40 دقائق
"الشر الكامن".. كيف تغيرت حكاية الرعب على مدى 24 عاما؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

تصدر فيلم الرعب "الشر الكامن" (Resident Evil) شباك التذاكر في أمريكا الشمالية خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى لعرضه، محققا إيرادات بلغت 60 مليون دولار من 3684 دار عرض في الولايات المتحدة وكندا، في أفضل افتتاحية لسلسلة الأفلام المستوحاة من لعبة الفيديو الشهيرة منذ انطلاقها سينمائيا عام 2002، وفقا لتقديرات الأستوديوهات التي أوردتها وكالة أسوشيتد برس.
ويمثل الفيلم الجديد عودة للسلسلة التي سبق أن قدمت 7 أفلام، كما سجل أفضل افتتاحية في مسيرة مخرجه زاك كريغر، صاحب فيلمي الرعب "بارباريان" (Barbarian) و"ويبنز" (Weapons). وتجاوزت حصيلة الأيام الثلاثة الأولى للفيلم إجمالي الإيرادات المحلية لمعظم الأجزاء السابقة، باستثناء "الشر الكامن: أفترلايف" (Resident Evil: Afterlife)، الذي أنهى عرضه في أمريكا الشمالية عام 2010 بإيرادات بلغت 60.1 مليون دولار، من دون احتساب التضخم.
ويؤدي أوستن أبرامز بطولة الفيلم في دور ناقل طبي تتحول مهمته الأخيرة خلال الليل إلى مواجهة مع مخلوقات مصابة بالعدوى في مدينة "راكون سيتي". وسبق لأبرامز أن شارك كريغر في فيلم "ويبنز".
وحصل الفيلم على استقبال نقدي إيجابي، إذ بلغت نسبة التقييمات الإيجابية له 95% على موقع "روتن توميتوز"، بينما منحته الجماهير درجة "B+" وفق "سينما سكور"، وأظهرت استطلاعات "بوست تراك" أن الرجال شكلوا 66% من جمهوره خلال عطلة الافتتاح، فيما كان 75% من المشاهدين دون سن 35 عاما.
وجاء النجاح الأولي للفيلم رغم ميزانية إنتاج قدرت بنحو 75 مليون دولار، لا تشمل تكاليف التسويق والترويج. وأضاف "الشر الكامن" 48.3 مليون دولار من الأسواق الدولية، لترتفع حصيلة انطلاقته العالمية إلى 108.3 ملايين دولار.
بدأت السلسلة السينمائية عام 2002 بحكاية أصغر كثيرا من العالم المدمر الذي تم بناؤه على مدار ستة أفلام تالية، حيث تستيقظ امرأة تدعى أليس, تؤدي دورها ميلا جوفوفيتش، وقد فقدت ذاكرتها، لتجد نفسها مرتبطة بمنشأة سرية تحت الأرض تديرها شركة "أمبريلا"، إحدى أكبر الشركات وأكثرها نفوذا في العالم، ويؤدي تسرب فيروس طورته الشركة إلى تحويل العاملين في المنشأة إلى تشكيل كائنات متوحشة، وتحاول مجموعة صغيرة من البشر الهرب قبل انتشار العدوى.
ومن هذه البداية البسيطة نشأ الصراع الذي سيحكم الأفلام الستة الأولى. لم تكن أليس تقاتل الوحوش فقط، وإنما تحاول معرفة من تكون، وما الذي فعلته بها "أمبريلا"، وإلى أي مدى لا يزال جسدها وذاكرتها ملكا لها، ولهذا وصفت قراءة نشرها معهد الفيلم البريطاني رحلة أليس بأنها بحث متواصل عن استعادة هويتها وجسدها من قبضة الشركة، وهي ثيمة ظلت تتغير وتتسع مع تقدم الأفلام.
ويضع الفيلم الأول خلف مطارداته سؤالا أخلاقيا يستمر مع السلسلة عما يمكن أن يحدث حين تتحول حياة الإنسان إلى مادة خام في مشروع علمي وتجاري، خاصة أن شركة "أمبريلا" لا تنتج الفيروس صدفة، وإنما تعمل في الأسلحة والتقنيات الحيوية والاستنساخ، وحين تقع الكارثة يصبح موظفوها وسكان المدينة جزءا من تجربة لا يملكون السيطرة عليها.
نقل "الشر الكامن: أبوكاليبس" (Resident Evil: Apocalypse) عام 2004 الكارثة من المنشأة المغلقة إلى مدينة "راكون"، ولم يعد الخطر محصورا في عدد من العاملين داخل مختبر، لكنه يهدد مدينة كاملة، وتحاول "أمبريلا" احتواء آثار ما صنعته.
ومع اتساع مساحة الأحداث، يبدأ الجانب الإنساني للسلسلة في التحول، فالأشخاص الذين يواجهون العدوى ليسوا علماء أو جنودا فقط، وإنما عائلات وأطفال وسكان يحاولون الخروج من مدينة تقرر المؤسسة الأقوى مصيرها. ويظهر في الفيلم عالم يبحث عن ابنته وسط الفوضى، رابطا مساعدته للناجين بمحاولتهم الوصول إليها، فتدخل رابطة الأب والطفلة إلى قلب حكاية تقوم ظاهريا على المطاردات والوحوش.
أما أليس فتكتشف أن التجارب التي أجرتها "أمبريلا" عليها غيرت جسدها ومنحتها قدرات لم تكن تملكها، ومن هنا يصبح الجسد نفسه جزءا من الصراع، إذ تساعدها تلك القوة وتظل دليلا على أن مؤسسة أخرى تصرفت في جسدها من دون إرادتها.
في "الشر الكامن: إكستنكشن" (Resident Evil: Extinction) عام 2007، لم تعد المدينة هي التي انهارت، بل أصبح العالم نفسه أرضا شبه ميتة، وينتقل الناجون في قوافل بحثا عن الماء والطعام والأمان، بينما تواصل "أمبريلا" تجاربها على الفيروس وعلى نسخ مستنسخة من أليس.
وهنا تنتقل السلسلة من رعب العدوى إلى سؤال البقاء الجماعي بعد سقوط المؤسسات والمدن، وتحول المجتمع عبارة عن مجموعة صغيرة من البشر يعتمد بعضهم على بعض، ويتحول الطعام والوقود والمأوى إلى أساس العلاقات بينهم، وتواصل الشركة البحث عن السيطرة على الفيروس حتى بعد انهيار العالم الذي كان يفترض أن تخدمه التكنولوجيا.
ويكتسب الاستنساخ معنى يتجاوز الحيلة العلمية؛ إذ تواجه أليس نسخا من جسدها يمكن تصنيعها واستخدامها والتخلص منها، بينما تتمسك هي بفكرة أن الشخصية والذاكرة والاختيار هي ما يجعل الإنسان فردا وليس مجرد جسد قابل للتكرار.
يتابع "الشر الكامن: أفترلايف" عام 2010 الناجين وهم يبحثون عن مكان يدعى "أركاديا"، يعتقدون أنه ملاذ خال من العدوى. وتتحول الرحلة إلى بحث عن مجتمع يمكن البدء فيه من جديد بعد أن اختفت تقريبا مؤسسات العالم القديم.
وتزداد أهمية العلاقة بين أليس وكلير ريدفيلد والناجين الآخرين، إذ لم تعد البطولة مرتبطة بالنجاة الفردية وحدها. وكلما أصبحت أليس أكثر قدرة على مواجهة الوحوش، أصبحت في الوقت نفسه مسؤولة عن أشخاص أضعف منها، لينتقل مركز الشخصية تدريجيا من المقاتلة المنفردة إلى المرأة التي تحمل آخرين معها في محاولة النجاة.
ويذهب الجزء الخامس "الشر الكامن: ريتريبيوشن" (Resident Evil: Retribution) عام 2012 إلى منطقة أكثر غرابة، عندما تستيقظ أليس داخل منشأة تابعة لـ"أمبريلا" تحتوي على بيئات اصطناعية وشخصيات مستنسخة تستخدمها الشركة في محاكاة انتشار الأسلحة البيولوجية.
وداخل إحدى عمليات المحاكاة هذه تجد أليس نفسها في حياة منزلية مع طفلة تدعى بيكي تتعامل معها على أنها والدتها. تنهار الحياة المصطنعة سريعا، لكن أليس تتمسك بالطفلة وتحاول إنقاذها حتى بعد أن تعرف أن العالم الذي جمعهما صنع داخل تجربة.
وهنا يظهر أحد أكثر الخطوط الإنسانية إثارة للاهتمام في السلسلة حول حاجة الأسرة إلى رابطة بيولوجية حتى تصبح حقيقية، خاصة أن أليس نفسها شخصية جرى العبث بجسدها وذاكرتها، والطفلة جزء من محاكاة صنعتها شركة، ومع ذلك تصبح العلاقة التي تنشأ بينهما ذات قيمة لأنها تقوم على الرعاية والاختيار.
وقد دفعت هذه الطبقة بعض القراءات النقدية اللاحقة إلى النظر إلى "ريتريبيوشن" باعتباره أكثر من فيلم حركة، وقراءة أليس من خلال التوتر بين العنف والأمومة، وبين الهوية التي يصنعها الآخرون للإنسان والهوية التي يختارها لنفسه.
وصل خط أليس إلى نهايته في "الشر الكامن: فاينال شابتر" (Resident Evil: The Final Chapter)، الذي طرح عام 2016 و2017 في الأسواق المختلفة. لم يعد على الأرض سوى بضعة آلاف من البشر غير المصابين، وتعود أليس إلى منشأة "أمبريلا" التي بدأت منها الحكاية بحثا عن ترياق يمكنه القضاء على الفيروس.
وتكتمل بذلك الدائرة التي بدأت قبل ستة أفلام. المرأة التي استيقظت فاقدة الذاكرة تبحث عن نفسها تنتهي أمام إمكانية التضحية بنفسها لإنقاذ من بقي من البشر، خصوصا أن الترياق الذي يمكنه قتل الفيروس يمثل خطرا عليها أيضا بسبب وجود العدوى في جسدها.
ويكشف الفيلم كذلك أن الكارثة لم تكن مجرد نتيجة خطأ علمي، بل ارتبطت بخيارات اتخذتها قيادة "أمبريلا"، فتصل السلسلة إلى أقصى صور فكرتها عن السلطة. تحولت أليس عبر ستة أفلام من امرأة تبحث عن اسمها وماضيها إلى شخصية تحمل مسؤولية بقاء الآخرين.
بعد انتهاء رحلة أليس، حاول "الشر الكامن: ويلكم تو راكون سيتي" (Resident Evil: Welcome to Raccoon City) عام 2021 إعادة السلسلة إلى جذورها، يتخلى عن أليس ويستعيد شخصيات الألعاب، من بينها كلير وكريس ريدفيلد وليون كينيدي وجيل فالنتاين. تعود الحكاية بذلك من نهاية العالم إلى مدينة صغيرة تعيش في ظل "أمبريلا"، قبل أن تتحول التجارب التي أجرتها الشركة إلى كارثة.
ويستعيد الفيلم العلاقة بين الشقيقين كلير وكريس، إلى جانب سؤال قديم في السلسلة عن المجتمع الذي يعتمد اقتصاديا على مؤسسة تملك في الوقت نفسه القدرة على تدميره، لكن محاولة إعادة التشغيل لم تحقق انطلاقة تجارية كبيرة، فتوقفت السلسلة السينمائية مرة أخرى، إلى أن جاء زاك كريغر بعد خمس سنوات بمقاربة مختلفة.
لا يعيد فيلم كريغر الجديد أليس، ولا يجعل بطله واحدا من أبطال الألعاب المعروفين، بل يبدأ برجل عادي نسبيا يؤدي عمله في نقل المواد الطبية، قبل أن يجد نفسه عالقا في مدينة "راكون" وسط انتشار العدوى، وهو اختيار يعيد السلسلة إلى معضلة الإنسان محدود القوة والموارد في مواجهة انهيار العالم.
وتقوم بنية الفيلم على تناقص الموارد والانتقال من مهمة إلى أخرى أكثر خطورة، وهي عناصر رأى نقاد أنها تقترب من تجربة ألعاب "الشر الكامن" من دون نقل قصة إحدى الألعاب حرفيا.
Loading ads...
لا تبدو افتتاحية الـ60 مليون دولار مجرد رقم قياسي لعلامة تجارية عمرها أكثر من عقدين، فالسلسلة التي بدأت عام 2002 بامرأة تستيقظ ولا تعرف من تكون، ثم اتسعت إلى حكاية عن الشركات والتجارب البيولوجية وانهيار المجتمع والبحث عن الأسرة والهوية، تعود في 2026 إلى نقطة أكثر بساطة عن إنسان يحاول أن يبقى إنسانا وهو يحاول البقاء حيا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




