادت هذا الصعود قائمة حتى الآن.
- ليبقى السؤال مفتوحًا: هل أعاد السوق الأمريكي كتابة قواعد تكوين الثروة، أم أن الدورات الاقتصادية ستفرض كلمتها في النهاية؟
Loading ads...
المصادر: أرقام- جمعية صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية- بيانات وزارة الخزانة الأمريكية- تقارير الاحتياطي الفيدرالي- ماركت ووتش- مؤشر بافت- برايس ووترهاوس كوبرز- آر بي سي ويلث مانجمنت- مسوحات غالوب- تقارير فاكت ست- بيانات إس آند بي جلوبال- كارنت ماركت فاليويشن- إنفستنج- روكفيلر كابيتال مانجمنت- ياهو فايننس- إنفيسكو- منصة "A wealth of commonsense"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





