شهر واحد
هل تعيد الأمم المتحدة تعريف دورها أم تواصل إدارة العجز؟
الثلاثاء، 24 فبراير 2026
منذ اندلاع الثورة السورية، بدت الأمم المتحدة أمام اختبار وجودي حقيقي لمصداقيتها بوصفها المؤسسة الدولية المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين. لم تكن سوريا مجرد نزاع داخلي، بل كانت مرآة عاكسة لأزمة أعمق في النظام الدولي نفسه، حيث اصطدمت المبادئ المؤسسة للمنظمة بواقع سياسي تحكمه موازين القوى العظمى.
وبعد أكثر من عقد من الحرب، ومع سقوط نظام الأسد الديكتاتوري ودخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت الأمم المتحدة قد فشلت، بل ما الذي تكشفه التجربة السورية عن حدود فعاليتها، وما إذا كانت قادرة على استعادة دورها في المرحلة المقبلة.
منذ السنوات الأولى للثورة، اكتفت المنظمة بدور المراقب العاجز. ورغم التوثيق المبكر والواسع للانتهاكات بحق المدنيين، لم تستطع تحويل المعرفة إلى فعل، ولا الإدانة إلى حماية. تحولت المسارات السياسية التي رعتها إلى عملية تفاوضية مفتوحة بلا أفق، أقرب إلى إدارة زمن الصراع منها إلى إنهائه. لم يكن هذا العجز ناتجًا عن قصور فني أو نقص خبرات، بل عن غياب الإرادة السياسية داخل المنظومة الدولية نفسها، حيث باتت الأمم المتحدة أسيرة لتوازنات القوى الكبرى، لا إطارًا مستقلًا عنها.
إن استمرار اللجنة دون مراجعة لوظيفتها ودورها في المرحلة السورية الجديدة قد يعمّق الانطباع بأن المنظومة الأممية تميل إلى إدامة الأطر الإجرائية أكثر من سعيها لإحداث أثر سياسي أو قانوني ملموس.
في قلب هذا الإخفاق، برز مجلس الأمن باعتباره الحلقة الأكثر شللًا. فقد أدى الاستخدام المتكرر لحق النقض إلى تعطيل أي قرار فعّال، وحوّل المجلس من أداة لحفظ السلم إلى منصة لتصفية الحسابات الجيوسياسية. وبهذا، فقدت القرارات الدولية قيمتها الردعية، وتآكلت الشرعية التي يُفترض أن تستند إليها المنظمة في فرض التزاماتها.
ويُعد القرار 2254 مثالًا صارخًا على هذا الخلل البنيوي. فبرغم شموليته النظرية وتقديمه بوصفه مرجعية للحل السياسي، بقي لسنوات طويلة نصًا معلقًا بلا آليات تنفيذ واضحة أو جدول زمني ملزم. ومع تغير الوقائع الميدانية والسياسية، استمرت بعض المقاربات الأممية في التعامل معه كصيغة جامدة، في انفصال واضح عن الواقع السوري المتحوّل، وكأن تحديث الأدوات أو مراجعة المقاربات أمر مؤجل إلى ما لا نهاية.
أما على المستوى الإنساني، فقد لعبت الأمم المتحدة دورًا مزدوجًا لا يخلو من التناقض. فمن جهة، أسهمت في إيصال المساعدات إلى ملايين السوريين، ومن جهة أخرى، خضع هذا الدور لاعتبارات سياسية جعلت من الغذاء والدواء أدوات تفاوض غير مباشر. وبدل أن يكون العمل الإنساني وسيلة لتخفيف المعاناة، أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من إدارة الأزمة، لا عاملًا في إنهائها، ما أضعف مبدأ الحياد الذي يفترض أن يشكل جوهر العمل الإنساني الدولي.
ويبرز في هذا السياق دور لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، التي تحولت مع الوقت إلى أطول لجنة تحقيق في تاريخ الأمم المتحدة. فقد وثّقت اللجنة آلاف الانتهاكات الجسيمة، وأنتجت تقارير عالية المستوى من مقرها في جنيف، دون أن تتمكن من زيارة ميدانية مباشرة إلى داخل سوريا، بما في ذلك مناطق الشمال. ورغم القيمة القانونية والمعرفية لهذا التوثيق، بقي معزولًا عن أي مسار محاسبة فعلي، وتحول إلى أرشيف ضخم بلا استراتيجية واضحة لتوظيفه في ردع الجناة أو منع تكرار الجرائم. ومع سقوط النظام، تبيّن أن تراكم الأدلة، حين لا يُربط بإرادة سياسية وآليات قضائية واضحة، يفقد قدرته على إحداث التغيير.
وفي هذا الإطار، يأتي التجديد المرتقب لولاية اللجنة في مطلع آذار/مارس 2026 ليعيد طرح السؤال ذاته: ما جدوى استمرار آلية توثيق لا تملك أدوات تنفيذ أو إحالة قضائية مباشرة؟ فرغم أهمية حفظ الأدلة وضمان عدم ضياعها، يبقى التجديد إجراءً تقنيًا ما لم يُقرن بإرادة سياسية لتحويل التقارير إلى مسار محاسبة فعلي، سواء عبر آليات دولية أو وطنية. إن استمرار اللجنة دون مراجعة لوظيفتها ودورها في المرحلة السورية الجديدة قد يعمّق الانطباع بأن المنظومة الأممية تميل إلى إدامة الأطر الإجرائية أكثر من سعيها لإحداث أثر سياسي أو قانوني ملموس.
ولا يقتصر هذا المأزق على الحالة السورية. ففي ليبيا، أسهم تضارب المسارات الدولية وتعدد المبادرات الأممية في تعقيد الأزمة بدل حلها. وفي اليمن، تحولت العملية السياسية إلى إطار تفاوضي طويل بلا نتائج حاسمة، بينما استمرت الكلفة الإنسانية الباهظة. وفي غزة وأوكرانيا، بدا عجز الأمم المتحدة عن
فرض وقف دائم لإطلاق النار أو حماية المدنيين دليلًا إضافيًا على تآكل قدرتها على التأثير في النزاعات الكبرى، خصوصًا عندما تتداخل مصالح القوى العظمى بصورة مباشرة.
إن التجربة السورية لا ينبغي أن تُقرأ كفصل من الماضي، بل كاختبار مستمر لمستقبل النظام الدولي نفسه.
هذه الحالات مجتمعة تشير إلى أن أزمة الأمم المتحدة ليست أزمة ملفات منفردة، بل أزمة بنيوية. فالمؤسسة التي أُنشئت لضمان الأمن الجماعي باتت رهينة لآليات تعيق قدرتها على اتخاذ القرار، وعلى رأسها تركيبة مجلس الأمن وحق النقض. وبدل أن تكون مظلة لحماية الشعوب، أصبحت في نظر كثيرين جهازًا بيروقراطيًا يُنتج التقارير أكثر مما يُنتج الحلول، ويُدير الأزمات بدل أن يمنع اندلاعها.
في الحالة السورية، لم تنتظر الوقائع قرارات دولية متعثرة. فقد تجاوز السوريون الجمود الدولي بفعل تحولاتهم الداخلية وإعادة تشكيل توازناتهم السياسية. هذا التجاوز لا يعني رفض الشرعية الدولية، بل يعكس إدراكًا بأن التعويل الحصري على منظومة عاجزة لم يعد خيارًا واقعيًا.
اليوم، ومع دخول سوريا مرحلة سياسية مختلفة، يُطرح سؤال الدور الأممي من جديد: هل تملك الأمم المتحدة القدرة على الانتقال من موقع الشاهد إلى موقع الشريك الفاعل؟ الجواب يتوقف على استعدادها لإجراء مراجعة جذرية تبدأ بإصلاح بنيتها، وتحرير قراراتها من شلل الفيتو، وربط التوثيق بالمحاسبة، والعمل الإنساني بالحلول السياسية، والشراكة مع الدول بإرادة الشعوب لا فوقها.
Loading ads...
إن التجربة السورية لا ينبغي أن تُقرأ كفصل من الماضي، بل كاختبار مستمر لمستقبل النظام الدولي نفسه. فإما أن تعيد الأمم المتحدة تعريف دورها بما ينسجم مع تطلعات الشعوب وحقها في العدالة والسلام، أو تستمر في التراجع، بوصفها شاهدًا دوليًا على الأزمات، لا صانعًا للسلام الذي وُجدت من أجله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


