تتحدث الأخصائية النفسية ريتا فيغويريدو (أخصائية نفسية ومؤسسة عيادة بينينسولا سايكولوجي) عن الصدمة النفسية لدى الأطفال الناتجة عن إصابة الأم بمرض السرطان أو غيره من الأمراض الخطيرة، مستعرِضةً العلامات غير الظاهرة التي قد تعكس معاناتهم العميقة في صمت، وكيفية تقديم الدعم العاطفي والتواصل الصادق لحمايتهم وإعادتهم إلى الاستقرار النفسي.
عندما تتلقى امرأة وأم تشخيصًا بالسرطان، لا يقتصر الأثر عليها وحدها، بل يمتد إلى الأسرة بأكملها، وتترك الصدمة النفسية لدى الأطفال أثرها عليهم أكثر من باقي الأسرة. فالمرض الخطير قد يغيّر الروتين اليومي والعلاقات بين أفراد الأسرة. ومن الطبيعي أن ينصبَّ الاهتمام الأول على مساعَدة الأم في استيعاب التشخيص والتكيف معه، لكن الأطفال أيضًا يتأثرون بما تمر به، حتى لو لم يكونوا جزءًا مباشرًا من الأحاديث حول المرض.
غالبًا ما يُوصَف هؤلاء الأطفال بأنهم «المرضى الصامتون». فالطفل لا يحتاج إلى المشارَكة في الحوارات حتى يتأثر بها. الأطفال بطبيعتهم فضوليون ودقيقو الملاحظة؛ وقادرون على رؤية تغيّر مظهر الأم وطاقتها وروح الدعابة لديها، وإلى اختلاف الوجبات والأوقات التي كانت تقضيها معهم. يَشعرون بأن أمرًا ما ليس على ما يرام في المنزل، لكنهم قد لا يمتلكون الكلمات المناسبة للتعبير عن ذلك.
يتعامل الأطفال مع تشخيص مرض الأم كلٌّ وفق عمره وطباعه ومدى الدعم المتاح له. فقد يخشى طفل فقدان والدته، بينما يشعر آخر بالذنب لأنه لا يزال يحتاج إلى اهتمامها وهي مريضة. وقد يظن الصغار أن أفكارهم أو أن سلوكًا سابقًا صدر منهم هو الذي سبب المرض. أما الأكبر سنًا، فقد يكبتون احتياجاتهم العاطفية لحماية والديهم، ويتولون مسؤوليات منزلية تفوق أعمارهم، وهو ما قد يقود لاحقًا إلى ما يُعرف بتقمّص الطفل دَور الوالد أو تحمّل أعباء الكبار مبكرًا.
مع مرور الوقت ونتيجة الصدمة النفسية لدى الأطفال ، قد يظهَر الخوف الذي لم يُعبَّر عنه في صورة قلق، أو تراجع في المزاج، أو اضطرابات في النوم، أو غضب، أو ابتعاد عن الأشخاص الذين يحبهم الطفل في العادة. فالأطفال يَستمدون إشاراتهم من الكبار، وقد يَنسحبون إلى أنفسهم عندما يلاحِظون القلق أو الضيق من حولهم. ولهذا، مِن المهم أن لا نخلط بين الصمت والقدرة على التكيف، وأن لا نفترض أن غياب الشكوى يعني غياب المعاناة.
تتطور قدرة الأطفال على فهم المعلومات الصحية المعقدة مع تقدمهم في العمر. ويبقى التواصل الصادق والمباشر والواضح والملائم لكل مرحلة عمرية عنصرًا أساسيًا، حتى لا يملؤوا الفراغات في معرفتهم بافتراضات مخيفة. أما عن الأسلوب الصحيح للتواصل معهم فيتفاوت بحسب المراحل العمرية المختلفة (من سنتين إلى 18 سنة):
لا يَعرف الأطفال دائمًا كيف يعبّرون عن ضيقهم بالكلام المباشر أو بالمشاعر الواضحة. وكثيرًا ما تكون تصرفاتهم وطريقة تفاعلهم مع الآخرين نافذة تكشف شيئًا مما يَحدث في عالمهم الداخلي.
لذلك من الأهم مراقبة التغيرات المستمرة عن سلوك الطفل المعتاد، لا الحكم عليه من موقف واحد. فقد يصبح الطفل قليل الكلام على نحو غير مألوف، أو ينسَحب من صداقاته، أو يتراجع أداؤه الدراسي، أو يعاني الكوابيس والصداع وآلام المعدة. وقد يصبح أكثر عصبية أو تعلقًا بمَن حوله، أو يعود إلى سلوكيات كان قد تجاوزها في عمر أصغر ، مثل التبول اللاإرادي أو صعوبة النوم بمفرده.
ومن المهم الانتباه أيضًا إلى الطفل «المثالي» الشديد المساعدة الذي يتوقف عن طلب الاهتمام ويتحمل مسؤوليات إضافية. فقد يحاول إسعاد الجميع على حساب نفسه وراحته لأنه يَعتقد أن أمه لديها ما يكفي من الأعباء. كما قد يخفي بعض المراهقين قلقهم أو ينعزلون أو يبدون غير مبالين، رغم أنهم يعانون داخليًا.
الغضب والاستياء والحزن والإنكار مشاعر مفهومة لدى الأطفال الذين يشعرون بأن ما يحدث يفوق قدرتهم على الاحتمال. وما يستدعي الانتباه هو ظهور تغيّر واضح مقارنة بطبيعة الطفل المعتادة. ويمكن للمحافظة على الروتين اليومي والصداقات والهوايات أن تعيد إليه شيئًا من الاستقرار. ويحتاج الأطفال إلى سماع رسالة واضحة مفادها أن من حقهم الشعور بالفرح العادي، وأنهم غير مسؤولين عن مشاعر أمهم. وقد يكون دعم اختصاصي نفسي للأطفال أو معالِج أسري مفيدًا عند الحاجة، للمساعدة في التعامل وتخطي الصدمة النفسية لدى الأطفال .
الاستقرار العاطفي لا يعني اختفاء الخوف أو التظاهر بأن الحياة ستعود تمامًا كما كانت. بل يبدأ بإعادة بناء القدرة على توقع ما سيحدث، والشعور بالتواصل والأمان، وإعطاء الطفل مساحة للتعبير. فحين يشعر بأنه مَسموع ومُحاط بالرعاية، يستطيع اكتساب ثقة أكبر في قدرته على التكيف مع التغيرات. والهدف هو تعزيز الأمان والروابط الأسرية والمرونة النفسية من خلال حوار صادق ومدروس وداعم.
Loading ads...
وإلى كل أم تقرأ هذه الكلمات وتحمل في داخلها عبئًا إضافيًا من الشعور بالذنب: كوني لطيفة مع نفسك. أطفالك لا يحتاجون إلى أم مثالية، بل إلى أم حاضرة وقريبة منهم. قد لا تتمكنينَ من حمايتهم من كل ألم، لكنك تستطيعينَ أن تضمَني أن لا يواجهوه وحدهم. وأنتِ أيضًا لستِ مضطرة إلى مواجهة هذه التجربة بمفردك. فالكلمات الصادقة التي يقودها الحب تمنح من الحماية والطمأنينة ما لا يستطيع الصمت تقديمه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الصدمة النفسية لدى الأطفال وتأثير مرض الأم بالسرطان
منذ ساعة واحدة
0
تدخل معظم النساء مرحلة انقطاع الطمث دون معلومات كافية
منذ ساعة واحدة
0

سحب كبسولات الأشواغاندا لاحتمال تلوثها بالسالمونيلا
منذ ساعة واحدة
0


