ساعة واحدة
عودة مؤجلة ووطن جديد.. كيف يرى السوريون في أوروبا "سوريا الجديدة"؟
السبت، 23 مايو 2026
لم يعد سؤال العودة بالنسبة إلى السوريين في أوروبا مرتبطاً فقط بسقوط نظام الأسد المخلوع أو تغير الحال السياسي، بل بات سؤالاً أعقد يتعلق بشكل الحياة الممكنة في سوريا، وبحجم ما بناه السوريون خلال سنوات اللجوء الطويلة في القارة الأوروبية.
فبعد أكثر من عقد على موجات النزوح الكبرى، تبدو العلاقة بين السوريين وأوروبا قد تجاوزت فكرة "اللجوء المؤقت"، لتتحول تدريجياً إلى حالة استقرار اجتماعي وقانوني ومعيشي، يصعب فكّها بقرار سياسي أو بحزمة دعم مالي للعودة.
تؤكد دراسات وتقارير أوروبية حديثة، خلال الأشهر الأولى من عام 2026، أن السوريين في أوروبا باتوا يشكلون واحدة من أكثر مجموعات اللاجئين اندماجاً في عدد من الدول الأوروبية، خصوصاً في ألمانيا التي تستضيف الكتلة الأكبر منهم.
ووفق دراسة لمعهد أبحاث سوق العمل والتوظيف الألماني، ارتفعت نسبة توظيف اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا خلال موجة 2015 إلى نحو 64 % بحلول عام 2024، مقتربة من المعدل العام للتوظيف في البلاد، فيما يعمل معظمهم ضمن وظائف نظامية خاضعة للتأمينات الاجتماعية أو في مشاريعهم الخاصة.
وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد الوجود السوري في أوروبا مقتصراً على المساعدات أو مراكز اللجوء، بل توسع إلى قطاعات تعاني أصلاً من نقص العمالة مثل الرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية، والبناء، والمطاعم، والصناعات التقنية.
وفي تقييم لقانون الهجرة الجديد، ذكر تقرير نشره البوندستاغ الألماني أن آلاف السوريين دخلوا برامج التدريب المهني والتعليم الجامعي، بينما تمكن قسم منهم من تأسيس شركات صغيرة ومتوسطة أو الاندماج في وظائف تخصصية بعد معادلة الشهادات وتعلم اللغة.
في سياق آخر، أظهرت أبحاث متخصصة حول اندماج اللاجئين السوريين في ألمانيا أن العلاقة مع المجتمع الأوروبي لم تعد مجرد "إقامة مؤقتة"، بل تحولت تدريجياً إلى ارتباط اجتماعي واقتصادي طويل الأمد، خاصة لدى العائلات والأجيال الأصغر سناً، فعدد كبير من الأطفال السوريين دخلوا المدارس والجامعات الأوروبية، فيما حصل مئات الآلاف من السوريين على إقامات دائمة أو جنسيات أوروبية خلال السنوات الماضية، الأمر الذي جعل فكرة العودة أكثر تعقيداً من مجرد قرار سياسي أو أمني.
وفي المقابل، باتت الحكومات الأوروبية نفسها تنظر إلى السوريين بوصفهم جزءاً من سوق العمل المحلي، لا مجرد ملف لجوء، وهذا ما أثاره حديث المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، خلال زيارته إلى دمشق في آذار 2026، عن إمكانية عودة أعداد كبيرة من السوريين، نقاشاً واسعاً داخل ألمانيا، بعدما حذرت أصوات اقتصادية من أن خسارة العمالة السورية قد تؤثر على قطاعات تعاني أساساً من نقص الموظفين، خصوصاً في الصحة والخدمات والبناء.
ورغم هذا الاندماج المتزايد، لا يزال كثير من السوريين ينظرون إلى علاقتهم بأوروبا بوصفها حالة مزدوجة: استقرار وحياة وفرص من جهة، وارتباط دائم بسوريا من جهة أخرى. ولهذا، تتزايد في النقاشات الأوروبية مؤخراً فكرة "الهجرة الدائرية" أو "العودة المرنة"، أي السماح للسوريين بالتحرك والعمل بين أوروبا وسوريا دون خسارة وضعهم القانوني الكامل، في محاولة للتوفيق بين إعادة إعمار سوريا والحفاظ على الاستقرار الذي بناه اللاجئون خلال سنوات اللجوء الطويلة.
في ألمانيا، التي تضم أكبر تجمع للسوريين في أوروبا، يتصاعد النقاش السياسي منذ مطلع عام 2026 حول مستقبل اللاجئين السوريين، بين الحاجة الاقتصادية إليهم، والضغوط السياسية المطالبة بتشجيع العودة.
وكشفت مجلة "فوكس" الألمانية أن وزارة الداخلية تبحث رفع مساعدات العودة الطوعية للسوريين إلى نحو 8 آلاف يورو، مقارنة بنحو ألف يورو حالياً، بهدف تشجيع مزيد من اللاجئين على مغادرة البلاد، في وقت تشير البيانات إلى وجود أكثر من 900 ألف سوري في ألمانيا لا يحملون الجنسية الألمانية، بينهم أكثر من نصف مليون يحملون إقامات مؤقتة، كما يناقش المسؤولون الألمان مراجعة برامج الحماية وبعض الإجراءات القانونية المرتبطة بوضع اللاجئين السوريين.
وفي موازاة ذلك، ما يزال ملف لم الشمل العائلي واحداً من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع السوري في ألمانيا، رغم أن البيانات الحكومية تظهر أن طلبات لمّ شمل عائلات اللاجئين لا تشكل سوى نسبة محدودة من إجمالي طلبات الهجرة العائلية.
ووفق رد حكومي على استفسار برلماني، شكلت طلبات لم شمل أسر اللاجئين والحاصلين على الحماية نحو 13 بالمئة فقط من مجموع قرارات التأشيرات العائلية الصادرة بين مطلع عام 2025 ونيسان 2026، بينما تعلقت النسبة الأكبر بأزواج وعائلات عمالة أجنبية أو مواطنين ألمان.
ومع ذلك، يواصل آلاف السوريين مواجهة فترات انتظار طويلة وإجراءات معقدة لاستقدام أفراد عائلاتهم، ما يجعل فكرة “الاستقرار النهائي” في أوروبا مرتبطة أيضاً بإعادة جمع الأسر الموزعة بين عدة دول.
ولا يرفض معظم اللاجئين السوريين فكرة العودة من حيث المبدأ، لكنهم يتعاملون معها بحذر شديد، وسط مخاوف أمنية واقتصادية وخدمية، مقابل شعور متزايد بالاندماج والاستقرار النسبي داخل أوروبا، وفق دراسة حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة حول السوريين في بلجيكا.
ورغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد نهاية عام 2024، فإن المزاج العام بين السوريين في بلجيكا لا يشير إلى موجة عودة واسعة وقريبة، حيث تظهر الدراسة أن 7 % فقط من المشاركين ينوون العودة خلال عام واحد، بينما يفضّل القسم الأكبر "الانتظار ومراقبة التطورات".
ويبدو أن كثيراً من السوريين باتوا ينظرون إلى العودة كمسار طويل ومشروط، لا كخطوة فورية مرتبطة بتغيّر سياسي واحد، فسنوات الحرب والنزوح لم تغيّر فقط الجغرافيا، بل أعادت تشكيل حياة كاملة في أوروبا، من التعليم والعمل إلى العلاقات الاجتماعية ومستقبل الأبناء.
كما أن جزءاً من اللاجئين لم يعد يتعامل مع أوروبا كمحطة مؤقتة، بل كمساحة استقرار نسبي بعد سنوات طويلة من عدم اليقين، ما جعل فكرة العودة النهائية أكثر تعقيداً من السابق.
تكشف دراسة المنظمة الدولية للهجرة أن العامل الأمني ما يزال العنصر الأكثر تأثيراً في قرارات العودة، إذ اعتبر كثير من المشاركين أن غياب الاستقرار الكامل واستمرار المخاوف الأمنية يشكلان العائق الأساسي أمام اتخاذ قرار الرجوع.
لكن المخاوف لا تتعلق بالأمن فقط، بل تمتد إلى البنية الحياتية اليومية: الكهرباء، المياه، المدارس، الرعاية الصحية، وفرص العمل. فعدد من السوريين الذين تمت مقابلتهم في الدراسة قارنوا بشكل مباشر بين مستوى الخدمات الذي اعتادوا عليه في أوروبا، وبين واقع ما تزال تعانيه مناطق واسعة داخل سوريا.
كما برزت قضايا السكن والملكية والوثائق الرسمية كعوامل مركزية، خاصة لدى من فقدوا منازلهم أو يواجهون مشكلات قانونية تتعلق بالأوراق الثبوتية أو الممتلكات. وبالنسبة لكثيرين، تبدو العودة دون ضمانات معيشية واضحة أقرب إلى مغامرة جديدة لا إلى استعادة حياة سابقة.
وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، تطورت علاقة السوريين بأوروبا من علاقة "حماية مؤقتة" إلى ارتباطات أعمق وأكثر استقراراً، فآلاف السوريين حصلوا على الجنسية البلجيكية أو إقامات طويلة الأمد، فيما نشأت عائلات جديدة، ودخل الأبناء المدارس والجامعات، وبدأ كثيرون ببناء مسارات مهنية مستقرة.
وتشير الدراسة إلى أن السوريين الذين وصلوا إلى بلجيكا قبل عام 2020 أكثر ميلاً للتفكير بالعودة مقارنة بالواصلين الجدد، ليس بسبب ضعف اندماجهم، بل على العكس، لأن الاستقرار الذي حققوه منحهم قدرة أكبر على التفكير بهدوء في المستقبل واتخاذ قرارات أقل اضطراراً.
في مقابل ذلك، يعاني القادمون الجدد من أوضاع أكثر هشاشة، سواء على مستوى السكن أو العمل أو الوضع القانوني، ما يجعل فكرة العودة بالنسبة لهم مرتبطة أحياناً بالشعور بالضغط أو الانسداد، لا بالرغبة الفعلية.
خلال الأشهر الماضية، بدأت عدة دول أوروبية طرح برامج تشجع السوريين على العودة الطوعية، تتضمن مساعدات مالية وحزم دعم لإعادة الاندماج. وفي بلجيكا، أُعلن عن برامج قد تصل إلى خمسة آلاف يورو لبعض الفئات.
لكن المنظمة الدولية للهجرة تؤكد بوضوح إلى أن الحوافز المالية وحدها لا تبدو قادرة على تغيير المزاج العام تجاه العودة، إذ اعتبر كثير من المشاركين أن المشكلة لا تتعلق بتكاليف السفر أو البداية الجديدة فقط، بل بغياب تصور واضح للحياة داخل سوريا على المدى الطويل.
وفي المقابل، أبدى عدد كبير من السوريين اهتماماً بفكرة الزيارات المؤقتة أو العودة التدريجية، أي القدرة على زيارة سوريا وتقييم الأوضاع دون خسارة الإقامة أو الحماية القانونية في أوروبا.
ويعكس ذلك رغبة متزايدة لدى قسم من اللاجئين بالحفاظ على علاقة مزدوجة بين البلدين، بدلاً من الاختيار الحاد بين البقاء النهائي أو العودة النهائية.
تكشف المقابلات التي تضمنتها الدراسة جانباً نفسياً وهوياتياً معقداً في علاقة السوريين بأوروبا وسوريا معاً، فالكثير من اللاجئين يتحدثون عن شعور دائم بأنهم ليسوا أوروبيين بالكامل، حتى بعد سنوات طويلة من الإقامة أو الحصول على الجنسية، لكنهم في الوقت نفسه لم يعودوا قادرين على تخيل العودة إلى سوريا بالشكل الذي كانت عليه حياتهم سابقاً.
كما يظهر بوضوح أثر الأبناء في قرارات العائلات، إذ يخشى بعض الأهالي من فقدان الأطفال فرص التعليم والاستقرار التي حصلوا عليها في أوروبا، بينما يخشى آخرون من انقطاع أبنائهم الكامل عن سوريا وهويتهم الأصلية.
وبين هذين القلقين، تتشكل لدى كثير من السوريين فكرة "الحياة العابرة للحدود"، أي العمل أو الاستثمار أو الزيارة بين أوروبا وسوريا، دون التخلي الكامل عن أي من الجانبين.
في المحصلة، لا تعكس الدراسة رفضاً سورياً واسعاً لفكرة العودة، بقدر ما تكشف عن تحوّل عميق في معنى "البيت" نفسه بعد سنوات الحرب واللجوء، فبالنسبة لكثيرين، لم تعد العودة مرتبطة فقط بفتح الحدود أو تبدل السلطة، بل بإعادة بناء شروط الحياة الطبيعية والأمان والاستقرار.
كما أن التجربة الأوروبية نفسها غيرت نظرة قسم من السوريين إلى المستقبل، بعدما تحولت سنوات اللجوء إلى إقامة دائمة وعلاقات وعائلات وجنسيات جديدة.
Loading ads...
ولهذا، تبدو العودة بالنسبة إلى كثير من السوريين اليوم أقرب إلى احتمال مؤجل ومشروط، لا إلى موجة قريبة أو قرار جماعي سريع، في وقت تحاول فيه أوروبا الموازنة بين سياسات الهجرة والضغوط الداخلية من جهة، والحفاظ على خطاب “العودة الطوعية الآمنة” من جهة أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


