ساعة واحدة
لماذا لا يحق لي كامرأة عراقية انتقاد المدونة الجعفرية دون اتهامي بالعمالة للغرب؟ - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

لم يكن للدعايات الدينية بقدوم قانون منصف للنساء، أثر حقيقي على إحدى معارفي، هذه الأم المطلّقة التي فضّلت إضرام النار في جسدها المخزن بالنفط والعيش مع ندوب أبدية، لحظة سحب ابنها من حضانتها لمصلحة طليقها. طليقها الذي لا يعرف عن الصغير سوى اسمه، ولم يزره خلال سنوات حياته السبع حتى في أثناء "المشاهدة"، ولم يمر سوى أقل من شهر على إقرار المدونة الجعفرية، حتى جاء يستلم الطفل جاهزاً، وعارفاً، مما يتحسّس جسده وكيف عليه التعامل مع نوبات الربو المفاجئة بمفرده.
كانت مرتعبة من اتصالات طليقها ورسائله، وهو الذي يعترف بأنه قصد أن يلوي قلبها ويحرقه على ابنها بمجرد إقرار القانون رغم أن عقد زواجهما وطلاقهما كانا على قانون آخر وهو القانون رقم 188 لسنة 1959 المدني. ولكنه كان قادراً على تحويل عقد الطلاق بحيث تسري كل بنود القانون الجديد عليه، بما فيها سحب حضانة الطفل من الأم مباشرةً بعد أن يبلغ المحضون سبع سنوات. ولم تنفع محاولات الأم الوصول إلى رجال دين إذ كان ردهم الوحيد على دموعها أن القانون مصمَّم لـ"إنصاف المرأة"، وأن عليها ألّا تكون "حسّاسة زيادة".
بعد عام على بدء العمل ببنود المدونة الجعفرية، أرى بأم عيني آثار تطبيقها بوضوح على النساء من حولي. في وقت تصرّ فيه السلطات التي أقرّت القانون على اتهام المعترضين على القانون ومنتقديه بالسردية المعتادة؛ "العمالة للغرب" و"محاولة تدمير المذهب الشيعي". لكنّه ليس سوى موقف دفاعي مشدود، تدحضه وتسقطه دموع الأمهات والزوجات وصرخاتهن في المحاكم.
وعلى رغم أن فيديوهات الأمهات المستغيثات من تبعات تطبيق هذه المدونة عليهن وعلى أبنائهن، وتوسلاتهن بطلب الحماية، لا تغطّيها بغربال أساليب التكميم، تتحوّل المرأة التي يمسّ القانون حياتها الزوجية ويحدّد خياراتها، إلى متهمة حين تعترض على أحكامه وتطالب بالإنصاف. بل ويُنسب خوفها على حقوقها وعلى أطفالها إلى جهات أجنبية، وتُنتَزع من اعتراضها أسبابه التي تعيشها داخل بيتها وفي المحاكم، كأنّ المرأة العراقية تحتاج إلى توجيه من الخارج حتى تدافع عن حياتها وحقوقها.
فلا يحق لي كشيعية، تفنيد مواد المدونة والحديث عنها أو انتقادها واعتبارها ظالمة لحياتي الشخصية وقراراتي بحجم هائل من الوصاية القامعة قبل اتهامي بـ""تنفيذ أجندة خارجية".
أقرّ البرلمان العراقي المدونة الجعفرية في 27 آب/ أغسطس 2025، وبدأ العمل بها مع نشرها في الجريدة الرسمية يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بعدما أتاح تعديل قانون الأحوال الشخصية، في كانون الثاني/ يناير من العام نفسه، إخضاع قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث لأحكام المذهب الشيعي الجعفري.
من بين مواد المدونة الـ337، فضلاً عن نقل حضانة الطفل من الأم إلى الأب عند بلوغه سبع سنوات، حرمان الزوجة من إرث أرض زوجها، فيما يرث الزوج من أرض زوجته وسائر تركتها. كما تمنح الزوج حق منع زوجته من الخروج من المنزل إلا في حالات محدّدة، وتُبقي زواجه بأخرى أو طلاقه صحيحاً حتى إذا خالف شرطاً في العقد تعهّد به.
ومن أبرز المواد الخلافية أيضاً، المادة الثانية من قانون الأحوال الشخصية بعد تعديلها، والتي تتيح إخضاع عقود زواج سابقة لأحكام المذهب الجعفري بطلب من أحد الزوجين، متى استوفت شروطاً معينة، ولا تُشترط لذلك موافقة الطرف الآخر. وبذلك، يمتد أثر التعديل إلى نساء تزوّجن وفق القانون رقم 188 وبنين حياتهن على الحقوق التي منحهن إياها، لتتغيّر الأحكام التي تنظّم طلاقهن وميراثهن وحضانة أطفالهن.
يظهر ثقل هذه المادة في حياة أمهات عراقيات دفعهن الخوف من فقدان حضانة أطفالهن إلى "الهروب" إلى مدن أخرى، وترك بيوتهن ووظائفهن، بحثاً عن مكان يستطعن فيه الاحتفاظ بأطفالهن، بعدما أصبح استقرارهن مهدّداً بطلب يستطيع الزوج تقديمه منفرداً.
هكذا، لم تترك المدونة للأمهات المطلّقات سوى أحد ثلاثة خيارات كل منها أشد قسوة، فإما خسارة أبنائهن، وإما الهروب بهم وبدء حياة غير مستقرة بعيداً من الأعين والعيش مطاردات، وإما قتل أنفسهن... فأي قانون هذا؟
فضلاً عما سبق، تستغبي المدونة النساء بمنحهنّ شروطاً تصلح لطمأنتهنّ عند الزواج، لكنها تتهاوى عند أول خلاف. فمثلاً، يحق لهن بموجبها أن تشترط الزوجة على زوجها عدم الزواج من ثانية. ومع هذا، نفس المادة تحفظ للزوج صحة زواجه الثاني والثالث إن خالف شرط الزوجة، من دون أن تمنحها مخالفته هذا الشرط مثلاً، حقّ فسخ العقد.
وتتكرّر فكرة "أخذها على كد عقلها" مع اشتراط موافقتها وعلمها المسبق بمسألة الطلاق، مع إبقاء هذا الطلاق صحيحاً إن وقع من دون رضاها أو معرفتها فيما تنتهي ببساطة مسؤولية الزوج عن مخالفة هذه الشروط عند اعتباره آثماً فقط. تناقش نساء نسويات وغير نسويات هذه البنود علناً ويعبّرن عن مخاوفهن من تبعاتها على النساء، فيُتَّهمن بـ"إسقاط المجتمع".
وتبدأ هذه المعاملة - معاملة المرأة ككائن منقوص الأهلية - من اللحظة التي تختار فيها المرأة شريكها. ففي حين يمكن للرجل البالغ الرشيد أن يتزوّج بقراره، تقف المرأة البالغة الرشيدة أمام ضرورة موافقة أبيها أو جدّها إن كانت بكراً، ولو تجاوزت الثامنة عشرة. الرشد الذي يكفي الرجل يحتاج من المرأة إلى رجلٍ يصدّق عليه. وحتى حين تمنحها المدونة حقّ الانفراد بقرارها، تربطه بتعذّر الوصاية أو تخلّي الوليّ عنها أو منعه زواجها خلافاً لمصلحتها، كأنّ أهليتها لإدارة حياتها تظهر حين يغيب "صاحب السلطة عليها".
الصلاحيات عينها التي تقدّمها المدونة بيسر للرجل، تسحبها من المرأة إلى الجميع باستثنائها. فمثلاً نجد مسموحاً أن يزوج الأب ابنته البالغة 12 عاماً فقط، إن كان موافقاً بحسب المدونة، لكن البالغة الناضجة لا تستطيع تزويج نفسها إلا بموافقة ولي أمرها. غريب ومقرف أليس كذلك؟
هكذا ترى السلطة الدينية -وأتباعها- المرأة تماماً كما تعتاش على إسقاط المرأة المعترضة في فخّ السطحية الإقصائية. بعد كلّ فضيحة تكشف انهيار أثر منظومة القانون على الأسرة إذ تفتح عبر مُطبّليها، قضايا موازية، بما فيها مقارنات، واتّهامات، وتسخيف للقضيّة الأبرز وهي المرأة والطفل وحقوقهما، مع إدخال "طرف ثالث" من خارج الحدود يُلصَق بالمرأة العراقية التي لم تخرج من بيتها إلا بموافقات وشروط تعجيزية.
التهمة جاهزة هنا، وهي "أجندات… روبوتات بشرية لتدمير المجتمع والدولة". هذا الخطاب يُخيف المتلقّين ويدفع بكثير من النساء إلى الصمت خشية تلويث أسمائهن بالاتهام بالتحالف مع "دول عدوّة"، وهو ما قد يؤدّي إلى قتلهن أو إلحاق الأذى بهن على أقل تقدير. إحدى أدوات الترهيب الشائعة هي ربط أي حادثة بـ"الماسونية" غايتها تحطيم المجتمع. لكن في الحقيقة، أعتقد أنه من الضروري اليوم الوقوف والاعتراف بصوتٍ عالٍ أن من يدمّر المجتمع العراقي هو هذه المدونة وأحكامها… هذه قوانينكم وما تفعله وليس توجيه الغرب ولا قوانينه، وإنما قوانينكم التي تجعل امرأة يائسة تفكّر في قتل نفسها للتخلّص من ظلمها.
حتى داخل الوسط الديني الشيعي، تظهر مواقف تناقض محاولة تقديم الاعتراض على القانون كعداء للمذهب. فرغم محدودية التصريحات الحديثة، عبّر المرجع الديني كمال الحيدري، في 2024، عن رفضه إضفاء نزعة مذهبية على قانون الأحوال الشخصية، محذّراً من هدم الروابط الاجتماعية والأسرية التي يجمعها القانون.
وبعد تطبيق المدونة، قال الشيخ هاشم الموسوي، في تموز/ يوليو 2026، إن التجربة كشفت مشكلات اجتماعية لم تكن منظورة عند إقرارها، وإن تجدّد نزاعات الحضانة بين الأزواج المنفصلين أضرّ بالأسر، خصوصاً الأطفال، مطالباً بمراجعة أحكام الأثر الرجعي وإلغاء حق التخيير. لكنّ رجلي الدين واجها اعتراضات من مؤيدي القانون الذين اعتبروهما "منحرفَين ومموَلين". وهكذا يستطيع القمع فعل أي شيء. فلا أعلم حقيقة، من يستطيع الحديث حول القانون إذ يصبح حتى رجل الدين متهماً لو فكر في الاعتراض على المدونة؟
ورغم ذلك، بوقاحة يعترف كثيرون -بألسنةٍ متشفّية- بأذى المدونة وقسوتها وعدم إنصافها. يتعامل بعض الرجال مع المدونة كفرصة لـ"تأديب" النساء وإعادتهنّ إلى البيوت، محتفلين بما تمنحهم من سلطة على زوجات يصوّرون حقوقهنّ السابقة كظلمٍ وقع عليهم.
حتى الوعد بأن المدونة من شأنها أن تقلّل من حالات الطلاق يستحقّ النظر في الثمن الذي ستدفعه النساء لتحقيقه لأن انخفاض نسب الطلاق هذا سيعني أن الكثيرات اضطررن إلى الاستمرار في زواج مؤذٍ خشية فقدان أطفالهن، فيما تتحمّل أخريات الإهانة والعنف خوفاً من خسارة مورد إعالتهن، خصوصاً حين تكون بلا دخل أو معيل. يصبح استمرار الزواج تحت هذا الضغط رقماً يحتفي به مؤيدو المدونة وهو في الحقيقة ليس سوى غطاء لجرائم كبيرة في حق المرأة.
تكشف لغة التشفّي المصاحِبة لهذا الاحتفاء عن خصومة مع قدرة المرأة على المغادرة أو حتى نيل حقوق موازية لحقوق الرجل. تُستعاد رواية القانون السابق الذي "ظلم الرجل"، رغم أنّ قانون الأحوال الشخصية رقم 188 أبقى امتيازات له وقيوداً عليها، منها إسقاط نفقتها إذا تركت بيت الزوجية دون إذن وبغير مسوّغ شرعي. ثم يُسمّى بقاؤها تحت الخوف، وتحمّلها الأسى والقوانين الظالمة، "حفاظاً على تماسك الأسرة". يعيد القانون تركيب مفهوم الحفاظ على الأسرة من طريق تضييق الخناق على المرأة وحقوقها.
ومثال آخر على ذلك، في أحكام العقم حيث تستبعد المدونة العقم من أسباب فسخ الزواج لدى الطرفين، فيبدو الحكم متساوياً ظاهرياً، فيما تختلف الحياة التي يفرضها على كلّ منهما. يستطيع الرجل المتزوج من امرأة عقيم أن يتزوج بأخرى وينجب، محتفظاً بزواجه الأول، أما المرأة المتزوجة من رجل عقيم، فيتوقّف سعيها إلى الأمومة على قدرتها على إنهاء الزواج عبر أسباب وإجراءات أخرى، بعدما استُبعد العقم سبباً يمنحها حقّ الفسخ.
ورغم كل الترهيب، ولأن تبعات المدونة على النساء لا تتوقّف وأرصدها في مجتمعي كل يوم بشكل متزايد، لن أتوقف عن انتقاد أحكام المدونة الجعفرية إن اتهموني بالعمالة أو الماسونية أو أو أو... فأنا عراقية شيعية وهذه المدونة مربوطة بحبل حياتي.
وهنا، يزعجني أنني مضطرة إلى وصف نفسي بالشيعية، فلم يكن يخطر لي أنني سأكون يوماً بحاجة إلى تصنيف نفسي دينياً ومذهبياً كي أبرهن على حقي في الحديث عن مسألة تمس حياتي إلي هذا القدر في حين أنها تظل مسألة تخصّ كل العراقيات وتتعلّق بحقوق الإنسان.
Loading ads...
مع ذلك، ما يؤلم أكثر أن هذا الحديث مثل مكنسة للهواء، قد لا يغيّر شيئاً سوى حفر المزيد من الجروح في قلوبنا كنساء لا نملك سوى أن نظل نصرح ونطالب بحقوقنا أمام سيل من القوانين والاتهامات والتحريض. مع هذا، فليس لصاحب الحق سوى حقه وإن كان وحيداً، وأنا وغيري من النساء في هذه البلاد، صاحبات حق، ولن نتركه مهما طال الزمن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





