تعيش سوريا لحظة يتسارع فيها إنتاج الكلام والصورة والرأي، وتتبدل فيها وسائل التعبير بوتيرة تسبق قدرة المؤسسات على الحفظ. فهنالك مقال يُنشر على موقع إلكتروني، وتحقيق ينتشر عبر منصة اجتماعية، وصوت صحافي يصل من مدينة بعيدة، وشهادة مواطن تلتقطها كاميرا هاتف؛ كلها أجزاء من تاريخ يتشكل أمام أعيننا. ومع انتقال الصحافة إلى الفضاء الرقمي، تصبح الحاجة إلى أرشيف وطني للصحافة والإعلام حاجة ثقافية ومعرفية ملحة، تتصل بحق السوريين في امتلاك ذاكرتهم وفهم ما جرى بينهم وما يجري اليوم.
لقد حفظت المكتبات القديمة أعداد الصحف والمجلات والقصاصات والصور، وحملت تلك الأوراق أخبار أزمنة كاملة. بحيث يمكنك قراءة خبر صحفي عن حادثة معينة جرت سنة 1900 وتبين كل تفاصيلها. أما اليوم، فقد انتقل الجزء الأكبر من النقاش العام إلى صفحات قابلة للتعديل والحذف، وروابط تتغير، ومنصات تتبدل سياساتها، وحسابات تختفي مع أصحابها. وقد تتلاشى سنوات من العمل الصحافي خلال لحظة تقنية واحدة. لذلك يحتاج تاريخ الصحافة السورية إلى بنية رقمية دائمة، تجمع تراث الورق بعد رقمنته، وتستقبل الإنتاج الجديد منذ لحظة نشره، وتوفر له أسباب البقاء وإمكانات البحث والاستعادة.
الأرشيف المطلوب يتجاوز جمع المقالات المنشورة في الصحف الرسمية والمواقع المعروفة. إنه مشروع لحفظ المشهد الإعلامي السوري كله، بتنوعه واختلافه: الصحف المحلية، والمجلات الثقافية، والإذاعات والتلفزيونات، والمنصات المستقلة، والمدونات، والبرامج الحوارية، والبودكاست، والصور الصحافية، والأفلام الوثائقية، والرسوم الساخرة. وتدخل في نطاقه كتابات الصحافيين والكتاب والمؤرخين والباحثين، فضلاً عن شهادات الناس ونقاشاتهم العامة، من الشارع وعبر الشارع، حيث تولد الأسئلة ويحتدم الجدل وتتغير اللغة التي يتحدث بها المجتمع عن نفسه.
ويمتد العمل إلى الصحافة السورية منذ نشوء مطبوعاتها الأولى، مروراً بالتحولات الكبرى التي عرفتها البلاد، وصولاً إلى سنوات الحرب والنزوح وإعادة تشكل المجال العام. فقد تركت كل مرحلة عناوينها ومجلاتها وأسماء محرريها، وأنتجت لغة خاصة في وصف السلطة والمجتمع والاقتصاد والفنون. وسيكون جمع الأعداد النادرة، وتوثيق تاريخ المؤسسات الصحافية، وإعداد ملفات تعريفية للكتاب والمصورين والمذيعين، مدخلاً لكتابة تاريخ إعلامي متكامل. كذلك يستحق أرشيف الإذاعة والتلفزيون، بما فيه نشرات الأخبار والبرامج الثقافية واللقاءات، عملاً منظماً يعيد ترتيب المواد ويعرّف بسياقات إنتاجها، بحيث يظل كل صوت مرتبطاً بزمنه ومكانه وظروف ظهوره.
وتكمن قيمة هذا الأرشيف في احتضان التعدد السياسي السوري. فالاختلاف الفكري والسياسي والثقافي جزء أصيل من التاريخ، ولكل مقال ورد عليه، ولكل مناظرة واحتجاج وسجال، قيمة في فهم تحولات الرأي العام. ينبغي أن يجد الباحث بعد عقود أمامه أصوات المدن والقرى، وتجارب النساء والشباب، وصحافة الداخل والمهجر، وآراء المتخاصمين والمتفقين، بلغاتها ولهجاتها وأساليبها المختلفة. هكذا تنشأ ذاكرة واسعة تساعد الأجيال على قراءة النزاعات من خلال مصادرها الأصلية، وتفتح المجال للمقارنة والتحليل والنقد.
تعتمد سلامة الأرشيف على تفاصيل تقنية دقيقة من نسخ احتياطية موزعة في أكثر من مكان، وصيغ ملفات قابلة للاستمرار وسجل يوثق التعديلات ووسائل للتحقق من سلامة المحتوى ومصدره
ولكي يتحول الطموح إلى مؤسسة، يحتاج المشروع إلى هيئة وطنية مستقلة، تضم أرشيفيين وصحافيين ومؤرخين وخبراء تقنيات المعلومات وممثلين عن المؤسسات الإعلامية والمكتبات والجامعات. وتتولى هذه الهيئة وضع معايير واضحة للإيداع الرقمي، والتوثيق، وتحديد تواريخ النشر وأسماء المصادر وحقوق الاستخدام. ويمكن إطلاق بوابة موحدة تتيح للصحف والمنصات إيداع نسخ محفوظة من موادها، مع أدوات لالتقاط الصفحات العامة دورياً، وفهرسة التسجيلات والمواد المصورة، وإتاحة البحث بحسب الموضوع والمدينة والاسم والتاريخ.
وتعتمد سلامة الأرشيف على تفاصيل تقنية دقيقة، من نسخ احتياطية موزعة في أكثر من مكان، وصيغ ملفات قابلة للاستمرار، وسجل يوثق التعديلات، ووسائل للتحقق من سلامة المحتوى ومصدره. ويمكن للتقنيات الحديثة أن تحوّل التسجيلات الصوتية إلى نصوص قابلة للبحث، وأن تستخرج الكتابة من الصحف المصورة، وأن تربط الأحداث بتغطياتها المتعددة. وتساعد هذه الأدوات على فتح الأرشيف أمام الباحث والطالب والصحافي والقارئ، حتى يصبح الوصول إلى المادة التاريخية تجربة يومية ميسرة.
ومن الضروري أن ترافق عملية الحفظ قواعد تحمي الناس وتكرم حقوقهم. فالمواد المنشورة للعموم تستدعي توثيقاً دقيقاً، في حين تتطلب الشهادات الشخصية والمراسلات الخاصة موافقة أصحابها، مع ضوابط لحماية الهويات المعرضة للخطر. وتحتاج حقوق المؤلفين والناشرين إلى اتفاقات عادلة تحدد الإتاحة وإعادة الاستخدام. ويعزز استقلال الإدارة وشفافية قراراتها ثقة مختلف الأطراف في أن الأرشيف بيت للذاكرة المشتركة، ومساحة لخدمة البحث والمعرفة.
يمتلك السوريون في الداخل والشتات أرشيفات شخصية ومهنية ثمينة؛ صناديق صور، وأعداد صحف قديمة، وأشرطة مقابلات، وملفات رقمية متفرقة. ويمكن فتح باب المشاركة الطوعية أمام أصحاب هذه المجموعات، وربطها بمراكز حفظ محلية وشراكات جامعية. ومع الوقت، تتحول المواد المتفرقة إلى خريطة حية لتاريخ الصحافة والإعلام، وتاريخ الأفكار والمجتمع أيضاً.
Loading ads...
إن تأسيس أرشيف وطني رقمي للصحافة والإعلام استثمار في المستقبل بقدر ارتباطه بالماضي. فمن خلاله يستطيع السوريون العودة إلى الكلمات التي قيلت في لحظات الخوف والأمل، وتتبع ميلاد الأفكار وتبدل المواقف، وفهم المسافات بين الروايات المتنافسة. وحين تحفظ الأمة نقاشاتها بأصوات أصحابها، تمنح الأجيال المقبلة فرصة أعمق لمعرفة تاريخها، وتضع حجر أساس لذاكرة عامة تتسع للجميع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

