الدكتورة فرانسيس كيلسي: حكاية امرأة واجهت العالم بصمت
الدكتورة فرانسيس كيلسي.
ليست كل البطولات صاخبة، ولا كل المنقذين يقفون تحت الأضواء أو في ساحات المعارك. أحيانًا، تولَد البطولة في مكاتب هادئة، خلف أوراق متكدسة، وبين أرقام باردة، حين يختار إنسان واحد أن يصغي لضميره أكثر مما يصغي للضغوط، ويقول كلمة صغيرة لكنها ثقيلة الوزن: لا. هذه ليست مجرد قصة طبية، بل قصة الدكتورة فرانسيس كيلسي ، المرأة التي فَهمت أن مسؤولية العلم لا تتوقف عند حدود القانون، بل تبدأ من حماية مَن لا صوت لهم… حتى لو لم يعرفوا يومًا مَن أنقذهم.
مَن هي الدكتورة فرانسيس كيلسي ؟
وُلدت فرانسيس أولدهام كيلسي عام 1914، ونشأت في زمن لم يكن يُنظر فيه إلى النساء كصانعات قرار في العلوم، ولا كأصوات يُعتمد عليها حين تتعارض المصالح. درست الصيدلة، ثم الطب، واختارت أن تعمل في مجال تنظيم الأدوية، ذلك المجال الصامت الذي لا يَعرف الشهرة، لكنه يحمل على عاتقه أرواح الملايين. وعندما التحقت بإدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 1960، كانت في السادسة والأربعين من عمرها، جديدة في منصبها، ومحاطة برجال اعتادوا أن تمر الملفات أمامهم بسرعة، دون أن يتوقف أحد كثيرًا عند الأسئلة الصعبة.
اليوم الأول… والملف الذي لم يكن عاديًا
في أول أيام عملها، وُضع على مكتب الدكتورة فرانسيس كيلسي ملف يبدو في ظاهره عادياً تمامًا. شركة أدوية كبرى تطلب الموافقة على عقار مسكن جديد يُدعى كيفادون، يحتوي على مادة اسمها الثاليدومايد، الذي كان دواءً ذائع الصيت في أوروبا وكندا، يتحدث عنه الأطباء بحماس، وتتناقله الإعلانات كحل سحري للألم، والقلق، والأرق، وحتى لغثيان الصباح لدى النساء الحوامل.
كان الدواء يُباع في بعض الدول دون وصفة طبية، وكانت التوقعات التجارية تشير إلى أرباح هائلة في الولايات المتحدة قبل موسم الأعياد.
ذلك الإحساس الخفي الذي لا تُدرّسه الكتب
جلست الدكتورة فرانسيس كيلسي تقرأ الملف ببطء، ليس لأن لديها متسعًا من الوقت، بل لأن شيئًا ما في داخلها لم يكن مطمئنًا. كلما تقدمت في الصفحات، شعرت أن البيانات لا تقول كل ما يجب أن يُقال، وأن دراسات السلامة تبدو مختصرة أكثر مما ينبغي، وأن الأسئلة الأهم… لم يُجب عنها أحد وهي: كيف يتصرف الجسم مع هذا الدواء؟ وماذا يحدث عند تناوله لفترات أطول؟ والسؤال الأخطر: ماذا عن النساء الحوامل؟ لم تجد إجابة واضحة، ولم تجد ما يطمئنها علميًا ولا أخلاقيًا.
قرار «لا»… وبداية العاصفة
رفعت رأسها، وأعادت الملف مع عبارة هادئة لكنها حاسمة: «البيانات غير كافية. الطلب مرفوض.»
لم يكن القرار تقنيًا فحسب، بل كان تحديًا صريحًا لمصالح ضخمة. انهالت الضغوط، والاتصالات، والزيارات، ومحاولات التشكيك والترهيب. قيل لها إنها تبالغ، وإن الدواء مستخدَم في عشرات الدول، وإنها مجرد بيروقراطية تعرقل التقدم، بل واتُّهمت بأنها تؤذي المرضى بحرمانهم من علاج مفيد.
امرأة وحدها… في وجه نظام كامل
كانت جديدة في عملها، بلا نفوذ، بلا حماية، بلا سابقة يمكنها الاستناد إليها. وكان من السهل جدًا أن توقّع، وتقول: «إذا كان العالم كله وافَق، فلا بد أنني المخطئة». لكن فرانسيس كيلسي لم تكن ترى نفسها مسؤولة أمام الشركات، ولا أمام رؤسائها فقط، بل أمام أولئك الذين لن يقرأوا التقارير ولن يفهموا المصطلحات، لكنهم سيدفعون الثمن بأجسادهم إن أخطأ العلم.
الحقيقة التي ظهَرت متأخرة
في نوفمبر 1961، بدأت الأخبار القادمة من أوروبا ترسم صورة مرعبة. أطفالٌ يولَدون بلا أطراف، أو بأطراف مشوهة، وبتشوهات داخلية لا تُحتمل. وسرعان ما تكشّف السبب: أمهاتهم تناولنَ دواء الثاليدومايد أثناء الحمل.
أكثر من عشرة آلاف طفل تضرروا في أوروبا وكندا، ونصفهم لم ينجُ من عامه الأول، ومن عاش حمل الإعاقة طوال حياته.
أمريكا التي نجت بصمت
في الولايات المتحدة، لم تقع الكارثة. ليس لأن الخطر لم يكن موجودًا، بل لأن امرأة واحدة رفضت أن تتجاهل الشك. ظهَرت بضع حالات فقط بسبب عينات تجريبية، لكن المأساة الجماعية لم تحدث. آلاف الأطفال كبروا، وركضوا، وضحكوا، دون أن يعرفوا أبدًا كم كانوا قريبين من مصير مظلم.
التكريم… والدرس الأهم
كرّمها الرئيس جون كينيدي عام 1962، لكن التكريم الحقيقي لم يكن الميدالية، بل التغيير الجذري في قوانين اختبار الأدوية، والإقرار العالمي بأن سلامة المرضى لا تُبنى على الثقة وحدها، بل على الشك العلمي المسؤول.
Loading ads...
آخر تعديل بتاريخ
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




