هناك الكثيرون ممن يفترضون أن النجاح المالي يرتبط بمعدل الذكاء أو الخلفية الاقتصادية للعائلة؛ إلا أن العديد من الأبحاث والدراسات النفسية والاجتماعية، والتي تم العمل عليها لسنوات كشفت عن صورة مختلفة تماماً، وهي أن الذكاء المالي الحقيقي يأتي نتيجة المزج بين ضبط النفس والوعي العاطفي، وأيضاً القدرة على بناء علاقات اجتماعية مفيدة، وتعد تلك المهارات أهم بكثير مما هو مجرد قدرة على الحساب أو حل المسائل المعقدة. ونستعرض لكم في هذا الموضوع أبرز ما توصلت إليه الدراسات والأبحاث حول هذا النوع من الذكاء المُميز.
اتفق العديد من الأبحاث والدراسات حول أن الذكاء المالي الحقيقي أبعد بكثير من مجرد فهم الأرقام؛ حيث يجمع بين الوعي العاطفي الذي يمنع القرارات الاندفاعية، وأيضاً الذكاء الاجتماعي الذي يفتح أبواباً لا يتم فتحها بالمهارة التقنية وحدها، وأيضاً الوعي الذاتي بالبرمجة النفسية الموروثة تجاه المال. لذلك يعد الاستثمار الأهم الذي يمكن لأي شخص القيام به ليس في محفظة أسهم، بل في فهم نفسه وعلاقاته أولاً، لذلك نستعرض لكم 8 أسرار تجعل أي شخص من أصحاب الذكاء الاجتماعي والمالي وهي كالتالي:
من خلال دراسة طويلة شهيرة تم إجراؤها في مدينة دنيدن النيوزيلندية على مجموعة من الأطفال منذ ولادتهم حتى دخولهم فترة الثلاثينيات من العمر، أشار عالم النفس ورائد مفهوم "الذكاء العاطفي" دانيال جولمان إلى أن أقوى عامل تنبأ بالنجاح المالي لاحقاً لم يكن معدل الذكاء ولا ثروة العائلة التي نشأ فيها الطفل، بل قدرته المبكرة على ضبط اندفاعاته والتحكم في انتباهه. وهذا يعني أن الأطفال الذين تعلموا إدارة انفعالاتهم منذ الصغر أصبحوا أكثر نجاحاً مالياً في مرحلة البلوغ، بصرف النظر عن مدى ذكائهم أو ثراء عائلاتهم.
أشارت دراسة تم نشرها في مجلة "Intelligence"، واستندت إلى بيانات مسح أمريكي طويل المدى، إلى أن كل نقطة إضافية في اختبار الذكاء ترفع الدخل السنوي بمقدار يتراوح بين 234 و616 دولاراً فقط؛ إلا أن النتائج لم تُظهر علاقة واضحة إحصائياً بين معدل الذكاء وحجم الثروة المتراكمة فعلياً. والأغرب من ذلك أن الدراسة نفسها وجدت علاقة غير خطية بين الذكاء والتعرض لأزمات مالية، مثل صعوبة سداد الفواتير أو الإفلاس، بمعنى أن ارتفاع معدل الذكاء قد يزيد أحياناً احتمالية الوقوع في مشكلات مالية، مما يكشف أن الذكاء الأكاديمي البحت ليس ضمانة كافية للاستقرار المالي.
أوضحت مصادر متخصصة في علم نفس المال أن الأشخاص الناجحين مالياً يطورون ما يسميه علماء النفس "التنظيم العاطفي"، وهو القدرة على إدراك ردود أفعالهم العاطفية تجاه تقلبات السوق أو الخسائر المالية دون أن تسيطر عليهم هذه المشاعر. ونصحت هذه المصادر بممارسات عملية لبناء هذا الوعي، ومن أبرزها ملاحظة الإحساس الجسدي المصاحب لأي قرار مالي كالقلق أو الحماس المفرط، باعتباره مؤشراً على تدخل عاطفي قد يُضعف موضوعية القرار، وإعادة صياغة الأخطاء المالية باعتبارها دروساً بدلاً من فشل يستدعي الشعور بالذنب.
من أكثر الأبحاث تأثيراً دراسة عالم الاجتماع مارك جرانوفيتر Mark Granovetter في عام 1973 والتي جاءت بعنوان "قوة الروابط الضعيفة"، والتي وجدت أن غالبية الأشخاص يحصلون على فرص عمل أفضل من خلال معارف بعيدين نسبياً ولا يتواصلون معهم كثيراً، ويعملون في مجالات مختلفة عنهم، أكثر مما يحصلون عليه من أصدقائهم المقربين أو عائلاتهم. ويأتي السبب أن هذه الروابط الضعيفة تفتح نافذة على معلومات وفرص جديدة تماماً خارج الدائرة المعتادة، وقد أعادت دراسة حديثة أُجريت على أكثر من 20 مليون مستخدم على منصة "لينكد إن" وتم نشرها في مجلة "Science" تأكيد هذه النظرية؛ حيث وجدت أن الروابط الأضعف كانت الأكثر فائدة فعلياً للتقدم الوظيفي مقارنة بالروابط القوية.
كشفت دراسة أكاديمية حول العلاقة بين رأس المال الاجتماعي والأداء المالي لرواد الأعمال أن قوة الشبكات الاجتماعية للفرد تلعب دوراً مؤثراً في نجاحه الريادي، إلى جانب ما يُعرف بـ"معامل الذكاء المالي". وأوضحت الدراسة أن هذه الشبكات تمنح رواد الأعمال الإمكانية للوصول إلى معرفة ورؤى خارجية بالغة الأهمية لنمو مشاريعهم، سواء كانت هذه المشاريع ناشئة أو قائمة بالفعل، مما يجعل الاستثمار في العلاقات المهنية استثماراً مالياً لا مجرد نشاط اجتماعي منفصل عن العمل.
من خلال كتابه "الذكاء الاجتماعي" والذي جاء استكمالاً لعمله الشهير عن الذكاء العاطفي، أظهر دانيال جولمان Daniel Goleman أن البشر مصممون فطرياً للتواصل مع بعضهم، وأن جودة علاقاتنا اليومية تترك أثراً عميقاً يمتد لكل جوانب حياتنا، بما فيها الشق المهني والمالي. كما أكدت هذه الفكرة دراسة أجرتها شركة "جوجل" على مديريها الأكثر تميزاً؛ حيث وجدت أن أفضل المديرين الذين تفوقوا في مهارات التعاطف وبناء الفرق أكثر بكثير من تفوقهم في البراعة التقنية البحتة، مما يشير إلى أن الذكاء الاجتماعي قد يكون عامل تمييز أهم من الخبرة الفنية وحدها في القيادة والنجاح.
أشارت دراسة تم نشرها في هذا المجال إلى مفهوم نفسي يُعرف بـ"موقع الضبط - Locus of Control" وهو اعتقاد الشخص بمدى قدرته الفعلية على التحكم في أحداث حياته. كما وجدت الدراسة أن الأسر التي يعتقد فيها الشخص المسؤول مالياً بأن لديه تحكماً حقيقياً في مجريات حياته تدّخر أكثر، سواء من حيث المستوى المطلق للمدخرات أو كنسبة من دخلها، ويأتي ذلك مقارنة بالأسر التي تعتقد أن قوى خارجية هي منْ تتحكم في مصيرها المالي. واللافت أن هذه الفجوة في الادخار كانت الأكبر تحديداً بين الأسر محدودة الدخل، ما يعني أن تعزيز هذا الشعور بالتحكم قد يكون أداة مهمة لتحسين السلوك المالي بصرف النظر عن مستوى الدخل نفسه.
Loading ads...
أشار عدد من الباحثين المتخصصين إلى أن نمط التفكير المالي للشخص غالباً ما يتشكل مبكراً بحسب خلفيته الأسرية؛ حيث منْ نشأ في ظروف شح مادي قد يطور ما يسمى "عقلية الندرة" أي رغبة دائمة في المزيد وخوف مستمر من الخسارة، فيما قد يطور منْ نشأ في رخاء مادي "عقلية وفرة" قد ترافقها تساؤلات وجودية حول الهوية بمعزل عن الثروة العائلية. وقد أشارت أبحاث أخرى إلى أن حتى أبناء الأسر الميسورة قد يواجهون تحديات عاطفية حقيقية حين تربط عائلاتهم قيمتهم الذاتية بإنجازاتهم فقط، مما قد يدفعهم للعزلة على الرغم من الرفاهية المادية الظاهرة، مما يوضح أن البرمجة النفسية للمال ليست مرتبطة بمستوى الدخل بقدر ما هي مرتبطة بالتجربة العاطفية المصاحبة له. يُمكنكم قراءة: الذكاء الاجتماعي مفتاح نجاحك.. كيف تبني شبكة علاقات قوية؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





