لا يرتبط النجاح الحقيقي بالحصول على وظيفة جيدة أو تحقيق دخل مرتفع فقط، بل يتجاوز ذلك إلى معرفة السبب الذي يدفع الإنسان إلى الاستيقاظ كل يوم وممارسة عمله والسعي نحو أهدافه.
وكثير من الشباب والمهنيين يصلون إلى مراحل يشعرون فيها بالحيرة بشأن مساراتهم الشخصية والمهنية، ويتساءلون عما إذا كانت اختياراتهم الحالية تتوافق مع طموحاتهم وقيمهم.
ومن هنا تبرز أهمية البحث عن الغاية، باعتبارها عاملًا يساعد على تحديد الأولويات، وتعزيز الرضا، واتخاذ قرارات أكثر وضوحًا بشأن المستقبل.
وبحسب ما تناولته مجلة «فورتشن» فإن البحث عن الغاية لا يعني بالضرورة العثور على وظيفة مثالية أو امتلاك شغف استثنائي. بل يرتبط بفهم نقاط القوة والاهتمامات الشخصية، واكتشاف الأثر الذي يمكن أن يتركه الإنسان من خلال عمله وعلاقاته.
كما أن الوصول إلى هذا الفهم يحتاج إلى التجربة والتأمل، وليس انتظار لحظة مفاجئة تكشف للفرد جميع الإجابات.
وتزداد أهمية هذا الموضوع مع التغير المستمر في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة. إذ لم يعد المسار المهني ثابتًا لدى كثير من الأشخاص.
ولذلك، يحتاج الفرد إلى مراجعة أهدافه بصورة دورية، وتحديد ما يمنحه الإحساس بالإنجاز. وما يتوافق مع قدراته واحتياجاته، حتى يتمكن من بناء حياة مهنية وشخصية أكثر اتزانًا.
يعتقد البعض بأن لكل إنسان غاية محددة ينبغي اكتشافها مرة واحدة، لكن الواقع أن المعنى قد يتشكل تدريجيًا من خلال التجارب والقرارات والمواقف المختلفة.
وفي هذا الصدد، تناول الطبيب النفسي فيكتور فرانكل؛ مؤلف كتاب «الإنسان يبحث عن المعنى»، أهمية البحث عن المعنى في حياة الإنسان. موضحًا أن الفرد يستطيع إيجاد قيمة لحياته من خلال العمل الذي يؤديه، والعلاقات التي يبنيها، والمواقف التي يتخذها عند مواجهة الصعوبات.
ومن هذا المنطلق، لا يشترط أن تكون الغاية مرتبطة بمهنة بعينها أو إنجاز استثنائي؛ فقد يجد شخص معناه في تعليم الآخرين.
بينما يحققه آخر من خلال إتقان حرفة أو تأسيس مشروع أو تقديم خدمة تفيد المجتمع. والأهم أن يشعر الإنسان بوجود ارتباط بين ما يفعله والقيم التي يؤمن بها.
كذلك، لا ينبغي التعامل مع الغاية باعتبارها قرارًا نهائيًا لا يمكن تغييره؛ إذ قد تتبدل اهتمامات الفرد وأولوياته مع التقدم في العمر واكتساب الخبرات.
ولهذا، فإن مراجعة المسار وإعادة ترتيب الأهداف لا تعني الفشل، بل قد تكون خطوة ضرورية للوصول إلى اختيارات أكثر توافقًا مع المرحلة الحالية من الحياة.
يقدم مفهوم «إيكيغاي» الياباني إطارًا شائعًا للتفكير في الغاية، ويعتمد على أربعة أسئلة رئيسة تساعد الإنسان على فهم ما يبحث عنه. وهي: ماذا تحب أن تفعل؟ وفي أي مجال تمتلك مهارة أو قدرة مميزة؟ وماذا يحتاج إليه المجتمع من حولك؟ وما النشاط الذي يمكن أن يوفر لك دخلًا مناسبًا؟
وتساعد الإجابة عن هذه الأسئلة على تحديد نقاط الالتقاء بين الاهتمامات والقدرات والاحتياجات والفرص الاقتصادية.
ومع ذلك، لا يشترط أن تتوافر جميع العناصر بصورة متكاملة منذ البداية. فقد يبدأ الإنسان باهتمام شخصي، ثم يكتشف من خلال التجربة أن لديه مهارة يمكن تطويرها وتحويلها إلى نشاط مهني مفيد.
ومن المهم أيضًا أن تكون الإجابات واقعية، فلا يقتصر الأمر على تحديد الأحلام، بل ينبغي تقييم القدرات الحالية والموارد المتاحة والفرص الموجودة في سوق العمل.
وعندما تتضح هذه الجوانب، يصبح من الأسهل وضع أهداف قابلة للتنفيذ وتحديد الخطوات اللازمة للوصول إليها.
انتبه إلى الأعمال التي تشعر بالاندماج أثناء تنفيذها، والمهام التي تستمتع بها حتى عندما تتطلب وقتًا وجهدًا إضافيين.
وقد تكشف هذه الأنشطة عن اهتمامات حقيقية تستحق التطوير، خصوصًا إذا تكررت في مواقف مختلفة.
ربما يلاحظ الأصدقاء والزملاء نقاط قوة لا ينتبه إليها الإنسان في نفسه.
ولذلك، يمكن سؤالهم عن المهارات التي يرونها مميزة، والمهام التي يعتقدون أنك تؤديها بكفاءة. والمجالات التي يمكن أن تحقق فيها نتائج جيدة.
بدلًا من انتظار التأكد الكامل من اختيار معين، ابدأ بتجارب محدودة، مثل التطوع أو تنفيذ مشروع صغير أو الالتحاق بدورة تدريبية قصيرة.
وتساهم هذه الخطوات في اختبار الاهتمامات واكتساب خبرة عملية قبل الالتزام بتغيير مهني كبير.
لا يتطلب الشعور بالمعنى أن يكون العمل ذا شهرة واسعة أو تأثير عالمي؛ فقد يجد الموظف قيمة فيما يقدمه عندما يدرك أن جهده يساعد زميلًا أو يخدم عميلًا أو يسهم في تحسين أداء المؤسسة.
ويساعد فهم أثر العمل على تعزيز الشعور بالمسؤولية والرضا المهني.
قد تتغير أولويات الإنسان مع مرور الوقت، لذلك من المفيد مراجعة الأهداف والقرارات بصورة منتظمة.
وإذا اكتشف الفرد أن مساره الحالي لم يعد يتناسب مع اهتماماته أو ظروفه، يمكنه دراسة البدائل واتخاذ خطوات تدريجية نحو اتجاه جديد.
من أبرز الأخطاء انتظار اكتشاف الشغف الكامل قبل البدء في أي تجربة؛ فربما لا يعرف الإنسان ما يناسبه إلا بعد ممارسة العمل واكتساب الخبرة.
كما أن الاعتقاد بضرورة امتلاك موهبة استثنائية أو تحقيق إنجاز كبير حتى يشعر الفرد بقيمة حياته قد يضع أمامه توقعات غير واقعية.
وتُعد مقارنة المسار الشخصي بتجارب الآخرين المنشورة على منصات التواصل من العوامل التي تزيد الحيرة؛ لأن ما يظهر من نجاحات لا يعكس بالضرورة التحديات والظروف التي مر بها أصحابها.
لذلك، من الأفضل التركيز على التقدم الشخصي وتقييم النتائج وفقًا للأهداف والظروف الخاصة بكل فرد.
كذلك، ينبغي عدم ربط الغاية بالمسمى الوظيفي أو مستوى الدخل وحدهما؛ فقد يعمل شخص في وظيفة مرموقة لكنه لا يشعر بالرضا.
بينما يجد آخر معنى واضحًا في عمل أقل شهرة، لكنه يتوافق مع قيمه ويمنحه فرصة للتطور وخدمة الآخرين.
يرى مختصون في الإرشاد المهني أن الشغف لا يكون دائمًا نقطة البداية، بل قد يتطور مع اكتساب المهارة وتحقيق نتائج ملموسة.
وعندما يتقن الإنسان عملًا معينًا، ويلاحظ تحسن أدائه، ويحصل على تقدير مناسب، قد يزداد ارتباطه بهذا المجال تدريجيًا.
Loading ads...
ومن ثم، فإن انتظار الشعور بالحماس قبل ممارسة أي نشاط يؤدي إلى تأجيل فرص مهمة للتعلم والتطور. والأفضل أن يمنح الفرد نفسه فرصة للتجربة، وأن يقيس مدى ملاءمة المجال من خلال مستوى اهتمامه وقدرته على الاستمرار والنتائج التي يحققها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






