لا شك أن سقوط النظام السوري البائد قد حقق الكثير مما كانت ترغب به "الولايات المتحدة الأميركية"، فـ"واشنطن" ومن خلفها "تل أبيب" وطيلة سنوات الثورة السورية "14"، كانت تسعى ـ وعلى أبعد تقدير ـ إلى تحجيم الدور والنفوذ الإيراني في "سوريا".
لكن الذي حدث، ومع انتصار الثورة السورية وإسقاط "الأسد" ونظامه الإجرامي، هو القضاء بشكل كامل ونهائي على المشروع والوجود الإيراني وأذرعه المتعددة في "سوريا"، وبالتالي لن تكون "سوريا" ـ مرة ثانية ـ بأي شكل من الأشكال منطلقاً لتهديد أي دولة من دول الجوار، أو ممراً مفتوحاً لوصول الأسلحة والصواريخ الإيرانية إلى "حزب الله" في "لبنان".
دمشق وأعباء الشروط الأميركية
عملياً، وكما يظهر للعيان، فإن من أولى أولويات الانفتاح الأميركي على الإدارة السورية الجديدة هو العمل معها وفق توافقات أمنية مستقبلية معينة، بما يحقق أمن "إسرائيل"، مع التركيز على ملف مكافحة الإرهاب بمختلف تسمياته، ومنع عودة ظهور تنظيم "داعش". وعليه، يبدو واضحاً أن انفتاح "واشنطن" الجديد على "دمشق" سيبقى مشروطاً بتلبية الإدارة السورية الجديدة لهذه المتطلبات، وتحقيقها لجملة من الشروط ـ من أهمها ـ احترام حقوق الأقليات بشكل حقيقي، والعمل على تسهيل تدفّق المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين، ومنع استخدام "سوريا" كقاعدة متقدمة للإرهاب أو كمنطلق لتهديد جيرانها، وضمان تعاون "دمشق" مع الجهات المختصة لتأمين مخزونات الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وتدميرها بشكل آمن.
ومن الواضح أن الإدارة السورية الجديدة، ومنذ اللحظات الأولى لتسلّمها مقاليد السلطة، تعمل جاهدة على تحسين علاقاتها مع "الغرب" و"الولايات المتحدة"، والاستفادة من ذلك للتخفيف من وطأة تحديات عديدة معقّدة تستطيع "واشنطن" المساهمة في حلحلتها، ويأتي في مقدمتها:
العمل على إيقاف التعديات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، وضمان انسحاب جيش الاحتلال من كل الأراضي والمرتفعات التي سيطر عليها بعيد سقوط نظام الأسد.
إيجاد حلول سريعة لملف شمال شرقي سوريا (ميليشيات قسد) ومسألة السويداء، وضمان سيادة "دمشق" على كامل أراضيها ومقدراتها.
رفع التصنيفات الأميركية والأممية عن "هيئة تحرير الشام" وقياداتها.
رفع كامل للعقوبات وإلغاء قانون قيصر نهائياً، والمساعدة الأميركية في ملفات إعادة الإعمار.
الاعتماد على دور "واشنطن" الفاعل وقدرتها على دعم أي توجهات عربية ودولية للانفتاح على "دمشق"، بما يساعد على التعافي الاقتصادي وتجاوز عقبات إعادة الإعمار.
دلالات انضمام سوريا للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب
لم تكن زيارة الرئيس "أحمد الشرع" إلى البيت الأبيض حدثاً عادياً أو عابراً، بل شكّلت إعلاناً عن تحوّل تاريخي مهم، ليس فقط في مسار العلاقات السورية ـ الأميركية، بل في إعادة "التموضع الاستراتيجي" لسوريا على الساحة الدولية. فقد جاء ذلك من خلال انضمامها إلى جهود "التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب"، لتصبح الدولة رقم "90" فيه.
وعليه، فقد تعهّد الرئيس "أحمد الشرع" خلال لقائه الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" بالتعاون مع "الولايات المتحدة" في جهود القضاء على فلول تنظيم "داعش"، وأبدت "دمشق" استعدادها للتنسيق مع "واشنطن" في تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية المتعلقة بالمقاتلين والجهاديين الأجانب، والعمل على منع الشبكات الإرهابية من إيجاد ملاذات آمنة في "سوريا". ولا شك أن ذلك يأتي في إطار حرص الرئيس "الشرع" على إعادة رسم صورة الحكومة السورية وإظهارها كطرف محوري يعتمد عليه في مكافحة الإرهاب الإقليمي عبر تعاون بنّاء وهادف مع المجتمع الدولي.
رسائل ومخاوف وتوجسات
يبدو أن انضمام "دمشق" إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب كان رسالة أراد الرئيس "الشرع" من خلالها التأكيد على ضرورة التعامل مع الدولة السورية المعترف بها أممياً في جهود مكافحة الإرهاب، وليس مع ميليشيات خارجة عن القانون تُعدّ الذراع السورية لـ"حزب العمال الكردستاني" المصنّف إرهابياً. كما حرص الرئيس السوري على إيصال فكرة جدّية الحكومة ومصداقيتها في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين، واتّباع نهج مغاير جذرياً لنهج نظام "الأسد" المجرم، الذي تسبّب خلال فترة حكمه في تصنيف "سوريا" كدولة راعية للإرهاب، وفرض المجتمع الدولي عليها عزلة وعقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية أثقلت كاهل الشعب السوري وأوقفت مسيرة تطور البلاد لعقود.
ورغم المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية المتوقعة من انضمام "دمشق" للتحالف الدولي، إلا أن هناك مخاوف واقعية قد تطفو على السطح مستقبلاً، تتمثل في احتمالية وقوع تداعيات أمنية قد تطال البنية العسكرية للجيش السوري والأجهزة الأمنية، فضلاً عن تحديات في مكافحة وعزل الجماعات الجهادية المتشددة الموجودة على الأراضي السورية. كما تتصاعد المخاوف من أن تتحول هذه الخطوة إلى مدخل لتقييد استقلالية القرار الوطني، أو جعل قرارات "دمشق" مرتبطة أو خاضعة لتوجهات "واشنطن"، خاصة أن التحالف الدولي يرتبط تاريخياً بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، ودورهما المباشر وغير المباشر في قضايا الشرق الأوسط.
وفي الواقع، فإن زيارة الرئيس "الشرع" للبيت الأبيض لا تندرج تحت عنوان بحث العلاقات الودية بين "دمشق" و"واشنطن"، بل تمثل انتقالاً إلى مستوى شراكة في مقاتلة تنظيم "داعش". وهنا يتوجب على "دمشق" قراءة ما بين السطور والاستعداد لتبعات هذه الشراكة، وخاصة عندما يشير المبعوث الأميركي "توم باراك" إلى أن "دمشق ستساعدنا من الآن وصاعداً بقوة في مواجهة وتفكيك بقايا تنظيم الدولة، والحرس الثوري الإيراني، وحماس، وحزب الله، وغيرها من الشبكات الإرهابية، وستقف معنا كشريك ملتزم في الجهد الدولي لإرساء السلام (سلام كما تراه وترغبه واشنطن وإسرائيل)."
خاتمة
في الواقع، إذا وضعنا جانباً المكاسب المتوقعة التي ستحققها "دمشق" من انضمامها للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، فيمكن القول إن هذا الانضمام قد يشكل تحديات داخلية تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية، لتصل إلى البعد الأهم: العقائدي والإيديولوجي، خاصة لدى الفصائل الإسلامية المتشددة والمقاتلين المهاجرين الرافضين لأي تقارب مع الولايات المتحدة أو الغرب.
Loading ads...
ورأيي أن هذا الأمر قد يعرقل أي شراكة مستقبلية حقيقية مع "واشنطن" و"الغرب"، وسيُلزم كلّاً من "دمشق" والتحالف بتحمّل مسؤوليات مضاعفة واتخاذ خطوات استباقية من شأنها طمأنة هذه الأطراف وتبديد الهواجس المتعلقة بالسيادة السورية من مختلف الجوانب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


