6 أيام
جدل "ضرب الطلاب" و"تأنيث التعليم".. مَن يملك مفاتيح الانضباط في مدارس سوريا؟
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
من تحت قبة مجلس الشعب السوري، بدأ سجال سرعان ما انتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بعد طرح عضو المجلس أحمد السماعيل مسألة إعادة السماح بضرب الطلاب في المدارس، ولكن ضمن ضوابط محددة.
وخلال جلسة الاستماع إلى وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو، الإثنين الفائت، ربط السماعيل بين منع الضرب وما وصفه بتراجع هيبة المعلم، مستنداً في حديثه إلى رؤى دينية وتربوية يرى أنها تجيز العقاب الجسدي ضمن حدود، ومستشهداً بالحديث النبوي المتعلق بتعليم الأطفال الصلاة وتأديبهم عليها عند بلوغ سن العاشرة، مع تأكيده أن المقصود ليس الضرب المبرح أو الاعتداء على الطلاب، وإنما "تقنين" العقاب الجسدي.
الطرح أثار موجة من التفاعل والانتقادات، في حين رد وزير التربية برفض الضرب في المدارس، قائلاً إن "الضرب يروّض ولا يربّي". ومع تصاعد الجدل، عاد السماعيل بمنشور مطول أوضح فيه موقفه، ووسّع الحديث إلى واقع المعلم ومشكلات أوسع في العملية التعليمية.
وبالتوازي مع ذلك، أثار حديث آخر لعضو مجلس الشعب الدكتور محمد إبراهيم الزعبي حول ما وصف بـ"تأنيث التعليم" جدلاً موازياً على مواقع التواصل، بعد تداول أجزاء من حديثه وفهمها على أنها انتقاد لحضور النساء في التعليم، قبل أن يوضح لاحقاً أن كلامه جرى اجتزاؤه من سياقه وينفي أن يكون قد قصد التقليل من دور المرأة في التعليم.
وهكذا، اتسع السجال من قضية الضرب إلى أسئلة أوسع حول الانضباط المدرسي، وهيبة المعلم، ودور الأسرة، وطبيعة الكادر التعليمي، وما تحتاجه المدرسة السورية للنهوض بالعملية التعليمية.
أشعل طرح إعادة الضرب إلى المدارس نقاشاً واسعاً على مواقع التواصل، وبرزت في التفاعل اتجاهات عدة؛ إذ ركزت مواقف على رفض العقاب الجسدي باعتباره أسلوباً تربوياً يمس كرامة الطالب، في حين ذهبت مداخلات أخرى إلى أن الجدل لا ينبغي أن يختزل أزمة التعليم في مسألة الضرب، في ظل ملفات تتعلق بالمناهج بعد سقوط النظام المخلوع، وتأهيل المعلمين، والبنية التحتية، وأعباء التعليم على الأسر.
واستعاد متفاعلون تجارب شخصية مع الضرب داخل المدارس، بين من وصفه بأنه كان ممارسة شائعة في مراحل سابقة، ومن رأى أن تغير الأجيال يجعل استعادة هذه الأساليب غير مناسبة لضبط الطلاب. وفي المقابل، تناولت منشورات أخرى القضية بسخرية، متسائلة عن أولوية طرح الضرب في وقت تواجه فيه المدارس والأسر تحديات اقتصادية وتعليمية أخرى.
وامتد النقاش إلى طرح آخر ربط بين مستوى الانضباط في المدارس وتركيبة الكوادر التعليمية، بما في ذلك حضور المعلمات، ما وسّع السجال من مسألة العقاب الجسدي إلى أسئلة أوسع حول هيبة المعلم، ودوره، وأدوات ضبط الصف.
عقب الجدل الذي أثارته مداخلته، نشر عضو مجلس الشعب أحمد السماعيل توضيحاً عبر صفحته على "فيس بوك"، قال فيه إن مداخلته التي لم تتجاوز دقيقة واحدة جاءت في سياق الحديث عن واقع التعليم، موضحاً أنه لا يريد الدخول في السجال الفقهي حول مشروعية "الضرب التأديبي المقيد"، باعتبار أن المسألة موضع خلاف بين علماء الشريعة الإسلامية.
وانتقل السماعيل في منشوره إلى انتقاد واقع التعليم، متحدثاً عن تراجع احترام المعلم وتقديره، وتنمر بعض الطلاب على المدرسين، ونقص الكوادر والشواغر التعليمية، إضافة إلى الفوارق التي وصفها بـ"الشاسعة" بين التعليم في الريف والمدن. كما انتقد تدني أجور المعلمين، وتعيين غير الكفاءات في بعض المناصب الإدارية، وعدم تقديم تفاصيل كافية حول موازنة وزارة التربية وخطتها الاستراتيجية وما حققته خلال العامين الماضيين.
وقال السماعيل إن "المعلم الناجح والقوي علمياً وإدارياً لا يحتاج للضرب"، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود ضعف، بحسب وصفه، لدى عدد من المعلمين في الجوانب العلمية والإدارية، وربط ذلك بالتعيينات السابقة والمحسوبيات وضعف التأهيل. ودعا إلى عدم تعيين المدرس إلا بعد التحقق من مؤهلاته واجتيازه اختباراً عملياً يؤكد قدرته على أداء المهنة وإدارة الصف.
وتساءل السماعيل: "هل يكون بمنع الضرب حتى يتمرد الطالب على المعلم؟"، معتبراً أن منع العقاب الجسدي لا يكفي وحده لمعالجة مشكلات التعليم. وطالب في المقابل بتحسين الوضع المادي للمعلم، وتأهيله علمياً وإدارياً، وإخضاعه لدورات تساعده على إدارة الصف وضبط سلوك الطلاب من دون اللجوء إلى الضرب.
وتطرق النائب إلى الاستناد إلى الأساليب التربوية الأوروبية في رفض الضرب والاستعانة بالمرشد النفسي، قائلاً إنه يؤيد هذا الأسلوب التربوي، لكن بما يتناسب مع الواقع الاجتماعي المحلي.
ودعا إلى الاستفادة من تجارب الدول التي سبقت في المجالين الحضاري والعلمي "بكل الجوانب"، وليس الاكتفاء بمنع الضرب، كما تساءل عن صحة معلومات وصلته حول السماح بالعقاب الجسدي في بعض الدول الأوروبية.
وفي توضيحه لمقصده من المداخلة، قال إسماعيل إن حديثه عن منع الضرب "بطريقة لا تحجم شخصية المدرس وتضخم شخصية الطالب"، وإنما بما يحقق التوازن بين الطرفين بوصفهما ركنين أساسيين في العملية التعليمية.
وأكد أنه يؤيد رد وزير التربية بأن "الضرب يروض لا يعلم"، مضيفاً أن النهوض بالتعليم، من وجهة نظره، لا يتحقق بمعالجة مشكلة واحدة على حساب بقية المشكلات، وإنما بمعالجة جميع جوانب العملية التعليمية.
لم ينتهِ الجدل مع نشر النائب توضيحه، إذ واصلت التعليقات مناقشة موقفه من أكثر من زاوية. فبعض المتابعين رأى أن التوضيح لم يحسم مسألة طرح الضرب كوسيلة للتأديب، وطالب باعتذار صريح عن المداخلة، فيحين دافع آخرون عن حقه في طرح الفكرة، معتبرين أن مناقشة أساليب التأديب لا تعني بالضرورة الدعوة إلى العنف أو إهانة الطلاب.
وفي اتجاه ثالث، أعاد متابعون النقاش إلى المشكلات الأوسع في التعليم، من مكانة المعلم وتأهيله وظروف عمله إلى دور الأسرة في ضبط سلوك الطلاب، في حين ركزت تعليقات أخرى على البحث عن بدائل غير جسدية للعقاب، وربطت الانضباط المدرسي بوجود منظومة تربوية متكاملة لا تعتمد على الضرب وحده.
وفي مسار موازٍ للجدل حول الضرب، أثار حديث عضو مجلس الشعب الدكتور محمد إبراهيم الزعبي بشأن حضور النساء في قطاع التعليم تفاعلاً على مواقع التواصل، بعد تداول مقاطع منه بصورة مجتزأة، وفق ما أوضحه لاحقاً خلال مقابلة مصورة.
وأوضح الزعبي أن حديثه جرى تداوله خارج سياقه، نافياً أن يكون قد قصد أن المرأة غير صالحة لتولي مهام التعليم أو التوجيه والإدارة في المدارس السورية، مشيراً إلى وجود نساء في عائلته يعملن في مجالات مهنية وأكاديمية، وبينهن طبيبة ومعلمة، بحسب توضيحه.
وفي قراءة اجتماعية وتربوية للجدل الدائر حول الضرب والانضباط المدرسي، يرى الباحث في علم الاجتماع الدكتور طلال مصطفى أن المدرسة ليست مكاناً لنقل المعرفة فقط، بل مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، وبالتالي فإن الانضباط فيها لا يُبنى من خلال العقوبات وحدها، وإنما من خلال القواعد والعلاقات اليومية داخل المدرسة.
وأوضح مصطفى لموقع تلفزيون سوريا أن من بين الأساليب التي يمكن أن تساعد في ضبط سلوك الطلاب: التعزيز الإيجابي، والحوار، والتدرج في العواقب، وتحميل الطالب مسؤولية تصحيح سلوكه، إلى جانب وجود قواعد واضحة تُطبّق بصورة متسقة وعادلة. وأكد أن العقاب لا ينبغي أن يتحول إلى غاية بحد ذاته، لأن الغاية التربوية، برأيه، هي الانتقال من الامتثال خوفاً من العقوبة إلى فهم القاعدة وتحمل المسؤولية.
ويربط مصطفى قدرة المعلم على إدارة الصف بالبيئة المؤسسية التي يعمل فيها، مشيراً إلى أن ارتفاع أعداد الطلاب، وزيادة الأعباء، ونقص الدعم الإداري والاختصاصي، كلها عوامل تجعل متابعة الفروق الفردية وإدارة السلوكيات المختلفة أكثر صعوبة. ويرى أن اختزال مشكلة الانضباط في شخصية المعلم أو قدرته وحدها يتجاهل جانباً مهماً من الظروف والبنية التي تنتج المشكلة.
وفي هذا السياق، يلفت إلى أن مسؤولية انضباط الطالب لا تقع على طرف واحد، بل تتوزع بين الأسرة والمدرسة والمعلم والطالب نفسه، مع اختلاف أدوار كل طرف. فالأسرة تؤدي دوراً أساسياً في التنشئة الأولى، والمدرسة تنقل الطالب إلى فضاء مؤسسي تحكمه قواعد وعلاقات جديدة، في حين يدير المعلم التفاعل اليومي داخل الصف، ويتحمل الطالب نفسه مسؤولية متزايدة عن سلوكه مع نموه ونضجه.
أما ما أثير حول ما يوصف بـ"تأنيث التعليم" وربطه بضعف شخصية الطلاب أو الحاجة إلى حضور أكبر للمعلمين الرجال، فيرى مصطفى أن هذا الطرح يحتاج إلى التمييز بين الانطباع الاجتماعي والدليل التربوي. ويوضح أن ربط قوة شخصية الطالب أو قدرة المعلم على ضبط الصف بجنس المعلم وحده قد يعكس تصورات ثقافية عن أدوار الذكور والإناث أكثر مما يقدم تفسيراً علمياً للسلوك المدرسي.
ويشير إلى أن إدارة الصف ترتبط بعوامل متعددة، من بينها الكفاءة المهنية والخبرة والتدريب وحجم الصف ونظام السلطة المدرسية وطبيعة العلاقة بين المعلم والطلاب، ولذلك، بحسب رأيه، لا يوجد ما يبرر افتراض أن المعلم الرجل أكثر قدرة على ضبط الطلاب لمجرد كونه رجلاً.
ويمتد تفسير مصطفى لسلوك الطالب إلى ما هو خارج أسوار المدرسة أيضاً، إذ يؤكد أن المدرسة ليست مؤسسة معزولة عن المجتمع، وأن الطالب يدخل إليها محملًا بخبراته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد تنعكس هذه الخبرات على طريقة تفاعله مع المعلم والزملاء، وعلى قدرته على التركيز والاستجابة للقواعد، لكنه يحذر في الوقت نفسه من تحويل الظروف الاجتماعية إلى تفسير حتمي للسلوك، لأن الطلاب قد يستجيبون للظروف نفسها بطرق مختلفة.
ومن هنا، يرى أن تحميل المعلم وحده مسؤولية الانضباط يعكس تصوراً فردياً لمشكلة هي، في جانب منها، مؤسسية. فالمعلم يحتاج إلى بيئة عمل تساعده على أداء دوره، تشمل عدداً مناسباً من الطلاب، وقواعد واضحة، ودعمًا إدارياً، وإمكان الوصول إلى الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين عند الحاجة. وبذلك تصبح إدارة الصف، وفق هذا الطرح، جزءًا من نظام أوسع للضبط والتنظيم داخل المدرسة، تتقاسم مسؤوليته الإدارة والمعلم والأسرة والطلاب.
وفي ما يتعلق بالعقاب الجسدي تحديداً، يوضح مصطفى أن جعل العصا وسيلة أساسية للضبط قد يدفع الطالب إلى الامتثال خوفاً من السلطة أكثر مما يدفعه إلى فهم نتائج سلوكه وتحمل المسؤولية، كما يمكن أن يؤثر في الثقة بين الطالب والمعلم، وهي عنصر أساسي في عملية التعلم والتنشئة.
ويؤكد في المقابل أن غياب الضرب لا يعني غياب السلطة أو القواعد، فالطالب، بحسب طرحه، يحتاج إلى حدود واضحة وعواقب تربوية متدرجة، لكنه يحتاج أيضًا إلى فهم أسباب القاعدة وإتاحة مساحة للحوار وتصحيح الخطأ. ويفرق هنا بين الانضباط القائم على الخوف والانضباط القائم على المسؤولية؛ فالأول يرتبط بحضور السلطة واحتمال العقوبة، في حين يسعى الثاني إلى جعل القاعدة جزءًا من وعي الطالب بسلوكه وعلاقته بالآخرين.
ويضيف أن العاقبة يمكن أن تكون أداة تربوية إذا ساعدت الطالب على فهم الخطأ وتصحيحه، بدل أن تكون مجرد وسيلة لإنتاج الخوف، معتبرًا أن الانضباط المستدام لا يعني غياب السلطة، وإنما تحويل السلطة من أداة للعقاب إلى أداة للتوجيه وبناء المسؤولية.
وبالانتقال إلى سؤال النهوض بالمنظومة التعليمية، يرى مصطفى أن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من عنصر واحد، لأن التعليم منظومة مترابطة. ويشير إلى ضرورة تحسين وضع المعلم وتأهيله، إلى جانب وجود إدارة مدرسية فعالة، ومناهج مناسبة، وبيئة تعليمية مستقرة، وشراكة حقيقية مع الأسرة.
ويخلص مصطفى إلى أن الأولوية الأوسع، من المنظور السوسيولوجي، تتمثل في إعادة بناء البيئة المؤسسية التي تنتظم داخلها العلاقة بين المعلم والطالب والأسرة، موضحًا أن جودة هذه العلاقات تؤثر في التعلم والانضباط معًا، وأن تحسين العلاقة بين المعلم والطالب يبدأ ببيئة مدرسية تتسم بوضوح القواعد واتساقها وعدالة تطبيقها، مع دعم المعلم وتحسين ظروف عمله وتعزيز التواصل مع الأسرة وإشراك الطلاب في فهم مسؤولياتهم.
Loading ads...
بذلك، يضع مصطفى قضية الضبط المدرسي ضمن إطار أوسع من مسألة العقوبة وحدها، ويربطها بطبيعة العلاقات داخل المدرسة، وظروف المعلم، ودور الأسرة، والخبرات التي يأتي بها الطالب من محيطه الاجتماعي، معتبراً أن الانضباط المستدام يرتبط بدرجة شرعية القواعد في نظر أطراف العملية التعليمية، وليس بالعقوبة وحدها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

