ساعة واحدة
رفع قيود التسليح عن سوريا.. أبعاد القرار الأميركي وشروط التعاون العسكري
الأحد، 20 سبتمبر 2026
أعفت الولايات المتحدة سوريا من قيود مرتبطة بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري، في خطوة تفتح الباب قانونياً أمام مستوى أوسع من التعاون العسكري بين واشنطن ودمشق، من دون أن تعني بالضرورة وجود قرار أميركي بتسليح الجيش السوري أو إبرام صفقات أسلحة معه في الوقت الراهن.
وبحسب إشعار لوزارة الخارجية الأميركية نُشر في السجل الفيدرالي في 16 أيلول/سبتمبر، قررت واشنطن إعفاء سوريا من القيود المتعلقة بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري المفروضة بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب لعام 1991، بعدما خلص وكيل وزارة الخارجية لشؤون ضبط التسلح والأمن الدولي، في 20 آب/أغسطس، إلى أن الإعفاء "ضروري لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة".
ويشمل القرار القيود المتعلقة ببيع المواد والخدمات الدفاعية وإصدار تراخيص تصدير المواد المدرجة على قائمة الذخائر الأميركية، فضلاً عن التمويل العسكري الخارجي.
ويأتي التطور ضمن سلسلة من الإجراءات الأميركية تجاه سوريا، فيما انتقد عضو مجلس النواب الأميركي جو ويلسون استمرار بعض ضوابط التصدير المفروضة عليها، معرباً عن خيبة أمله لعدم قيام مكتب الصناعة والأمن الأميركي بإلغائها حتى الآن.
الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، سمير العبدالله، وصف القرار بأنه "خطوة مهمة"، لكنه حذر من المبالغة في تقدير انعكاساته على تسليح الجيش السوري أو على العلاقات العسكرية بين دمشق وواشنطن.
وقال العبدالله، خلال حديثه لتلفزيون سوريا، إن رفع القيود "لا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية قررت تسليح سوريا، أو أن هناك صفقة أسلحة إلى سوريا، أو تزويداً ببعض المعدات العسكرية"، مضيفاً أنه لا توجد، وفق المعطيات المتاحة حالياً، مؤشرات على نية أميركية مباشرة لبيع الأسلحة إلى دمشق.
وربط العبدالله السياسة الأميركية تجاه سوريا بما وصفه بـ"التدرج المشروط"، معتبراً أن واشنطن لا تريد تقديم جميع التسهيلات للحكومة السورية دفعة واحدة، بل تتحرك تدريجياً وترفع بعض القيود على مراحل.
وأضاف أن جزءاً من هذا التدرج قد يعود إلى إجراءات إدارية وبيروقراطية أميركية، إلا أنه رأى أن العامل الأساسي يتمثل في حرص واشنطن على ربط خطواتها بتحقيق مصالحها السياسية والأمنية في سوريا والمنطقة.
وحدد العبدالله عدداً من الملفات التي قال إنها تحظى باهتمام الولايات المتحدة، من بينها انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، ومحاربة تنظيم "داعش"، والحد من النفوذ الإيراني، وطبيعة العلاقات السورية مع روسيا، إضافة إلى التطورات السياسية الداخلية.
ورداً على سؤال بشأن تنفيذ دمشق جانباً كبيراً من هذه المطالب، قال إن الحكومة السورية نفذت بالفعل عدداً منها، إلا أن واشنطن، وفق تقديره، لا تزال تنتظر المزيد من الخطوات.
وأشار في هذا السياق إلى ملف العلاقة مع "قوات سوريا الديمقراطية - قسد"، معتبراً أن احتفاظ الولايات المتحدة بأوراق سياسية واقتصادية وعسكرية يمنحها القدرة على التأثير في شكل الحلول المتعلقة بهذا الملف، فضلاً عن ملفات أخرى داخل سوريا.
كما رأى العبدالله أن واشنطن تراقب علاقات دمشق مع موسكو، متسائلاً عن مدى استعداد الولايات المتحدة لقبول عودة سوريا إلى تحالف وثيق مع روسيا، ومشيراً إلى أن السياسة الأميركية تقوم كذلك على الاحتفاظ بأوراق ضغط في علاقاتها مع دول المنطقة عموماً، وليس مع سوريا فقط.
وضرب مثالاً بالعلاقات الأميركية مع السعودية وتركيا ومصر، معتبراً أن المساعدات والتعاون العسكري الأميركي يرتبطان عادة بشروط واعتبارات سياسية وأمنية.
من جهته، اعتبر رئيس مكتب سوريا في المجلس السوري الأميركي، زكي لبابيدي، أن رفع القيود يمثل خطوة "مهمة جداً"، ورأى أنها تعكس، وفق تقديره، تقدماً للجهات الداعمة لتطوير العلاقة مع سوريا داخل واشنطن في مواجهة الجهات المؤيدة للموقف الإسرائيلي المتشدد حيال دمشق.
وقال لبابيدي إن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمتلك علاقات ممتدة منذ عقود داخل الكونغرس والإدارات والمؤسسات الأميركية، معتبراً أن رفع العقوبات وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثلان "إنجازات حقيقية".
كما تحدث عن وجود ما وصفه بتغير استراتيجي في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وقال إن واشنطن لم تعد، بحسب تقديره، تعتمد بصورة كاملة على إسرائيل في رسم جميع سياساتها الإقليمية كما كان الحال سابقاً.
وأضاف أن العلاقات الأميركية مع دول المنطقة لا تقتصر على صفقات شراء الأسلحة، وإنما تشمل أيضاً برامج المساعدات والمنح العسكرية، مشيراً إلى أن أهمية سوريا بالنسبة للولايات المتحدة ترتبط كذلك بملفات الأمن والطاقة والتحولات الإقليمية.
وشدد لبابيدي على أن إزالة الحظر لا تعني إرسال أسلحة أميركية إلى سوريا بصورة فورية، قائلاً إن التعاون العسكري بين الدول "لا يأتي فجأة"، وإن أهمية الخطوة الحالية تكمن، في رأيه، في إزالة إحدى العقبات التي كانت تحول دون تعاون أوسع بين الحكومتين السورية والأميركية.
وأشار إلى زيارات مسؤولين عسكريين أميركيين إلى سوريا والعلاقات مع مسؤولين سوريين، معتبراً أن العلاقات المباشرة والشخصية بين المسؤولين قد تساهم بدورها في تطوير التعاون بين البلدين.
وفيما يتعلق باحتمال انتقال جانب من الدعم العسكري الذي قدمته الولايات المتحدة سابقاً لـ"قسد" إلى الحكومة السورية، قال لبابيدي إن موقف إسرائيل من تسليح دمشق سيكون "معارضاً جداً"، وكذلك موقف الجهات الإسرائيلية الناشطة في واشنطن.
ورأى أن رفع القيود يمثل خطوة يصعب تجاهلها في أي تعاون مستقبلي، مشيراً إلى إمكانية أن تصبح مسألة تزويد الجيش السوري بالمعدات أو الأسلحة موضع نقاش في المراحل المقبلة.
وطرح لبابيدي، في هذا السياق، احتمال الاستفادة مستقبلاً من بعض المعدات العسكرية الأميركية الموجودة في العراق، بدلاً من إعادتها إلى الولايات المتحدة، مشدداً على أن ذلك يمثل احتمالاً وليس قراراً معلناً.
كما تحدث عن إمكانية تطور العلاقات لاحقاً إلى مساعدات عسكرية، مستشهداً بالمساعدات الأميركية التي حصلت عليها مصر منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، ومؤكداً في الوقت نفسه أن مثل هذه المساعدات ترتبط دائماً بمصالح مشتركة وشروط سياسية.
وقال إن "الحكومة الأميركية ليست جمعية خيرية"، معتبراً أن مهمة الحكومة السورية تتمثل في تحديد المصالح المشتركة بين دمشق وواشنطن والعمل عليها.
وربط لبابيدي أهمية سوريا لدى واشنطن بملفي الأمن والطاقة، مشيراً إلى احتمالات تطوير ممرات برية تربط دول الخليج، مروراً بالأراضي السورية، بالبحر المتوسط وأوروبا، بما يوفر طرقاً إضافية لنقل البضائع والطاقة بعيداً عن بعض الممرات البحرية.
كما أشار إلى وجود تنافس دولي في سوريا والمنطقة، معتبراً أن واشنطن تأخذ في حساباتها النفوذ الروسي والصيني إلى جانب مصالحها العسكرية والسياسية والاقتصادية.
"تسليح محتمل لأغراض محددة"
وفي المقابل، قال العبدالله إن رفع القيود قد يفتح مستقبلاً المجال أمام تقديم مساعدات عسكرية محددة، لكنه توقع إخضاع أي خطوة من هذا النوع لشروط أميركية صارمة.
وأوضح أن الولايات المتحدة تدقق، عند الموافقة على صفقات التسليح، في مصدر التمويل وطريقة استخدام المعدات وهوية المستخدم النهائي، مرجحاً أن يكون أي تسليح محتمل لسوريا مرتبطاً بـ"أهداف محددة" تخدم المصالح الأميركية.
وذكر من بين هذه الأهداف حماية خطوط ومشاريع الطاقة، ومحاربة تنظيم "داعش"، والحد من النفوذ الإيراني.
ورأى العبدالله أن العلاقة الأميركية مع إسرائيل ستبقى عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة الأسلحة التي يمكن أن تصل إلى سوريا، معتبراً أن واشنطن لن تقدم، وفق تقديره، أسلحة ترى أنها قد تشكل تهديداً لإسرائيل.
وأشار إلى القيود الأميركية المرتبطة بصفقات الأسلحة مع تركيا والسعودية، قائلاً إن القرارات المتعلقة بالمساعدات العسكرية لا يحددها الرئيس الأميركي وحده، وإنما تمر عبر مؤسسات وإجراءات وموافقات بيروقراطية متعددة.
وبناء على ذلك، اعتبر الحديث عن صفقات أسلحة أميركية كبيرة لسوريا "مبكراً"، لكنه قال إن المسار قد يتسارع إذا احتاجت واشنطن إلى دور للجيش السوري في حماية طرق وخطوط الطاقة، أو في حال تصاعد تهديد تنظيم "داعش" أو جماعات أخرى.
وعن الخطوات التي قد تساعد الحكومة السورية على الاستفادة من رفع القيود، قال العبدالله إن الأمر لا يقتصر على الملف السياسي والانتقال السياسي، وإنما يشمل أيضاً استكمال بناء المؤسسة العسكرية السورية.
وأشار إلى ضرورة معالجة التساؤلات التي تثيرها بعض الدول بشأن وجود مقاتلين أجانب ضمن الجيش السوري، إضافة إلى استكمال التراتبية والهيكلية المؤسسية للقوات المسلحة.
واعتبر أن معالجة هذه الملفات قد تعزز ثقة الولايات المتحدة بالجيش والإدارة السورية، بما قد يفتح المجال أمام حصول دمشق مستقبلاً على مساعدات عسكرية واقتصادية.
أما لبابيدي، فرأى أن المصالح المشتركة السورية الأميركية تتركز، من بين ملفات أخرى، في منع عودة النفوذ الإيراني عبر العراق وسوريا وصولاً إلى البحر المتوسط.
وأضاف أن خروج إيران من سوريا يمثل تطوراً أساسياً في هذا السياق، مشيراً أيضاً إلى ملف حزب الله في لبنان، وقال إن الرئيس الأميركي تحدث، بحسب لبابيدي، عن إمكانية أن يكون للحكومة السورية دور في الحد من نفوذ الحزب.
وأكد أن حديثه في هذا الجانب يستند إلى ما نسبه إلى تصريحات للرئيس الأميركي، وليس إلى "تخمينات أو تحليلات" شخصية.
ورأى لبابيدي أن معارضة السوريين للنفوذ الإيراني ولحزب الله، على خلفية دورهما خلال سنوات حرب النظام المخلوع على السوريين، يمكن أن تشكل، بحسب تقديره، نقطة التقاء بين دمشق وواشنطن.
وأضاف أن المصالح الأميركية تشمل أيضاً الحد من توسع النفوذ الصيني والحفاظ على الحضور العسكري والسياسي والاقتصادي الأميركي في المنطقة.
وفي المحصلة، اتفق الضيفان على أهمية رفع القيود الأميركية باعتباره إزالة لعائق قانوني أمام احتمالات تعاون عسكري أوسع بين سوريا والولايات المتحدة، لكنهما أشارا إلى أن الخطوة لا تعني وجود قرار أميركي فوري بتسليح دمشق، وأن أي تعاون في هذا المجال سيبقى مرتبطاً بالمصالح والشروط والإجراءات المؤسساتية الأميركية.
يأتي القرار الأميركي في وقت ما تزال فيه بعض القيود الأخرى المرتبطة بالتصدير إلى سوريا موضع انتقاد داخل الكونغرس الأميركي.
وكان عضو مجلس النواب جو ويلسون قد انتقد استمرار ضوابط التصدير الأميركية المفروضة على سوريا، داعياً مكتب الصناعة والأمن الأميركي (BIS) إلى إلغائها، بعد إنهاء تصنيف سوريا "دولة راعية للإرهاب".
وأشار ويلسون إلى أن سوريا ما تزال مدرجة ضمن "قائمة الدول E"، رغم أنها لم تعد تحمل صفة "دولة راعية للإرهاب".
تُعد مجموعة الدول "E" من أشد التصنيفات تقييداً ضمن لوائح إدارة التصدير الأميركية (EAR) التي تشرف عليها وزارة التجارة، وفقاً لمعلومات مكتب الصناعة والأمن الأميركي (BIS).
وتنقسم المجموعة إلى فئتين رئيسيتين؛ الأولى "E:1" وتشمل الدول المصنفة أميركياً "راعية للإرهاب"، مثل إيران وكوريا الشمالية، وتخضع لقيود مشددة على تصدير السلع والتكنولوجيا والخدمات. أما "E:2" فتضم الدول أو المناطق الخاضعة لحظر اقتصادي وتجاري شامل بموجب قرارات أو قوانين أميركية، مثل كوبا.
وتفرض هذه التصنيفات قيوداً على تصدير أو إعادة تصدير المواد والتكنولوجيا والبرمجيات والمعدات ذات الاستخدام المزدوج، المدني والعسكري، من منشأ أميركي، إذ تتطلب غالبية العمليات الحصول على ترخيص مسبق من مكتب الصناعة والأمن. كما تتبع السلطات الأميركية سياسة "افتراض الرفض" تجاه معظم طلبات التراخيص الموجهة إلى دول هذه المجموعة، بما يشمل عدداً من التقنيات والبرمجيات والأجهزة الإلكترونية المتقدمة.
Loading ads...
ويُبقي استمرار إدراج سوريا ضمن المجموعة "E"، بحسب ما أشار إليه النائب الأميركي جو ويلسون، قيوداً تجارية وتقنية مشددة قائمة، رغم الخطوات الأميركية السابقة لرفع بعض العقوبات، الأمر الذي يعرقل حركة التجارة والاستثمار إلى حين تحديث مكتب الصناعة والأمن لوائحه الخاصة بسوريا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


