هل يمكن أن تكون "موضة" اليوم هي قيد الأمس؟
في عالم النساء الغامض غالباً سيكون الجواب نعم، تستطيع القيود أن تتخذ أشكالاً جديدة مع الزمن للتحول من قيود إلى حلية وزينة، لتخفي تاريخها ورموزها، وهذا ما حدث مع خلخال صديقتي.
قلت لها: "لا يبدو هذا الخلخال ثقيلاً على القدم كما كان في العصور القديمة، إذ كانت بعض الخلاخيل تحمل أوزاناً ومعاني مختلفة".
بمجرد أن رأيته سيطرت على عقلي فكرة واحدة "القيد"، وسرعان ما قادتني الفكرة هذا إلى سجن "بانوبتيكون"، وفكرة التطويع عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
اقترح الفيلسوف والمفكر القانوني الإنكليزي جيريمي بنثام، أحد أهم مؤسسي الفلسفة النفعية، في القرن الثامن عشر تصميم سجن "بانوبتيكون"، وهو مبنى دائري يتوسطه برج مراقبة بنوافذ معتمة، بينما تحيط به الزنازين من كل جانب. يستطيع السجين رؤية البرج، لكنه لا يعرف إن كان هناك حارس يراقبه، فيتصرف وكأنه مراقَب دائماً. فيضبط حركته ويراقب سلوكه. ومع الوقت، لا يعود وجود الحارس هو المهم، بل احتمال وجوده.
واشتُق اسم "بانوبتيكون" من الكلمتين اليونانيتين παν-، وتعني "الكل"، و-οπτικος، وتعني "الرؤية"، أي "رؤية الكل".
كانت صديقتي تزيّن كاحلها بخلخال ناعم من الذهب، وأشارت إلى أنه "موضة" عادت منذ العام الماضي، ضمن موضة التفاصيل الصغيرة التي قد تُغيّر المظهر العام.
أعتقد أن ما يذكّرني بالقيد هو إحاطته بالمكان ذاته الذي تطوّقه الأغلال، القيود التي تُوضع حول الكاحل، حتى إنني وجدت بعض الدلائل التاريخية التي ربطت بين الخلاخيل وقيود العبيد، بيد أن هذه العلاقة ضبابية وتشوبها الشكوك.
في مرحلة ما، لم يكن الخلخال مجرد زينة تزيّن كواحل النساء، بل بات رقيباً، كقيد أكثر تعقيداً وغير مرئي.
{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}، سورة النور (الآية 31).
بحسب تفاسير عدد من الفقهاء، كانت الدلالة في هذه الآية على الخلاخيل التي لبستها النساء في الجاهلية، إذ كنّ يضربن بأقدامهن الأرض حتى يُعلنّ عن وجودهن أمام الرجال، فجاء النهي حتى لا تنكشف الزينة الخفية.
وإذا قرأنا الآية من منظور فوكو، سيبدو وكأنها محاولة لتطويع أجساد النساء وضبط مشيتهن تحت رقابة ذاتية صارمة، حتى لا يصدرن أصوات خلاخيلهن أو يُظهرنها أمام الرجال.
السلطة عند فوكو لا تحتاج إلى القوة المباشرة لتطويع الفرد وضبطه، بل تعمل على الجسد، فتدرّبه وتنظّم حركاته، وتجعله يراقب نفسه ويضبط سلوكه حتى دون وجود من يراقبه فعلياً، فتنتج أجساداً طيعة. وهو المبدأ ذاته الذي يقوم عليه تصميم سجن "بانوبتيكون"، مثل المرأة التي تبدأ بمراقبة مشيتها حتى لا يصدر صوت خلخالها.
قد يصل التطويع عند فوكو إلى أبعد من ذلك، حيث لا يعود الفرد بحاجة إلى من يذكّره بالقاعدة، فقد استوعبها وتشبع بها إلى درجة يراقب فيها نفسه بنفسه للالتزام بها. وكذلك بعض النساء، حين بالغن في اتباعها إلى درجة أنهن امتنعن عن ارتداء الخلخال.
إذاً، لم تعد السلطة تراقب من الخارج عبر الوسائل المعتادة فحسب، بل انتقلت إلى طريقة أذكى وأكثر خفاءً، تجعل الفرد شريكاً في ضبط سلوكه. وقد انتقلت آلية بانوبتيكون إلى مرحلة أكثر عصرية، فالكاميرات المنتشرة في الأماكن العامة وأماكن العمل تجعل احتمال المراقبة حاضراً، حتى لو لم تكن المراقبة موجودة فعلياً.
في هذه الحالة، يشعر معظم الأفراد بأنهم تحت سلطة الرقابة، فيراقبون كلماتهم وسلوكهم وكل تصرف يصدر عنهم.
أو حين يعلن الرئيس في العمل عن وجود مُخبر، من دون أن يعرف الموظفون من يكون، أو يزرع الشك في أن الجميع يشي بالجميع. حينها تصبح آلية الرقابة على السلوك ذاتية، فالغالبية تطوّع سلوكها وتضبطه. ويمكن أن نسمّي ذلك صورة حديثة للتطويع عند فوكو، حيث يتحول احتمال الرقابة إلى آلية ذاتية للرقابة.
سيبدو ذلك واضحاً في عالم جورج أورويل في رواية "1984"، حيث لا يغيب "الأخ الأكبر" عن أعين الناس. وينطبق هذا أيضاً حين نكتب تحت رقابة الخط التحريري، فتصبح السياسة التحريرية حاضرة في أذهاننا قبل أن يراجع أحد ما كتبناه.
هنا تحديداً يتغير معنى القيد وآلياته، من شيء مادي يحيط بالجسد إلى قيود تستقر في العقول. ربما لهذا السبب لم أستطع أن أرى خلخال صديقتي كقطعة زينة فقط. وقد أكون بالغت في تفسيره الفوكوي.
حملت حلية القدم هذه معاني كثيرة عبر تاريخها، إذ لا يوجد زمن محدد لظهور الخلاخيل أو تحديد العصر الذي ظهرت فيه، لكنها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالحضارات النهرية.
في مصر القديمة، كانت النساء يزيّنَّ كواحلهن بالخلاخيل. وتوجد أمثلة على خلاخيل مصرية قديمة تعود إلى الدولة الوسطى، أي إلى نحو 1681 - 1640 قبل الميلاد.
لم يقتصر استخدامها على الزينة فقط، بل تحولت زينة الكاحل ذات الأجراس، في بعض التقاليد الهندية، إلى جزء من الأداء الموسيقي، إذ تُربط أجراس صغيرة حول كواحل الراقصين لتصدر أصواتاً مع حركة القدمين، فتساعد في إبراز الإيقاع وضبطه.
أما في بعض التقاليد الهندية، كان الخلخال رمزاً للحب والارتباط بين الرجل والمرأة. يُذكر أن المرأة الهندوسية غير المتزوجة قد تتلقى زوجاً من خلخال "payal" من زوجها المستقبلي، بوصفه رمزاً للحب. ولم يكن هذا المعنى يقتصر على الحب، فقد كان الخلخال أيضاً دليلاً على مكانة المرأة الاجتماعية وثروتها.
مثال لافت على ذلك نجده لدى شعب الإيغبو في نيجيريا، حيث كانت خلاخيل "ogba" الكبيرة والثقيلة رمزاً للمكانة الاجتماعية والثراء، وكان وزنها وحجمها يفرضان على المرأة طريقة معينة في المشي، ويعفيانها من الأعمال المنزلية.
السمة اللافتة للنظر هي الطريقة البارعة التي تحرك بها النساء أقدامهن أثناء المشي، فنادراً ما تصطدم الخلاخيل بعضها ببعض.
الحدود التي توضع حول الجسد تتسلل شيئاً فشيئاً إلى داخلنا، لتصبح قيوداً يصنعها العقل، فالتأثير المتبادل بين البيئة والعقل، لا يمكن إنكاره، والإنسان قد يتعلم القيد ويعتاده حتى لا يعود بحاجة إلى من يضعه له.
وكما يقول الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي، أحد أبرز أدباء القرن التاسع عشر: "الإنسان، يا له من مسكين، كائن يتعود على كل شيء". وهذا هو القيد الأخطر، أن نتعود عليه ونتوقف عن رؤيته قيداً.
السؤال الأصعب هو: ماذا يحدث حين لا نكون تحت احتمال رقابة السلطة فقط، بل نخلق رقابة أخرى في عقولنا، نخضع فيها لصورة الآخرين عنّا؟
ومع "الهشاشة" النفسية التي تضربك، تصبح أي كلمة قيداً. حين ينتقدك شخص ما، فتصغي إليه وتشعر أنه يجب أن تتغير، فهذا نوع من أنواع التطويع العقلي. فالمشكلة ليست في النقد أو حتى في التغيير، بل في أن تصبح معتمداً على الآخر لتعرف كيف ترى نفسك.
يشبه ذلك مقولة "الجحيم هم الآخرون" في مسرحية جان بول سارتر "الأبواب المغلقة". والمقصود هنا أن نظرة الآخرين إلينا وحكمهم علينا قد تجعلنا أسرى لصورتهم عنا، خصوصاً عندما يصبح الإنسان معتمداً على الآخر في تحديد قيمته وهويته.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






