42 دقائق
ثمن الرجولة الصامتة.. لماذا يتأخر الرجال في اكتشاف أمراضهم؟
الأحد، 1 نوفمبر 2026

بين الخوف من التشخيص وضغوط الحياة والصورة الاجتماعية للرجل القوي، يؤجل بعض الرجال طلب المساعدة الطبية حتى تتفاقم مشكلاتهم الصحية. ومع حلول نوفمبر/تشرين الثاني، تعيد حملة "موفمبر" (Movember) العالمية طرح سؤال مهم: لماذا ينتظر الرجل ظهور المرض قبل أن يهتم بصحته؟
قد يشعر الرجل بألم متكرر في صدره، أو يلاحظ تغيرا غير معتاد في جسمه، أو يعاني إرهاقا مستمرا لا يجد له تفسيرا، لكنه بدلا من مراجعة الطبيب، يقنع نفسه بأن الأمر مجرد تعب عابر، وأن الأعراض ستختفي مع الوقت. وقد تمر أسابيع أو أشهر قبل أن يقرر أخيرا طلب المساعدة الطبية، وأحيانا لا يحدث ذلك إلا عندما تصبح الأعراض شديدة أو تبدأ بالتأثير في حياته اليومية.
هذا السلوك ليس مقتصرا على مجتمع بعينه، ولا ينطبق بالطبع على جميع الرجال، لكنه يمثل ظاهرة صحية تستحق الاهتمام، خاصة أن بعض الأمراض المزمنة والخطيرة يمكن أن تتطور لسنوات دون أن تسبب أعراضا واضحة.
وتشير بيانات أمريكية حديثة، استندت إلى المسح الوطني للمقابلات الصحية لعام 2024، إلى أن 87.1% من الرجال أفادوا بأن لديهم جهة معتادة للحصول على الرعاية الصحية، مقابل 93.3% من النساء. ورغم أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن الرجال جميعا يهملون صحتهم، فإنها تكشف فجوة في الارتباط المنتظم بالخدمات الصحية، وتثير تساؤلات بشأن أسبابها ونتائجها.
ومع اقتراب نوفمبر/تشرين الثاني، الذي يشهد فعاليات الحملة العالمية للتوعية بصحة الرجل، المعروفة باسم "موفمبر"، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في علاقة الرجال بصحتهم، وفي الأفكار الاجتماعية التي قد تجعل طلب المساعدة الطبية يبدو لدى البعض علامة ضعف، بدلا من اعتباره سلوكا مسؤولا وضروريا.
بدأت حركة موفمبر (Movember) في أستراليا عام 2003، عندما قررت مجموعة صغيرة من الرجال إطلاق مبادرة تقوم على إطلاق الشوارب خلال نوفمبر/تشرين الثاني بهدف إثارة النقاش حول صحة الرجال. والاسم يجمع بين كلمتي الشارب (Moustache) ونوفمبر/تشرين الثاني (November).
ومع مرور السنوات، تحولت المبادرة من نشاط محدود إلى حركة عالمية تهتم بالتوعية وتمويل الأبحاث والبرامج الصحية.
وتركز الحركة بصورة خاصة على 3 محاور: سرطان البروستاتا، وسرطان الخصية، والصحة النفسية والوقاية من الانتحار. لكنّ الأهمية الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في الشوارب التي يطلقها المشاركون، بل في الرسالة التي تحملها: صحة الرجل لا ينبغي أن تكون موضوعا مسكوتا عنه، ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام بها على ظهور المرض.
لا يمكن تفسير تردد بعض الرجال في زيارة الطبيب بعامل واحد، بل هو سلوك معقد تتداخل فيه اعتبارات نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وقد تؤثر فيه التصورات السائدة عن الرجولة والقوة والاستقلالية.
وفي هذا السياق، أظهرت دراسة نوعية نُشرت عام 2018 في المجلة العلمية "American Journal of Men’s Health" أن إحجام بعض الرجال عن طلب الرعاية الطبية لا يرتبط بالخوف من المرض فحسب، بل يتأثر أيضا بالمعايير الاجتماعية المرتبطة بالرجولة، وضغوط العمل، ومواقف المحيط الاجتماعي من طلب المساعدة.
وتشير هذه النتائج إلى أن تشجيع الرجال على الاهتمام بصحتهم لا ينبغي أن يقتصر على تقديم النصائح الفردية، بل يتطلب أيضا معالجة العوائق الاجتماعية والمهنية التي قد تحول دون حصولهم على الرعاية الطبية في الوقت المناسب.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الأمراض الجسدية، بل تمتد أيضا إلى الصحة النفسية. فقد كشفت دراسة نُشرت عام 2020 في مجلة "الرعاية الأولية وصحة المجتمع" الأمريكية، وشملت 117 رجلا يعانون أعراض اكتئاب متوسطة الشدة، أن 8.5% فقط من المشاركين كانوا يتلقون مساعدة نفسية متخصصة وقت إجراء الدراسة.
وارتبط ضعف الإقبال على طلب المساعدة بعوامل عدة، أبرزها التردد في الإفصاح للطبيب عن المعاناة النفسية، والاعتقاد بضرورة مواجهة المشكلات بصورة فردية، وقلة المعرفة بطبيعة العلاج النفسي وفوائده. وتوحي هذه النتائج بأن بعض المعتقدات المرتبطة بالاستقلالية والاعتماد المطلق على النفس، رغم ما قد تحمله من جوانب إيجابية، يمكن أن تتحول أحيانا إلى عائق يحرم الرجل من الرعاية التي يحتاج إليها.
وبالاستناد إلى هذه الدراسات وغيرها من الأبحاث التي تناولت سلوك الرجال تجاه الخدمات الصحية، يمكن تلخيص أبرز العوامل التي تسهم في تأخير زيارة الطبيب فيما يلي:
في كثير من المجتمعات، ينشأ الفتى على عبارات من قبيل "الرجل لا يشتكي"، و"تحمل الألم"، و"لا تظهر ضعفك أمام الآخرين". ومع مرور الوقت، قد تترسخ هذه الرسائل في ذهنه، فيصبح التعبير عن الألم أو الاعتراف بالمرض، في نظره، نوعا من الضعف يتعارض مع الصورة التي ينبغي أن يكون عليها الرجل.
ورغم أن الصبر والقدرة على تحمل الصعوبات صفتان إيجابيتان في مواقف كثيرة، فإن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القيم إلى ضغوط نفسية واجتماعية تدفع الرجل إلى تجاهل الأعراض أو الامتناع عن طلب المساعدة الطبية. فالألم ليس دليلا على ضعف الشخصية، وإنما إشارة بيولوجية قد تنبه إلى وجود اضطراب صحي يحتاج إلى التقييم.
وقد نبهت منظمة الصحة العالمية إلى أن بعض التصورات التقليدية الصارمة المرتبطة بالرجولة قد تشجع على السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، وتحد من استعداد الرجال لطلب الرعاية الصحية والنفسية. ومن هنا، فإن إعادة تعريف القوة باعتبارها قدرة على اتخاذ القرار المناسب، وليس مجرد تحمل المعاناة في صمت، تمثل خطوة مهمة نحو تحسين صحة الرجال.
يمثل الخوف من التشخيص أحد العوامل التي قد تدفع بعض الرجال إلى تأجيل زيارة الطبيب. فقد يلاحظ الرجل أعراضا غير معتادة، لكنه يتجنب الفحص خشية اكتشاف إصابته بمرض خطير، مثل السرطان أو أمراض القلب أو السكري. وقد يمنحه هذا التجنب شعورا مؤقتا بالاطمئنان، لأنه يؤجل مواجهة احتمال لا يرغب في التفكير فيه.
بيد أن عدم معرفة الإنسان بوجود المرض لا يعني عدم وجوده. فالمرض، إذا كان موجودا بالفعل، قد يستمر في التطور بصرف النظر عن استعداد الشخص لمواجهته، وقد يؤدي تأخير التشخيص في بعض الحالات إلى فقدان فرص علاجية أكثر فعالية في المراحل المبكرة.
ومع ذلك، فإن التوعية الصحية لا ينبغي أن تقوم على تخويف الرجال من الأمراض أو دفعهم إلى إجراء فحوص غير ضرورية، بل على تعزيز الوعي بالأعراض المهمة وعوامل الخطورة، وتشجيعهم على طلب المشورة الطبية عندما تكون هناك حاجة فعلية إليها.
قد يجد بعض الرجال حرجا في مناقشة مشكلات صحية تمس جوانب يعتبرونها شديدة الخصوصية، مثل ضعف الانتصاب، أو اضطرابات التبول، أو التغيرات التي تصيب الخصيتين، أو بعض الاضطرابات النفسية. وقد يزداد هذا الحرج عندما ترتبط هذه المشكلات في التصورات الاجتماعية بالقدرة الجنسية أو الخصوبة أو صورة الرجل أمام شريكته ومحيطه.
وقد يدفع الخوف من الإحراج أو الحكم الاجتماعي بعض الرجال إلى إخفاء الأعراض، أو البحث عن حلول غير موثوقة، أو تأجيل الاستشارة الطبية رغم استمرار المشكلة.
والواقع أن هذه الاضطرابات حالات طبية لها أسباب بيولوجية ونفسية متعددة، ولا علاقة لها بقيمة الإنسان أو رجولته. فضعف الانتصاب، على سبيل المثال، قد ينتج عن اضطرابات وعائية، أو عصبية، أو هرمونية، أو نفسية، وقد يكون في بعض الحالات مؤشرا مبكرا يستدعي تقييم عوامل الخطورة القلبية الوعائية، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين.
وينطبق الأمر نفسه على الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والقلق، التي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ضعفا في الإرادة أو الشخصية، بل حالات صحية تستحق التشخيص والرعاية والعلاج المناسب.
لا يمكن اختزال تأخر الرجال في زيارة الطبيب في الخوف أو الخجل أو التصورات التقليدية للرجولة، لأن هناك أيضا عوائق عملية واقتصادية قد تجعل الحصول على الرعاية الطبية أمرا صعبا، حتى عندما يكون الرجل مقتنعا بأهميتها.
فساعات العمل الطويلة، والمسؤوليات المهنية والأسرية، وصعوبة الحصول على إجازة، والخوف من فقدان جزء من الدخل، وارتفاع تكاليف الاستشارات والفحوص، كلها عوامل قد تدفع بعض الرجال إلى تأجيل زيارة الطبيب، خاصة عندما لا تكون الأعراض شديدة أو لا تؤثر مباشرة في قدرتهم على العمل.
وتزداد هذه الصعوبات لدى العاملين بأجور يومية أو في وظائف غير مستقرة، وكذلك لدى من لا يتوفرون على تغطية صحية كافية. ففي مثل هذه الظروف، قد تعني زيارة الطبيب تحمل نفقات إضافية أو التضحية بدخل يحتاج إليه الرجل لتلبية احتياجات أسرته.
ولهذا، فإن تحسين صحة الرجال لا ينبغي أن يقتصر على دعوتهم إلى تحمل مسؤولية صحتهم، بل يستدعي أيضا تيسير حصولهم على الخدمات الطبية، من خلال توفير مواعيد مرنة، وتعزيز الرعاية الوقائية، وتقليل العوائق المالية والمهنية التي تحول دون طلب المساعدة.
وفي النهاية، تكشف هذه العوامل أن تأخر بعض الرجال في زيارة الطبيب ليس بالضرورة نتيجة إهمال أو قلة وعي، بل قد يكون حصيلة تفاعل معقد بين المعتقدات الشخصية والضغوط الاجتماعية والظروف الاقتصادية. ومن ثم، فإن تغيير هذا السلوك يتطلب رسالة صحية واضحة مفادها أن الاهتمام بالصحة وطلب المساعدة الطبية عند الحاجة لا يتعارضان مع القوة والاستقلالية، بل يعكسان وعيا ومسؤولية تجاه الذات والآخرين.
من أكثر الأفكار الطبية الخاطئة انتشارا الاعتقاد بأن غياب الأعراض يعني بالضرورة أن الجسم يتمتع بصحة جيدة.
والواقع أن عددا من الاضطرابات قد يتطور تدريجيا، ويؤثر في الأعضاء والأنسجة قبل أن تظهر علاماته بوضوح مثل:
لكنْ من الضروري التنبيه إلى أن وجود مرض صامت لا يعني أن إجراء جميع الفحوص لجميع الأشخاص أمر مفيد. فالفحوص الوقائية يجب أن تُختار وفقا للعمر وعوامل الخطورة والتاريخ العائلي والأدلة العلمية المتعلقة بفوائدها وأضرارها المحتملة.
لا ينبغي أن ينتظر الرجل ظهور الأعراض كي يبدأ الاهتمام بصحته. فالطب الوقائي يقوم على تحديد عوامل الخطورة والكشف عن بعض الأمراض قبل ظهور مضاعفاتها. لكنّ الفحوص المناسبة تختلف بحسب العمر والتاريخ العائلي ونمط الحياة والحالة الصحية.
ولا ينبغي إغفال تقييم الصحة النفسية، ومراجعة حالة التطعيمات، ومناقشة النوم والنشاط البدني والتدخين، إلى جانب إجراء فحوص وظائف الكلى عند وجود عوامل خطورة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم. والقاعدة الأساسية هنا أن الفحص الجيد ليس الفحص الأكثر عددا، بل الفحص الذي ثبت أن فائدته تفوق أضراره لدى الشخص المناسب وفي الوقت المناسب.
رغم أن بعض الأمراض قد تتطور دون أعراض، فإن الجسم يرسل أحيانا إشارات تستحق الانتباه، ولا ينبغي تفسيرها تلقائيا بأنها مجرد نتيجة للتعب أو التقدم في السن. ومن أهم هذه الإشارات:
عندما نتحدث عن صحة الرجل، غالبا ما يتجه الاهتمام إلى القلب والسكري والسرطان، بينما تحظى الصحة النفسية باهتمام أقل مما تستحق. فقد يواجه الرجل القلق أو الاكتئاب أو الضغوط النفسية الشديدة دون أن يطلب المساعدة، إما لأنه لا يتعرف إلى الأعراض، أو لأنه يخشى نظرة المجتمع، أو لأنه يعتقد أن عليه حل جميع مشكلاته بنفسه. وفي بعض الحالات، قد يظهر الضيق النفسي في صورة تهيج أو انسحاب اجتماعي أو اضطرابات النوم أو الإفراط في العمل أو استعمال مواد ضارة، بدلا من التعبير المباشر عن الحزن.
وقد أظهر تقرير صادر عن المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا أن التصورات التقليدية للرجولة قد تعيق طلب المساعدة النفسية، وأن تشجيع الرجال على الحديث عن مشكلاتهم في بيئة داعمة يمكن أن يسهم في تخفيف هذه العوائق. ولهذا، فإن الرسالة التي ينبغي ترسيخها بسيطة: طلب المساعدة النفسية ليس اعترافا بالفشل، تماما كما أن استشارة طبيب القلب عند ظهور أعراض مقلقة لا تعني ضعف الشخصية. فالدماغ عضو من أعضاء الجسم، والصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة.
على أهمية الفحوص الطبية، فإن الوقاية لا تُختزل في التحاليل والتصوير الطبي. فجزء كبير من المخاطر الصحية يرتبط بعوامل يمكن تعديلها، مثل التدخين والخمول البدني والنظام الغذائي غير المتوازن واضطرابات النوم والإفراط في استهلاك الكحول. ويمكن للنشاط البدني المنتظم، والمحافظة على وزن مناسب، وتناول غذاء متوازن، والامتناع عن التدخين، والتحكم في ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول، أن تقلل مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.
لكنّ الوقاية لا تعني ضمان عدم الإصابة بالمرض. فقد يصاب أشخاص يتبعون أنماط حياة صحية بأمراض لأسباب وراثية أو بيولوجية أو بيئية خارجة عن سيطرتهم. ولهذا، يجب ألا تتحول الدعوة إلى الوقاية إلى تحميل المرضى مسؤولية إصابتهم بالأمراض، بل إلى تمكينهم من اتخاذ قرارات صحية أفضل، وتوفير خدمات تساعدهم على ذلك.
ربما حان الوقت لإعادة النظر في بعض الأفكار التي تربط قوة الرجل بقدرته على الصمت والتحمل. فالرجل الذي يذهب إلى الطبيب عندما يحتاج إلى المساعدة لا يصبح أقل قوة، والرجل الذي يتحدث عن معاناته النفسية لا يفقد كرامته، والذي يخضع لفحص وقائي لا يعني أنه مهووس بالمرض. بل إن الاهتمام بالصحة يعكس إدراكا لقيمة الحياة وللمسؤوليات التي يحملها الإنسان تجاه نفسه وأسرته ومن يحب.
Loading ads...
والحقيقة التي ينبغي ألا ننساها هي أن بعض الأمراض لا تنتظر أن يجد الإنسان الوقت المناسب لمواجهتها. وقد يكون التأخير في طلب المساعدة مكلفا، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمراض يمكن علاجها أو التحكم فيها بصورة أفضل عند اكتشافها مبكرا. إن الرسالة التي يحملها "موفمبر" تتجاوز مجرد الدعوة إلى زيارة الطبيب؛ فهي دعوة إلى تغيير علاقتنا بمفهوم القوة والصحة والمرض. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على تحمل الألم بصمت، وإنما في امتلاك الوعي والشجاعة للتصرف عندما يستدعي الأمر ذلك. ولا ينبغي للرجل أن ينتظر حتى يفقد صحته كي يدرك قيمتها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




