بدايةً، لا بد من إدانة الجريمة البشعة التي استهدفت المصلين والمعزين الآمنين في كنيسة حمود بمدينة الكرك الأردنية الأسبوع الماضي وأوقعت عشرات الشهداء والمصابين، مع دعم الخطوات السيادية التي اتخذتها السلطات الأردنية ضمن حدود القانون والدستور داخل أراضيها.
والقياس مع الفارق طبعاً، فالغارات الأردنية في درعا مدانة كذلك من حيث المبدأ، ناهيك عن استهداف المدنيين الآمنين بغياب أي دلائل على حضور واضح وجدي لتنظيم داعش بالمنطقة، إضافة إلى العلاقات الوثيقة وقنوات التواصل المفتوحة بين الأردن وسوريا الجديدة القائمة على قواعد الأخوة وحسن الجوار والمصالح الراسخة والعميقة، ما يعني عدم امتلاك عمان الحق في انتهاك السيادة السورية وحياة المواطنين الآمنين بناءً على معلومات خاطئة، وحتى لو كانت صحيحة وهي خاطئة قطعا، مع كلام صريح وواضح لوزير الداخلية الأردني مازن الفراية مفاده عدم وجود امتدادات خارجية لخلية الكرك التكفيرية، وتولي السلطات في سوريا الجديدة ملف محاربة الإرهاب بكافة أشكاله ودون تمييز، بما في ذلك داعش طبعاً. ورغم بعض الملاحظات العامة، إلا أن الأداء الرسمي جاء مقبولاً نوعاً ما بين الدولتين، مع إبداء الأردن الأسف على سقوط الضحايا بدرعا، والتوافق على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة، ومسارعة القيادة السورية إلى تولي المسؤوليات بكافة تفاصيلها بما في ذلك إغلاق معبر نصيب وتقديم مذكرة احتجاج دبلوماسية إلى عمان، وبالسياق تأكيد الحرص على العلاقات الراسخة مع الأردن ومنع أي ردود أفعال إعلامية وشعبية سلبية، وإبقاء الحدث على قسوته وألمه في إطاره المؤسساتي والرسمي، وهذا أمر محمود خاصة مع المبادرة إلى تقديم التعازي وتهدئة مشاعر وتطييب خواطر ذوي الضحايا والمصابين.
إذن، يتمثل المدخل الطبيعي لمقاربة الأحداث المتلاحقة بإدانة قاطعة وحازمة للجريمة البشعة ضد المصلين والمعزين المدنيين الآمنين بكنيسة حمود بالكرك، وهي فعل إرهابي بشع وشنيع لا يمكن ولا يجب الصمت تجاهه بأي حال من الأحوال، مع دعم كل الخطوات السيادية التي اتخذتها السلطات الأردنية بمواجهة المجرمين، والتأكيد دوماً على أن محاربة الإرهاب والفكر التكفيري قضية وطنية وقومية بامتياز، وعلى أهمية البعد الأمني فيها. لا بأس من التذكير بضرورة اتباع قاعدة السلة الكاملة المتضمنة إشاعة الحريات الفكرية والسياسية والإعلامية على كافة أشكالها وأبعادها لا التضييق عليها، مع رفض قاطع لأي أفكار أو مقاربات تدعو إلى ممارسة العنف خارج محددات الدستور والقانون.
على صلة، والقياس مع الفارق طبعاً، فالغارات الأردنية في درعا مدانة كذلك لانتهاكها السيادة السورية واستهدافها مدنيين أبرياء وآمنين، واستنادها إلى معلومات خاطئة، وحتى لو كانت صحيحة فلا تمتلك عمان أبداً الحق في تنفيذ أفعال كهذه بظل قنوات التواصل المفتوحة مع دمشق، والعلاقات الوثيقة التي عادت إلى وضعها الطبيعي بين الأشقاء والجيران، وطي الصفحة الشاذة زمن نظام آل الأسد الساقط.
مع ذلك، يجب التعاطي بهدوء مع الحدث وعدم الانجرار وراء التصعيد والتحريض المنفلت لبعض الأطراف، خاصة على منصات الإعلام الجديد "وسائل التواصل الاجتماعي"، والتركيز بالمقابل على ردود الأفعال الشعبية والرسمية المنضبطة والمسؤولة من الجهتين، خاصة من جهة القيادة في سوريا الجديدة.
بتفصيل أكثر، جاء البيان المشترك الصادر عن وزارتي الخارجية مقبولاً، ورغم اكتفاء الأردن بإعلان الأسف فقط لسقوط الضحايا الأبرياء دون الوصول إلى حد الاعتذار، والتأكيد بالمقابل على احترام السيادة السورية وتشكيل لجنة تحقيق مشتركة لفحص الحدث من مختلف جوانبه واستخلاص العبر المناسبة منه، خاصة مع تداول معلومات ومعطيات غير صحيحة، والتذكير بتصريح وزير الداخلية الأردني مازن الفراية القاطع بعدم وجود امتدادات خارجية للخلية التكفيرية التي نفذت جريمة الكرك.
بالسياق، يجب الانتباه إلى رد الفعل المنضبط والمسؤول من القيادة السورية، والحرص على العلاقات الراسخة بين الأشقاء، والعمل على تطويرها بما في ذلك المضي قدماً في الإعداد للدورة الثالثة للمجلس الاستراتيجي الأعلى بين البلدين، مع تكريس مبدأ الحفاظ على سيادة البلاد، ورفض استهداف المواطنين، والتأكيد على امتلاك الدولة حصرية محاربة الإرهاب، خاصة بعد الانضمام رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، ومباشرة لجنة التحقيق المشتركة عملها على الفور ورؤية البوادر الأولى للتعاون والتنسيق، وتطويق تداعيات الحادث الأخير السبت الماضي إثر اعتقال أطفال بمحيط درعا البلد أثناء ممارسة كرة القدم قرب مزارعهم الحدودية، وسحب الجيش الأردني ووسائل الإعلام المحلية البيانات الأولى المتسرعة حول الحادث.
بموازاة ذلك، بادرت دمشق إلى القيام بخطوات لتحجيم الحدث وتقليص آثاره وتهدئة الخواطر ومنع أي ردود سلبية عبر خطوات احتجاجية ذات طابع رمزي ولكن معبر من قبيل إغلاق منفذ نصيب ليوم واحد وتقديم مذكرة احتجاج دبلوماسي، وهي خطوات هدفت أساساً إلى الحفاظ على العلاقات لا النيل منها، تماماً كما زيارة ممثلي الرئاسة ومجلس الشعب ووزير الخارجية أسعد الشيباني لتقديم التعازي بدرعا، والتأكيد على المواقف الرسمية التي تصب أيضاً في المنحى أو المعطى السابق لجهة منع تكرار الحدث، وفي نفس الوقت تقوية وتطوير العلاقات مع الشقيق والجار الأردني.
بالعموم، رغم الحدث المأساوي، لمسنا حرصاً واضحاً من الجانبين على تقوية العلاقات القائمة أصلاً على أسس متينة وقوية من المصالح المشتركة والراسخة، ونجاحاً ملحوظاً في نقل المعالجة إلى القنوات الرسمية دون إغفال الدور الشعبي والمهم للعشائر الشقيقة في تهدئة وتطييب الخواطر بظل الأواصر التاريخية متعددة المستويات على جانبي الحدود.
Loading ads...
في الأخير، لا بد من التطرق إلى معطى مهم آخر؛ حيث لا تمكن ولا تجب المقارنة أصلاً بين الغارات الأردنية المحدودة والمعزولة واليتيمة الهجمات والتوغلات العدوانية الإسرائيلية المتزايدة جنوب سوريا، علماً أن هذه المقارنة غير الصحيحة أو المناسبة بين الشقيق والعدو تأتي في سياق التحريض وتأجيج الخواطر، مع التأكيد على سلة متعددة المستويات الرسمية والشعبية لمواجهة العدوانية الإسرائيلية، وهذه ستكون محور المقال القادم إن شاء الله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
من الكرك الى درعا.. مقاربة هادئة
منذ ساعة واحدة
0

