7 أشهر
فوضى إداريّة وتنصّل من المسؤوليّة تعرقل طلاب كليّة الآداب في دير الزور
الجمعة، 7 نوفمبر 2025
انهمكت الطالبة هبة، التي اضطرت إلى ترك دراستها الجامعية بعد تهجيرها وعائلتها خلال سنوات الحرب، في التنقيب بين رفوف شؤون الطلاب في كلية الآداب بدير الزور، عن ملفها الجامعي القديم، مئات الملفات مكدّسة فوق بعضها، غطّاها الغبار حتى غابت عنها الأسماء والأرقام، في مشهدٍ يلخّص مأساة التعليم بعد أكثر من عقدٍ على الانقطاع.
أمام المكتب احتشد عشرات الطلاب ممن عادوا لاستئناف دراستهم الجامعية بعد توقف طويل، في محاولة لاستعادة حقّهم الطبيعي في العودة إلى مقاعد الدراسة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام متاهة بيروقراطية أشدّ تعقيدا من الغياب نفسه.
يقول عدد من الطلبة، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ يومهم الأوّل تحوّل إلى رحلة بحث شاقة عن الأضابير المفقودة، أو التي لم يعد من الممكن قراءة ما كُتب عليها، إذ يعكس المشهد حجم الفجوة بين قرارات السماح بالعودة وبين واقع التنفيذ على الأرض، حيث ما تزال الإدارات الجامعية تعمل بعقليّة إداريّة قديمة لا تواكب مرحلة ما بعد التحرير.
في المقابل، يسعى موظفو وموظفات شؤون الطلاب في الكلية إلى تخفيف ضغط التسجيل عن كاهلهم عبر إحالة بعض المهام إلى رئاسة الجامعة، خصوصاً ما يتعلق بالتحقّق من أسماء المقبولين، في محاولة لتوزيع المسؤولية أو ربما التهرّب منها. هذا التداخل في المهام بين الكلية والرئاسة أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد، لتصبح معاناة الطلاب أكثر من مجرد تأخير إداري.
تصف الطالبة هبة المشهد، لموقع تلفزيون سوريا، بقولها، إنها فوضى تملأ المكان، فبدلاً من نظام إداريّ واضح ومرن، وجدوا أنفسهم في مهمة بحث ذاتية عن ملفاتهم بين أكوام من الأوراق المكدسة، مضيفة "أخشى أن تضيع وثائقي كما ضاعت سنواتي".
وتلفت أنّ غياب التنظيم في حفظ الأضابير يثير مخاوف جدية من فقدان وثائق رسمية مصيرية، ما قد يهدّد مستقبل مئات الطلاب الأكاديمي.
بين الكلية ورئاسة الجامعة
في محاولة لتخفيف الضغط، لجأ موظفو شؤون الطلاب في كلية الآداب إلى حلّ مؤقت تمثل في توجيه الطلاب إلى رئاسة الجامعة للبحث عن أسمائهم في قوائم القبول، وهو إجراء يبدو للوهلة الأولى تنظيميا، لكنه عمليا زاد الازدحام والارتباك، وخلق دوامة من المراجعات المتبادلة بين الكليّة والرئاسة.
يقول الطالب محمود، وهو أحد العائدين لمتابعة دراسته، لموقع تلفزيون سوريا "اضطررت للذهاب من كلية الآداب الواقعة خارج حدود المدينة إلى رئاسة الجامعة في المركز، فقط للسؤال عن اسمي في قوائم القبول، مع أن هذه القوائم موجودة أصلاً لدى شؤون الطلاب في الكلية" ويضيف أنّ رحلته بين المقرين أشبه بـ"سلسلة إدارية بلا نهاية".
ورغم محاولات موقع تلفزيون سوريا التواصل مع إدارة كلية الآداب للحصول على تفسير رسمي لهذا التخبط، لم يتلقَ أي ردّ، في حين ألقى مكتب شؤون الطلاب في رئاسة الجامعة بالمسؤولية على الكلية.
تقول ياسمين النومان، الموظفة في رئاسة الجامعة، لموقع تلفزيون سوريا، لقد زودنا كلية الآداب بنسخة كاملة من قوائم الأسماء، والمشكلة ليست عندنا، الكلية ما زالت ترسل الطلاب للاستعلام بدلاً من إرسال أحد موظفيها عند الحاجة.
وتكشف أنّ رئاسة الجامعة خاطبت عميد الكلية بضرورة تكليف موظف من الكلية بالتنسيق المباشر مع الرئاسة عند وجود نقص أو خطأ في القوائم، لتجنّب إرهاق الطلاب وإرباك العملية الإدارية.
سلطة محدودة في مواجهة التسيّب
في خضم هذا التنازع البيروقراطي، يسعى عميد كلية الآداب لأن يكون في أقصى حالات التعاون مع الطلاب، ويحاول تذليل العقبات وتقديم المساعدة قدر المستطاع، بحسب عدد من الطلاب الذين لجؤوا إليه بعد تعسّر أمورهم لدى شؤون الطلبة، لكنهم يرون أن العميد، رغم مساعدته المستمرة، لا يمتلك سلطة كافية لضبط الأداء الإداري أو محاسبة الموظفين المتسيّبين.
هذه الملاحظة تسلّط الضوء على مشكلة أعمق تتعلق ببنية الإدارة الجامعية وسلطة المساءلة داخلها، حيث يبدو أن بعض الموظفين يعملون بمعزل عن التعليمات الرسمية.
يقول أحد موظفي الكلية (طلب عدم ذكر اسمه) إنّ بعض الموظفين يعاقبون مديريهم بأساليب غير مباشرة، كأن يأخذ أحدهم تقريراً طبياً للحصول على إجازة مرضية طويلة بهدف تعطيل العمل دون أن يعرّض نفسه للمساءلة.
ويضيف أنّ هذه الممارسات، وإن بدت فردية، تعكس غياب ثقافة العمل الجماعي وتفكك منظومة الرقابة الداخلية، ما يزيد من ترسّخ الفوضى في المؤسسات.
ثمن العودة الباهظ
ما يحدث في كلية الآداب ليس حالة استثنائية، بل نموذج مصغّر لما تعانيه مؤسسات حكومية كثيرة في مرحلة التعافي. فالتحديات البنيوية التي تواجه قطاع التعليم العالي في سوريا اليوم تتجاوز مسألة الأوراق المفقودة، لتصل إلى عمق العلاقة بين المواطن والمؤسسة العامة.
يقول أحد الطلاب العائدين حديثاً إلى مقاعد الدراسة: «الدولة تتخذ قرارات سياسية وإدارية لتشجيعنا على العودة، لكن الأجهزة التنفيذية على الأرض تفشل في ترجمة تلك القرارات إلى إجراءات عملية. نحن نعيش الفجوة بين القرار والتنفيذ». يضيف بأسفٍ أن "الثمن الحقيقي للعودة" لا يُدفع مالاً بل وقتاً وجهداً وانتظاراً، إذ يقف مئات الطلاب يومياً في طوابير الفوضى، يبحثون عن ملفاتهم بين الأضابير القديمة، عالقين في صراع إداري لا شأن لهم به.
هذه المعاناة اليومية لا تنحصر في دير الزور وحدها، فالمشهد يتكرر في جامعاتٍ أخرى أعادت فتح أبوابها بعد سنوات من الإغلاق، حيث تتضح هشاشة البنية الإدارية وضعف الكوادر المؤهلة للتعامل مع موجة العودة المفاجئة للطلاب. ومع غياب الأرشفة الرقمية واعتماد أساليب تقليدية في إدارة الملفات، تصبح كل معاملة روتينية معركةً صغيرة بين المواطن والمكتب.
التعليم كمدخل للتعافي
يطرح المشهد في كليّة الآداب بدير الزور تساؤلات حول مدى جدّية الكليّات في إعادة بناء الثقة مع الطلّاب، فبين القرارات التي تُعلَن من المستويات الأعلى، والواقع الذي يعيشه الطلاب أمام مكاتب الكليات، مساحة واسعة من الفوضى وسوء التنظيم ما زالت تعيق أيّ إصلاح فعلي.
ومع ذلك، فإن قصص الطلاب العائدين، مثل هبة ومحمود، تعبّر عن روح جديدة تسعى إلى استعادة التعليم بوصفه خطوة أولى نحو استعادة الحياة،
Loading ads...
يقول الأكاديمي حمزة عبد الرحمن، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ عودة مئات الشباب إلى مقاعدهم بعد أكثر من عقد من الغياب ليست حدثا إداريا فحسب، بل رسالة بأن الأمل لا يزال قائما، وأن الإرادة الفردية يمكن أن تكسر جدار البيروقراطية مهما كان عالياً، والأهم الآن هو تسهيل عودة الطلاب بعيدا عن التعقيدات الإداريّة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


