14 أيام
العالم علوم - بعد اكتشاف أكبر مقبرة للحيتان في أعماق المحيط.. ما أصل الثدييات البحرية؟
الجمعة، 19 يونيو 2026

أعاد اكتشاف واحدة من أكبر "مقابر الحيتان" المعروفة في أعماق المحيط الهندي تسليط الضوء على تاريخ هذه الثدييات البحرية العملاقة. وترجع بعض البقايا المكتشفة في تلك "المقبرة" إلى ملايين السنين خلت. ويشير ذلك إلى قصة تطورية استثنائية بدأت قبل أكثر من 50 مليون عام عندما كانت أسلاف الحيتان تعيش على اليابسة في ما يُعرف اليوم بباكستان، قبل أن تتحول تدريجياً إلى كائنات بحرية قادرة على الغوص في الأعماق وبلوغ أحجام هي الأكبر في تاريخ الحياة على الأرض. فكيف حصل ذلك؟ وما هو أقرب أقرباء الحوت حاليا؟
لا يزال عالم أعماق المحيطات من أكثر البيئات غموضاً على كوكب الأرض، إذ لم يتمكن الإنسان حتى اليوم من استكشاف سوى جزء محدود منه. وفي هذا السياق، أُعلن الأسبوع الماضي عن اكتشاف علمي جديد تمثل في العثور على واحدة من أكبر وأعمق "مقابر الحيتان" المعروفة في قاع المحيط. وتصنف الحيتان كثدييات بحرية وتُعدّ أكبر الحيوانات الحية على الأرض حالياً. لكنها لم تكن دائماً كائنات بحرية، إذ تشير الأدلة العلمية إلى أنها تطورت انطلاقاً من أسلاف كانت تعيش على اليابسة قبل عشرات ملايين السنين.
عندما يُستخدم مصطلح "مقبرة الحيتان"، فهو تعبير مجازي ليس المقصود منه موقعاً اختارت فيه الحيتان الموت طواعية، ولا بقايا ظاهرة غامضة. بل هو تجمّع استثنائي لأحافير وجثث حيتان استقرت في قاع المحيط بعد نفوقها. ويقع الموقع المُكتشف غرب أستراليا في قاع المحيط الهندي، ويمتد على مسافة تقارب 1200 كيلومتر ضمن منطقة تُعرف باسم صدع "ديامانتينا"، وهي منطقة تضم سلاسل جبلية وأخاديد بحرية عميقة. وتتراوح أعماق الموقع بين 4500 و7000 متر تحت سطح البحر.
وقد نُشرت تفاصيل الاكتشاف في دراسة صدرت في مجلة Nature وقادها باحثون صينيون. وعلى مدى عدة أشهر، استخدم الفريق البحثي غواصة علمية متخصصة لاستكشاف تلك الأعماق السحيقة. فمن خلال أكثر من ثلاثين رحلة غطس نُفذت منذ عام 2023، استكشف الباحثون جزءاً من المنطقة الشاسعة، وتمكنوا من التعرف على بقايا نحو 480 حوتاً. كما استخرجوا بعض العينات لدراستها بصورة أكثر تفصيلاً.
وتشير النتائج إلى أن بعض البقايا حديثة نسبياً وتعود إلى حيتان نفقت خلال العقود الأخيرة، في حين أن أقدم البقايا المكتشفة تعود إلى نحو خمسة ملايين سنة. وتبين أن معظم الحيتان الموجودة في الموقع تنتمي إلى مجموعة الحيتان المنقارية، وهي حيتان معروفة بقدرتها الاستثنائية على الغوص إلى أعماق كبيرة قد تصل إلى ثلاثة آلاف متر. ويعود اسمها إلى امتلاكها مقدمة رأس طويلة تشبه المنقار، ما يجعل شكلها أقرب إلى شكل الدلافين.
ويرى الباحثون أن صلابة هذه المنطقة من الجمجمة ساهمت في بقائها محفوظة عبر فترات زمنية طويلة. كما أن قلة الرواسب في قاع المنطقة ساعدت على بقاء العظام مكشوفة بدلاً من دفنها تحت طبقات رسوبية سميكة. ويُرجح العلماء أن تكون منطقة "ديامانتينا" ممراً تستخدمه الحيتان أو موقعاً للتغذية، وهو ما قد يفسر هذا التركز الكبير وغير المعتاد للأحافير والجثث في المكان نفسه.
ومن بين مئات البقايا المكتشفة، حدد الباحثون نوعاً جديداً من الحيتان لم يكن معروفاً من قبل، وأطلقوا عليه اسم Pterocetus Diamantinae نسبة إلى منطقة ديامانتينا. ويؤكد الفريق البحثي أن دراسة المواد المكتشفة لا تزال في بدايتها، وقد تستمر لسنوات عديدة.
لم تركز الدراسة المنشورة الأسبوع الماضي على تاريخ تطور الحيتان بشكل مباشر، إلا أن البقايا المكتشفة قد تساهم مستقبلاً في توسيع معرفتنا بتاريخ الحيتانيات (Cetaceans)، سواء من خلال دراسة الأحافير نفسها أو عبر محاولة استخراج مواد وراثية من بعض العينات الحديثة نسبياً.
ويُعد تطور الحيتان من أكثر التحولات التطورية توثيقاً في السجل العلمي. وقد تمكن العلماء من إعادة بناء هذا التاريخ تدريجياً اعتماداً على الأحافير من جهة، وعلى دراسة تشريح الحيتان الحديثة وتحليل حمضها النووي من جهة أخرى. لفهم أصل الحيتان، يجب العودة إلى ما يزيد على خمسين مليون سنة، إلى المنطقة التي تقع اليوم ضمن باكستان. هناك عاش حيوان ثديي بري منقرض عُثر على بقاياه الأحفورية وأُطلق عليه اسم Pakicetus.
كان هذا الحيوان يشبه إلى حد ما ذئباً أو كلباً كبير الحجم مزوداً بحوافر، لكنه امتلك خصائص فريدة في الجمجمة والأذن الداخلية. وقد أقنع تحليل تلك البقايا العلماء بأنه يمثل أقدم أفراد السلالة الحوتية المعروفة، وأنه كان يعيش بالقرب من البيئات المائية. وخلال ملايين السنين اللاحقة ظهرت أشكال انتقالية أخرى، مثل Ambulocetus وRodhocetus، أظهرت أحافيرها تزايد الاعتماد على البيئة المائية تدريجياً. فقد تحولت الأطراف الأمامية شيئاً فشيئاً إلى زعانف، بينما تقلصت الأرجل الخلفية تدريجياً حتى اختفت تقريباً، ولم يبق منها لدى الحيتان الحديثة سوى بقايا أثرية داخل الجسم. ومع مرور الزمن أصبحت الحيتانيات كائنات بحرية بالكامل، تقضي كامل دورة حياتها في الماء.
أكدت تقنيات تحليل الحمض النووي ما كشفته الأحافير، وقدمت تفاصيل إضافية حول آليات هذا التحول التطوري. وأظهرت الدراسات الجينية أن أقرب الأقارب الأحياء للحيتان هو فرس النهر، ما ساعد على فهم موقع الحيتانيات داخل شجرة تطور الثدييات. كما كشفت الدراسات الوراثية عن تغيرات جينية ساعدت الحيتان على التكيف مع الحياة البحرية، خاصة في ما يتعلق بتخزين الأكسجين واستخدامه بكفاءة أثناء الغوص الطويل، إضافة إلى الحفاظ على حرارة الجسم في البيئات البحرية العميقة والباردة. وسلطت دراسة نُشرت في مجلة Science Advances عام 2019 الضوء على عدد من أهم التغيرات الجينية التي صاحبت انتقال الحيتانيات من الحياة البرية إلى الحياة البحرية.
Loading ads...
ويمثل تاريخ الحيتانيات مثالاً بارزاً على قدرة الكائنات الحية على التكيف مع بيئات جديدة عبر فترات زمنية طويلة، إذ تحولت مجموعة من الثدييات البرية الصغيرة نسبياً إلى أكبر الحيوانات التي عرفها كوكب الأرض.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




