14 أيام
"شفت الله أكبر"... كيف يُخفي المصريون خوفهم بين الكلمات بـ"التلميح"؟ - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

لم أكن أعرف حينها عن "بسم الله الرحمن الرحيم" و"الله أكبر" غير أن الأولى تمنع الشيطان من سرقة جزء من طعامي، كما أخبرتني أمي، وأن الثانية نداء الصلاة الذي يصلنا من المسجد القريب، ونردّدها في أثناء الصلاة.
لذلك، كنت أندهش عندما أسمع جدتي تقول إن شخصاً "رأى الله أكبر وهو ماشي" فيما تنطقها "اللهوأكبر". ومرةً، تخبرني أمي أنها تقصد أن الرجل رأى ثعباناً ومرةً أخرى توضح لي أنها تقصد عفريتاً. أما عقلي الصغير، فكان يحار كيف يرى إنسان "الله أكبر"؟ وكيف "يظهر 'بسم الله الرحمن الرحيم' على حائط في الظلام"؟ ولماذا تنطقها جدتي بتسرّع وخوف وتوجس: "بسملله ارحمنرحيم" بينما ينطقها المعلمون في المدرسة ببطء شديد.
هذه التعابير وغيرها الكثير تعكس ثقافة سائدة لدى شرائح من المصريين تتعلّق بأفكار متوارثة بتفادي المرض والخطر من خلال تجنّب ذكر بعض الكلمات والأسماء المتعلقة بهما، وهو ما نرصده في هذا التقرير.
يبدو أن جدتي تؤمن بالأفكار ذاتها التي تؤمن بها جدة منى رؤوف (32 عاماً)، حاصلة بكالوريوس تجارة من جامعة المنصورة، وتنحدر من قرية درين في محافظة الدقهلية، والتي تحكي لرصيف22 أنها نقلت إلى جدتها أن إحدى زميلاتها في المدرسة أخبرتها بإصابتها بمرض معين، ففزعت الجدة وسألتها إذا كانت زميلتها قد قالت: "الله أكبر"، قبل ذكر اسم المرض. وعندما أخبرتها منى أنها لم تفعل، قالت الجدة: "لو حد فَسّر في وشك (ذكر أمامكِ بوضوح) حاجة مش كويسة، قولي الله أكبر".
وغالباً ما يُقصد بكلمة "فَسّر" ذكر شيء غير محبّب دون مواربة، مثل ثعبان أو مرض معين أو فأل ما أو حادث مُفجع.
تقول منى إنها لا تؤمن بهذه الخرافة ولكنها لا تعلم لماذا أصابها المرض نفسه بعد أسبوع واحد من حديث زميلتها التي "فَسّرت في وجهها". وتوضح منى أنها في المقابل كثيراً ما تسمع تعبير "جاله تعب بعيد عنك" أو "بعيد عن وشك"، بمعنى "أصابه مرض ما، أسأل الله أن يبعده عنكِ"، وهذا المعنى المختزل في الجملة السابقة أو جملة "بعيد عن السامعين" التي يُعتقد أنها تُبعد الفأل السيئ عادةً ما تقترن بتعابير مثل "جاله الوِحِش" وهي كناية عن مرض السرطان التي يتجنب مجتمعها التصريح به مباشرة.
الأمر ذاته ينطبق على الأمراض الجلدية والتي يعتقد أنها مميتة، فإذا قال القائل اسم المرض مباشرةً، فسيجد حتماً رداً قوياً على غرار: "حديد وبعيد" أو "الشر برا وبعيد"، لإبعاد المرض بعيداً من المستمعين. تؤكد منى أن ثمّة اعتقاداً راسخاً في مجتمعها الصغير بأن الشر يأتي من ذكر الأشياء غير المحببة علناً.
وعن الجن، تستخدم منى -في حديثها مع معدة التقرير- تعبير "عمّار البيت" الذي يحمل إشارة إيجابية حيث يوصف "الجن" هنا بأنهم يعمّرون البيت، وذلك نابع من الظن بأن هذا التعبير يدفع شرّهم. وهي تشير إلى أن ذلك ينطبق على "الجن المتجسّد في هيئة تعبان، عشان الناس يفكّوا (يخلصوا) نفسهم من شره". وهنا تستخدم الفعل "فَكَّ" في إشارة بلاغية إلى أن الشر الناتج من الجن يتحوّل إلى قيد يقيد الإنسان.
تستطرد منى في حديثها عن بعض الظواهر اللغوية المشابهة إذ تقول عن رؤية ثعبان في المنزل: "ماما شافت الله أكبر تحت بير السلم"، في ما يكشف مدى ترسّخ هذه التعبيرات في ثقافتها حيث استخدمت التعبير موضع النقاش دون إدراك منها، معتبرةً أن الثعبان انصرف عندما قالت والدتها "الله أكبر".
غير بعيد عن منى، تحديداً في مدينة المحلة في محافظة الغربية، تعيش ريم أحمد (32 عاماً)، وهي معلمة. تقول ريم إن الضرر الذي قد يحدث بعد التصريح بالكلمات غير المحببة يتحوّل إلى اتهام مباشر للقائل إذ يصبح في نظر المتضررين المسؤول عن وقوع البلاء، خصوصاً في تصوّر بعض فئات كبار السن.
توضح ريم، لرصيف22، أن هذا الاعتقاد مرتبط بخلفية دينية وثقافة شعبية متوارثة، مضيفةً أن وضع تعابير مثل "الله أكبر" أو "اللهم احفظنا" لا ترد بدلاً من كلمة "ثعبان" فقط، وإنما تُستخدم في مجتمعها أيضاً كناية عن جميع الزواحف والقوارض التي لا يستحب وجودها لأنها "تجلب الضرر أو المرض" للمنزل وأهله.
وفي محافظة كفر الشيخ الملاصقة للغربية، يؤكد أحمد حسام (35 عاماً)، وهو صحافي، أن الجن يشكّل خطراً كبيراً في الثقافة الشعبية، وعلى نحو خاص لدى أهل الريف، مشدّداً على أنه لا يُذكر إلا بالإشارة والتلميح، فيقال عنه "شاف اللهم احفظنا" والمعنى المباشر هو رؤية الشخص لعبارة "اللهم احفظنا" لكن المعنى المقصود هو رؤية شيء مكروه، ويستخدم الدعاء هنا لإبعاد خطر هذا الشيء.
وكذلك عند الحديث عن المرض، والحديث لا يزال لحسام، يقال: "جاله ربنا يكفينا الشر" وأحياناً يُضاف إليها "المرض الوحش"، فلا يصرح أحد بالمرض مطلقاً، متابعاً بأن كثيراً من هذه التعابير نابعة من شعور الخوف من المجهول. كما ينقل، في حديثه إلى رصيف22، تصوّراً آخر حول رؤية البعض للشخص الذي يتعمّد ذكر الكلمات غير المحببة حيث يقول إن البعض في مجتمعه لا يرون في التصريح بهذه الكلمات رغبة في الضرر لكن يعتبرونها شكلاً من أشكال عدم التأدب والافتقار إلى اللباقة الاجتماعية وحسن المعاملة أو كما يقال في العاميّة المصرية "جليطة".
"هذا مبدأ ثابت عند أغلب المصريين"، بهذه العبارة يبدأ حسام الطنوبي (31 عاماً)، وهو مراقب جودة وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة طنطا. الطنوبي الذي ولد في مدينة بسيون في محافظة الغربية، وتنقّل في العيش بين مدينة النوبارية في محافظة البحيرة وعدد من مدن وقرى الوجه البحري، يؤكد أنه سمع التعابير الواردة أعلاه في جميع الأماكن التي أقام فيها تقريباً.
يرفض الطنوبي، في حديثه إلى رصيف22، وصف تفادي نطق الكلمات الدالة على الموت والمرض والجن صراحةً بـ"الرعب"، حيث يرى في ذلك أثراً "مُربكاً" بوصفها حالة تشتبك فيها الكثير من المشاعر الغامضة، على حد وصفه. ويبرّر ذلك بتعبير آخر يتردّد كثيراً هو "أصلهم بييجوا على السيرة"، بمعنى أن الجن أو الثعابين أو أياً كان ما يُخشى حضوره يظهر عند ذكر اسمه وقد يصيب البعض بضرر أو شر.
ويعتقد الطنوبي أنه بمرور الوقت اتسعت دائرة استخدام مثل هذه التعابير إلى ذكر "حادثة" أو أمر كارثي أو تعرّض شخص ما لضرر في جسده، إذ تندرج جميعها ضمن الأمور غير المرغوب الحديث عنها إلا كنايةً أو تلميحاً. ومما يرويه عن ذلك أيضاً في مجتمعه الصغير أن الإنسان لا يُحبّذ أن يشير بيده إلى أي عضو في جسده إذا حكى عن شخص آخر تعرّض لضرر في جسده، لذا يستبق الأمر بقول: "الشر برا وبعيد" أو "بعيد عن السامعين".
أما أحمد إبراهيم (39 عاماً)، الحاصل على ليسانس لغة عربية جامعة الزقازيق حيث يقيم في محافظة الشرقية، فيشير إلى جانب آخر من الألفاظ التي يتجنب المصريون ذكرها. ويقول لرصيف22 إنه عند الحديث عن رجل سيئ الخلق يلجأ الناس في مجتمعه إلى التلميح فيقول أحدهم: "البني آدم ده استغفر الله العظيم"، فلا يفهم المعنى المباشر أن الشخص هو الاستغفار ذاته أو أن الشخص المقصود كثير الاستغفار، وإنما يستخدم الاستغفار هنا لتجنّب ذكر الأوصاف السيئة التي يتصف بها هذا الإنسان.
وفي حال كانت المقصودة فتاة أو سيدة، يتغيّر التعبير قليلاً فيُستخدم أسلوب الدعاء كأن يُقال عن فتاة سيئة الخلق "البنت دي الله يسهِّل لها" لعدم الخوض في سمعتها بما يتنافى مع العُرف. وقد يضيف البعض لهذه الجملة: "بعيد عننا"، فيصبح التعبير: "البنت دي الله يسهِّل لها بعيد عننا".
وفي ما يخصّ الكائنات غير المستحب ذكرها، يقول إبراهيم عن ابن عرس، الذي يُطلق عليه محلياً "عِرْسَة"، إن أهل قريته يطلقون عليها "اللي متتسمّاش"، فيشيع قول: "اللي متتسمّاش كلت الكتاكيت"، وهو تمنّي بألّا يجعل الله لهذا المخلوق الشرير ذكراً أي أن يُخفيه من الأرض. الجدير بالذكر أن هذا التعبير -"اللي ميتسمّاش"- شائع الاستخدام في الإشارة إلى الإسرائيليين باعتبارهم العدو أو "اللي ميتسمّوش".
وفي محافظة المنيا (جنوبي مصر)، لا يختلف الحال كثيراً عن الدلتا والشمال بحسب ما يقول لرصيف22 أبانوب بباوي (26 عاماً) الذي يعمل رسّاماً. ينقل بباوي صورةً أخرى للاعتقادات ذاتها تأخذ فيها التعابير صورة حركية أبعد من مجرد كلمات تقال.
ففي المجتمع المسيحي الذي ينتمي إليه بباوي، يلجأ بعض الأشخاص إلى "رشم علامة الصليب على الجسم عند سماع خبر مخيف أو أمر مقلق"، وذلك في محاولة للحصول على الحماية، مضيفاً أن تعابير مثل: "باسم الصليب" أو "اسم المسيح"، تُستخدم وتوضع في الجملة بدلاً من ذكر الموت، أو الجن، أو المرض، أو الثعابين أو أي شر قد يضرّ الإنسان.
ويقول بباوي إن المسيحيين والمسلمين يتشاركون تعابير محايدة مثل: "فلان شاف ربنا يعافينا" كناية عن رؤية ثعبان مثلاً، مفسّراً هذه الظاهرة بأن المصريين "يتفاءلون بالكلام الحلو، ويستشعرون الطمأنينة وابتعاد الشر في الدعاء أو ذكر الله أو رشم علامة الصليب"، بدلاً من التصريح بألفاظ يصفها بأنها "ثقيلة على القلب".
ومن الفيوم، تؤكد مروة عادل (32 عاماً)، وهي موظفة في شركة دعاية وإعلانات، لرصيف22، أن كل التعابير السابقة الذكر تسمعها وتتكرّر كثيراً في مجتمعها، مفسّرةً اللجوء إلى الكناية بأن بعض الكلمات "تجلب الشر" إلى أصحابها و"تقبض القلب"، كما تؤمن.
وتنبّه مروة إلى أن "الأقدار معلَّقة بالنطق بها، وقد تأتي الكلمات لأصحابها بما لا تُحمَد عقباه، وكأنها تبشير بسوء القدر".
في غضون ذلك، يقول مواطنها أسامة سند (34 عاماً)، الموظف في متجر أدوات كهربائية، وهو من الفيوم أيضاً، يسمع كثيراً في مجتمعه تعبير "ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم" قبل أو بعد كلمة جن أو عفريت. ويوضح سند أنه بينما سمع البعض يذكر الثعابين والأفاعي بتصريح مباشر دون مواربة، لكن "السرطان" لم يُذكر أمامه سوى بـ"الخبيث"، فيقال: "فلان عنده الخبيث"، معلّلاً ذلك بأنه "يمكن أن يعالج ويعود مرة ثانية في مكان آخر في الجسم وينتشر بشكل أقسى وأحياناً بدون أعراض".
يوسّع الحسن عبد الشافي (31 عاماً)، وهو حاصل على بكالوريوس تجارة إنكليزي من أكاديمية خاصة في القاهرة، ويقيم في محافظة قنا، مفهوم "ما لا يستحب ذكره" في كلام المصريين إذ لا يقف عند المعاني السلبية فقط. ويشرح لرصيف22: "تشمل التعابير التي نتلطّف في ذكرها أو استبدالها بتعابير إيجابية لتقليل الأثر النفسي على الأشخاص، تعابير تشير إلى الإعاقة مثل 'كريم العين' لوصف الشخص الكفيف أو التعبير الآخر الشائع في صعيد مصر وهو 'صاحب البصيرة'".
ومن الطريف أيضاً أن عبد الشافي يشير إلى تورية بعض الظواهر السلبية مثل الرشوة، لتخفيف وقعها وربما تفادياً للمجاهرة بها لكونها تترتب عليها تبعات قانونية. فيقول إن البعض يستخدمون تعبير "عرّقه" أي منحه رشوة ولا علاقة لها بالمعنى المباشر "العَرَق"، وكذلك "أديله إكرامية"، ويُقصد به الرشوة أيضاً لكن بتعبير يُخفي الفعل المجرّم قانوناً في صورة "تكريم" أو "تقدير". يُستخدم أيضاً تعبير "أديله الشاي بتاعه" كناية عن الرشوة، ويقصد بها أمنحه مالاً يشرب به شاياً كتقدير لجهده أو كشكل من أشكال الاستضافة والترحيب على غير المعنى الحقيقي للفعل.
في الأثناء، يرى الشاعر والباحث المتخصص في الدراسات الشعبية والأنثروبولوجية، مسعود شومان، أن المصريين لا يتعاملون فى تعابيرهم الشعبية المتعلّقة بالصحة والمرض ومواجهة مصادر الشر بصورة مباشرة أو بكلمات صريحة، وإنما يستعملون الكناية أو التعابير الرمزية اعتقاداً منهم أن المباشرة في ذكر المرض مثلاً ينعكس نفسياً على صاحب الحالة.
ويشرح شومان لرصيف22: "عند السؤال عن حال شخص مريض يُقال: 'أصله بعافية'، وهو تعبير يشير إلى المعنى المضاد أي الصحة الجيدة. وإذا كان المريض مصاباً بمرض عضال، يُقال إنه "بعافية حبتين"، بمعنى زيادة أو أكثر، فيما لا يُستحب ذكر المرض بوضوح".
ويتابع شومان بأن هذا الأسلوب في التعبير عن المرض يتعلّق بالمعتقد الشعبي الكامن في قوة اللغة وفاعليتها لدى الشعب المصري، فـ"اللغة لديهم ليست مجموعة من المفردات لكنها تحمل طاقة سحرية تؤثّر في حالة المريض أو الصحيح".
Loading ads...
وهو يشدّد في الوقت عينه إلى أن "لغة المصريين تميل إلى الإيجاز والرمزية بحيث يمكن لمفردة واحدة أن تقوم بمقام جملة كاملة لأن ما تحمله من طاقة تتصل بالاعتقاد والممارسة متعلّق بتصوّر حول أن للكلمة قوة قديمة عبرت السنوات لتمارس تأثيرها حتى الآن، وكأن الكلمة المباشرة تميمة محمَّلة بتواتر خبرات الجموع من الماضي حتى الآن".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

دوي انفجارات في جزيرة قشم الإيرانية
منذ 10 دقائق
0



